في السنوات الأخيرة، لم تعد الأزمات في تونس حوادث استثنائية مرتبطة بظرف عالمي عابر، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية. قيل حينها أنّ أزمة الحبوب هي نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، أزمة السكر بسبب اضطراب الأسواق الدولية، أزمة الماء بسبب الجفاف، أزمة الكهرباء بسبب موجة الحر وارتفاع الاستهلاك. كل تفسير يحمل جزءا هيّنا من الحقيقة لكنه يخفي السؤال الأكبر: لماذا تتحوّل كل صدمة خارجية إلى أزمة داخلية عميقة في تونس؟
المشكلة ليست فقط في نقص مادة أو خدمة، بل في نموذج اقتصادي وسياسي أصبح عاجزا عن الاستباق والتفكير خارج دائرة الجنون المؤامرتي. فمنذ سنة 2021، انتقلت الدولة تدريجيا من موقع التخطيط والإصلاح إلى موقع إدارة النقص. لم تعد الأولوية بناء اقتصاد قادر على الإنتاج والمنافسة، بل ضمان الحد الأدنى من التزويد وتأجيل الانفجار إلى موعد لاحق.
خلال السنوات الأخيرة، عاش التونسيون سلسلة متواصلة من أزمات المواد الأساسية. أزمة السكر التي امتدت لأشهر، نقص القهوة، اضطرابات توزيع الزيت النباتي، مشاكل التزود بالحبوب. لم تكن جلّها مجرد حوادث ”تجارية“ عابرة، بل مؤشرات على هشاشة منظومة كاملة تعتمد بشكل كبير على التوريد وتعاني من ضعف الموارد المالية وتأخر خلاص المزودين وتراجع القدرة على تكوين مخزونات استراتيجية.
في ملف الحبوب مثلا، كشفت الأزمة حجم الارتهان للخارج. فالإنتاج الوطني يبقى رهينا بالمناخ، بينما تحتاج تونس سنويا إلى أكثر من 3 ملايين طن من الحبوب لتغطية حاجياتها. وفي موسم 2022-2023، لم يتجاوز الإنتاج حوالي 1.3 مليون طن بسبب الجفاف، ما فرض اللجوء إلى التوريد في ظروف دولية صعبة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. لكن الحرب لم تكن وحدها السبب. فقد كشفت الأزمة أيضا غياب سياسة طويلة المدى للأمن الغذائي، بعد عقود من تراجع الاستثمار في الفلاحة وضعف تثمين الموارد المحلية.
ثم جاءت أزمة الماء لتؤكد أن المشكلة ليست في مادة واحدة. فقد تراجعت نسبة امتلاء السدود إلى مستويات حرجة خلال السنوات الأخيرة بعد مواسم جفاف متتالية، وأصبحت الانقطاعات المائية تشمل مناطق واسعة من البلاد. مرة أخرى، قدمت الدولة تفسيرات مرتبطة أساسا بالمناخ وهو عامل حقيقي لا يمكن إنكاره، لكن السؤال بقي قائما: لماذا لم تستعدّ الدولة لهذه التحولات رغم أن تقارير علمية عديدة حذرت منذ سنوات من تأثيرات التغير المناخي على تونس؟
أما أزمة الكهرباء، فهي ربما الأكثر دلالة لأنها تمسّ واحدة من أهم وظائف الدولة الحديثة: ضمان خدمة عمومية أساسية ومستقرة. فخلال الأيام القليلة الماضية، شهدت تونس-وما تزال- انقطاعات كهربائية واسعة، طالت معظم الولايات والجهات بمدنها وأريافها ولفترات طويلة وشبه يومية. وكالعادة، حضرت التفسيرات الجاهزة: ارتفاع الاستهلاك وموجة الحر وأعطاب تقنية، في انتظار إلقاء مسؤولية الفشل على أكباش فداء لامتصاص غضب الشارع.
لكن خلف هذه الأسباب المباشرة توجد أزمة أعمق. فالشركة التونسية للكهرباء والغاز تواجه منذ سنوات اختلالات مالية كبرى نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج والاعتماد الكبير على الغاز المورّد، إضافة إلى محدودية الاستثمار في البنية التحتية والطاقة المتجددة. ومن المفارقات أنّ تونس التي تملك إمكانيات هائلة على صعيد إنتاج الطاقة الشمسية، صادق برلمانها في ماي الماضي على اتفاقيات لزمات طاقية تشرف عليها شركات أجنبية، تلجأ للقضاء الدولي في صورة حصول إشكاليات، في إقصاء عميق الدلالات للقضاء التونسي. ليبقى البلد بعيدا عن استثمار هذه القدرات بالسرعة المطلوبة، بينما تستمر الفاتورة الطاقية في الضغط على الاقتصاد.
لكن الأخطر من الأزمات نفسها، هو طريقة التعاطي الرسمي معها.
بدل أن تتحول كل أزمة إلى لحظة مراجعة للسياسات، تحولت في الخطاب الرسمي غالبا إلى معركة ضد ”أطراف خفية“. نقص المواد الأساسية لم يكن نتيجة اختلالات في منظومة الإنتاج والتوزيع بل بسبب ”المحتكرين“. ارتفاع الأسعار لم يكن نتيجة تضخم عالمي واختلالات مالية بل بسبب ”المضاربين“. فقدان بعض المواد من الأسواق لم يكن نتيجة ضعف إدارة المخزون أو مشاكل التمويل بل بسبب ”لوبيات“ تسعى إلى ضرب الدولة.
هكذا انتقل النقاش من سؤال: لماذا فشلت المنظومة؟ إلى سؤال: من هو ”العدو/الشبح“ الذي يجب تحميله المسؤولية؟
اليوم، تجد الدولة نفسها عاجزة عن تمويل الاستثمار لأنّها أصبحت تنفق الجزء الأكبر من مواردها على تسيير الأزمات. في قانون المالية لسنة 2025، تجاوز حجم الميزانية 78 مليار دينار، بينما بقيت خدمة الدين العمومي من أكبر الأعباء على المالية العامة. وقد ارتفع الدين العمومي إلى مستويات تقارب 80 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، في حين بقي النمو الاقتصادي ضعيفا ولم يسترجع نسق ما قبل الثورة.
أما الاستثمار، الذي يمثل المحرك الأساسي لأي خروج من الأزمة، فقد تراجع بشكل واضح. فمعدل الاستثمار في تونس أصبح يدور في فلك 15 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، بعد أن كان أعلى بكثير قبل سنوات. فيما بقيت نسبة النمو في مستويات ضعيفة لا تتجاوز في أغلب السنوات 1 أو 2 بالمائة. اقتصاد بهذه السرعة لا يمكنه خلق مواطن شغل كافية ولا تمويل تحول تنموي حقيقي.
منذ 25 جويلية 2021، رفعت السلطة شعار ”تصحيح المسار“ و”استعادة القرار الوطني“، لكن الواقع الاقتصادي يفرض سؤالا مختلفا: أي سيادة يمكن تحقيقها في ظل تراجع الإنتاج واعتماد متزايد على الاقتراض والتوريد؟
فالسيادة لا تقاس فقط بعدد الخطب والشعارات، بل بقدرة الدولة على إنتاج غذائها، وتأمين طاقتها، وتوفير خدماتها الأساسية. والدولة التي تضطر كل سنة إلى البحث عن تمويلات جديدة لتغطية عجزها وإلى التفاوض من أجل توفير المواد الأساسية وإلى مواجهة غضب المواطنين بسبب الماء والكهرباء، تجد نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحكم.
المفارقة أن الخطاب الرسمي ممثّلا في الرئيس قيس سعيّد، ما يزال يصرّ على تقديم الأزمة دائما باعتبارها نتيجة مؤامرات خارجية أو صعوبات ظرفية، بينما تكشف الأرقام أن المشكلة أعمق. لقد أصبح منطق الحكم اليوم قائما على إدارة اللحظة. شحنة تصل لتجنب أزمة، قرض جديد لتغطية عجز، قرار استثنائي أو زيارة استعراضية بعد غياب عبثي لامتصاص غضب اجتماعي. أما الأسئلة الكبرى فتظل معلقة: كيف نعيد بناء الاقتصاد؟ كيف نرفع الإنتاجية؟ كيف نصلح المؤسسات العمومية؟ كيف نخلق الثروة بدل توزيع الندرة؟
المشكلة أن الزمن لا ينتظر. فكل سنة تمر دون إصلاح حقيقي تضيف كلفة جديدة على الاقتصاد والمجتمع، وكل أزمة يتم احتواؤها مؤقتا تتحول إلى أزمة أكبر في المستقبل. لهذا فإن أزمة الكهرباء ليست أزمة ضغط استهلاكي وارتفاع استثنائي لدرجات الحرارة، كما أن أزمة الخبز لم تكن أزمة غذاء واضطراب في سلاسل التوريد أو الجفاف. إنها حلقات متصلة في مسار واحد: مسار دولة فقدت قدرتها على التخطيط وتحولت إلى جهاز لإدارة النقص.
منذ سنوات، يتراجع السؤال من ”كيف نبني المستقبل؟“ إلى ”كيف نمنع الانهيار؟“. وهذه هي أخطر علامة على أزمة نموذج اقتصادي وسياسي كامل. فحين يصبح توفير الخبز إنجازا، ووصول الماء انتصارا، واستمرار توزيع الكهرباء خبرا إيجابيا، فذلك يعني أن سقف التوقعات قد انخفض كثيرا وأن الدولة التي وعدت باستعادة ”سيادتها“ تجد نفسها في مواجهة معركة أكثر بدائية: إقناع مواطنيها بأنها ما زالت قادرة على ضمان أبسط شروط الحياة.
وبين طموح السيادة وواقع الندرة، يتشكل اليوم وجه تونس الجديدة؛ وجه لا تصنعه أزمة واحدة بل تشكّله سلسلة أزمات لم تعد استثناء، بل أصبحت الإيقاع اليومي لإدارة الشأن العام.




iThere are no comments
Add yours