لم تكن دليلة بلقاسم عبد المؤمن، عاملة الفلاحة، تدري أن شمس يوم 20 جويلية 2026 الحارقة والبيوت المكيفة التي عملت فيها لسنوات ستكون شاهدة على يوم عملها الأخير، لتسلم جسدها المنهك إلى الأرض. فاجعة خيّمت بحزنها وقساوتها على أبنائها وعائلتها بمنطقة الجبارنة الفلاحية، وهي عمادة تبعد عن معتمدية جبنيانة من ولاية صفاقس حوالي العشر كيلومترات.

 دليلة كانت تبلغ من العمر 35 سنة، أم لولد وفتاة يدرسان بمدرسة اعدادية بالجهة، يمثل عملها الشاق المصدر الوحيد لرزق عائلتها حسب ما أكدته إحدى صديقاتها لنواة، التي أفادت بأن الراحلة تعرضت لضربتي شمس خلال الأسبوع الذي توفيت فيه، جراء العمل لساعات طويلة دون أي حماية من الشمس الحارقة وحرارتها المنهكة للجسد ، حسب ما شخصه أحد أطباء المنطقة.

هي ليست حالة وفاة عابرة، بل حكاية تختصر معاناة آلاف العاملات الفلاحيات في تونس وصراعهن مع الإجهاد الحراري والتغير المناخي الذي أضحى جلادا في الحقول يتربص بهن كل يوم.

من خطر النقل إلى خطر الحر والمبيدات

فرضت الفواجع التي تواجه عاملات وعمال الفلاحة نفسها في السنوات الاخيرة  في تونس، وخاصة حوادث شاحنات الموت التي ترافق هاته الفئة العمالية جراء انعدام النقل الآمن وغياب المراقبة وصمت السلطات عن عدم تطبيق القوانين.

الناجيات من فواجع شاحنات الموت، قد يلاحقهن موت بطيء بعد الوصول إلى الضيعات التي يعملن بها، والسبب العمل في أراض يقع رشّها بالمبيدات الفلاحية دون تكوين مسبق أو توفر معدات حماية، فتكون عاملة الفلاحة معرضة لمواد كيميائية بالغة الخطورة عبر اللمس أو الاستنشاق، ما ينعكس سلبا على الجهاز التنفسي والعصبي ويتسبب في أمراض مزمنة عصبية وجلدية ومنها أمراض السرطان. هذه المعاناة اليومية لعاملات الفلاحة تتضاعف خلال فصل الصيف وموجات الحر، خاصة اللواتي تعملن داخل مايعرف بحقول البيوت المكيفة. فحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية صادر سنة 2019، تتراجع إنتاجية العمل عند التعرض لدرجات حرارة أعلى من 24-26 درجة مئوية، أما عندما تبلغ درجة الحرارة 33-34 درجة مئوية ، ينخفض أداء العملة بنسبة 50 بالمائة، لكن الواقع يكشف انعكاسات أخطر من ذلك بكثير. في هذا الإطار، أبرز الدكتور عبد الله بن سعد الخبير الفلاحي لنواة انه لم يقع الأخذ بعين الاعتبار مسألة الجندرة عند تحديد سياسات التصدّي للتغيّرات المناخيّة إلاّ بطريقة مُحتشمة جدّا مثلما هو الحال في تونس، فبعد إطلاق وزارتي المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن ووزارة البيئة في جانفي 2023 ما سمّي بـ ”الخطّة الوطنيّة للمرأة والتغيّرات المناخيّة“ لم نر أي أثر مكتوب لتلك الخطّة التي جاءت معزولة عن أي إطار يحتويها كالإستراتيجية التي يصبو إليها كلّ الناشطين في هذا المجال.

عاملات فلاحيات بإحدى الضيعات الفلاحية بجبنيانة يشهرن “الفولارة” التي تحولت إلى رمز معاناة ومقاومة النساء عاملات الفلاحة – صور نواة – صبري الزغيدي

السيدة منيرة بن صالح، منسقة عاملات الفلاحة بجهة جبنيانة من ولاية صفاقس، روت لنواة مشاهد مؤلمة ومأساوية أطلقت عليها ”مشاهد الحرب“:

العاملة الفلاحية في حرب مع الحرارة الشديدة التي قد تبلغ 40 و 50 درجة تحت الشمس، فتجدها في أغلب الأحيان في وضعية القرفصاء وهي تجني المحصول، وقد يكون هذا المحصول داخل البيوت المكيفة ما يزيد في درجات  الحرارة، لذلك تلاحقنا أمراض جلدية من بينها (الصفراء)، علاوة على الإغماءات والإرهاق واضطرابات تنفسية بسبب قلة الاكسيجين داخل البيوت المكيفة، وقد بلغ الأمر حد اجهاض احدى العاملات الحوامل جراء ذلك.

هذه البيوت المكيفة، تمثل كذلك خطرا على عاملات الفلاحة في مواسم الرياح العاتية والأمطار القوية، لأنها مهددة بالسقوط في كل لحظة، فضلا عن أن الأمطار والرياح  تمثلان مناخا ملائما لانتشار الأمراض ومن بينها “الرمد” في العيون. تقول السيدة منيرة ”إن العمال والعاملات على حد السواء، يضطررن في أحيان كثيرة لخلط بعض سوائل المبيدات بأيديهن، في غياب أي لباس صحي يقيهن من تأثيراتها، فكم من عاملة أصيبت بالربو وبصعوبات التنفس والاغماءات ووصل الأمر إلى إصابة عدة عاملات بالسرطان، كل ذلك وهنّ محرومات من التغطية الصحية والاجتماعية“.

الدكتور عبد الله بن سعد، الخبير في المجال الفلاحي، أكد في تصريح لنواة غياب أي إجراءات تتعلق بالتداعيات الخطيرة على العملة جراء الاستعمال العشوائي للمبيدات الحشرية، وبين أن المرسوم عدد 4 المتعلق بالحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات تعرض في العنوان الرابع ، الباب الثاني من الفصل 38 إلى الفصل 43 إلى مسألة التأمين ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية، لكنه لم يتعرض إلى تجريم إستعمال المبيدات الحشرية منتهية الصلوحية ”التي تسبب أخطر الأمراض المهنية ومنها الأمراض الخبيثة، كما لم يتعرض إلى ضرورة إعداد إستراتيجية وطنية للتخلص من نفايات المبيدات الحشرية التي يقع التخلص منها إما بحرقها أو برميها مع بقية النفايات، ما يُمثل لا فقط خطرا على العملة الفلاحيين وإنما على بقية المواطنين والحيوان والنبات“.

ما تتركه المبيدات يكمله غياب التغطية الاجتماعية

إضافة إلى مخاطر التغير المناخي واستعمال المبيدات، تعاني عاملات الفلاحة من ضعف حاد في التغطية الاجتماعية، حيث لا تتجاوز نسبتها 10 %، ويعود هذا الضعف إلى خصوصية العمل الفلاحي في تونس الذي لا يوفر دخلاً شهريًا ثابتًا أو راتبًا منتظمًا يمكن الاقتطاع منه لتوفير تغطية اجتماعية مناسبة، مما يجعل العاملات في وضع هش للغاية دون قدرة على مواجهة المخاطر المتزايدة التي تفرضها طبيعة العمل.

في هذا السياق، لم يستغرب الدكتور عبد الله بن سعد الخبير في المجال الفلاحي تجاهل نظام الحماية الاجتماعية في تونس لمخاطر التغير المناخي ، واستعمال المبيدات، مذكّرا بأنّ وزيري الصحّة والشؤون الاجتماعية أصدرا قرارا في 10 جانفي 1995 (بعد 39 سنة من الإستقلال) يتعلّق بضبط قائمة الأمراض المهنيّة، والذي وقع تحيينه بقرار ثان مُؤرّخ في 15 أوت 2007، أمّا آخر تحيين فقد حصل سنة 2025 عبر القرار المُؤرّخ في 18 سبتمبر. تحيين شمل مراجعة 52 جدولاً من أصل 86 في علاقة بالأمراض المهنية المعترف بها قانونياً.

يضيف محدثنا، بأنّ تطبيق هذه التنقيحات على أرض الواقع لن يحصل إلاّ بنسبة ضئيلة جدّا (في بعض الضيعات الخاصة أو الشركات المهيكلة والتي لا تُمثّل إلاّ عددا قليلا جدّا) نظرا لغياب المراقبة من طرف تفقدّيات وطب الشغل للضيعات الفلاحية بسبب أنّ القطاع الفلاحي قطاع غير منظّم من ناحية وكذلك بسبب عدم تطبيق الإتفاقية عدد 129 المُتعلّقة بـ ”تفقّد الشغل في القطاع الفلاحي“ الصادرة عن منظمة العمل الدولية سنة 1969 والتي لم تُصادق عليها تونس إلا سنة 2019 أي بعد 50 سنة من صدورها.

المفارقة المفزعة في موضوع استعمال المبيدات الحشرية والفلاحية والمواد الكيميائية في المجال الفلاحي أن أكثر هذه المكونات الكيميائية استعمالا في الضيعات الفلاحية في تونس، يمنع استعمالها بصرامة في الدول التي تكترث لسلامة مواطنيها أو يمنع استعمالها من غير المختصين، شرط توفير حماية كاملة تمنع استنشاق هذه المواد أو لمسها أو حتى تعرض الجلد والعيون لبخارها ورائحتها.

 ومن أهمها:

  • السياناميد (Cyanamide) الذي يرشّ على الأشجار المثمرة مثل العنب والتفاح والتين والكيوي وغيرها، يحتوي على مواد مسرطنة تسبب حروقا بالغة في الجلد وضررا شديدا في العينين. وهو مركب كيميائي، بدأت الدراسات تكشف تأثيراته السلبية على الخصوبة والجهاز الهرموني. المفارقة هنا أن هذه المادة وقع حظر استعمالها بالكامل داخل الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2009 لكنها تصنّع داخله وتصّدر إلى دول مثل تونس وجنوب إفريقيا.
  • مبيد الباراكوات (Paraquat) وهو مبيد قاتل لجميع الأعشاب التي يرش عليها، يفقد خطورته عند ملامسة التربة لكنه مادة سامة قاتلة للإنسان في صورة ابتلاع ولو جرعة صغيرة منه، يتلف الرئتين تماما ويسبب فشلا كلويا ويفتك بالكبد، التعرض لهذه المادة يسبب حروقا جلدية وإصابات بصرية حادة. كما تكشف عدد من الدراسات ارتباطه بمرض الباركنسون. مادة محظورة في أكثر من 70 دولة لا يسمح باستخدامها إلا من قبل مختصين مجهزين بكل أدوات الحماية للجلد والجهاز التنفسي والعيون.
  • ديكلوروبروبان (Dichloropropène) وهو مبيد للديدان والحشرات، تم تّاكيد تسببه في السرطان يؤدي استنشاقه إلى ضرر بالغ في الكبد والكلى والجهاز العصبي، و كغيره من المبيدات يسبب عند ملامسته حروقا في الجلد وإصابات بصرية. تم منع استخدامه كمبيد فلاحي في أغلب دول العالم منذ الثمانينات.

جمعية ”التربية البيئية للأجيال المستقبلية“ و”الشبكة الدولية للقضاء على المواد الملوثة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا“، أكدتا في تقرير لهما صدر بتاريخ 11 ماي 2021  أنّه ”يتعين على تونس التوجه نحو خيار الحفاظ على صحة الإنسان ، كما يفرض الدستور، وكذلك عملة الفلاحة المتعاملين مباشرة مع المدخلات الفلاحية من مُبيدات وأسمدة مع ضرورة ضمان الشفافية والحق في المعلومة وإيقاف توريد المبيدات الممنوعة في بلدان المنشأ“.

خطر يتضاعف تحت شمس التغير المناخي

المبيدات على تنوعها، لا تتسرب إلى جسم الإنسان عبر منفذ واحد، بل عن طريق الاستنشاق أو اللمس أو التعرض الى رذاذ على الجلد والعينين أو ابتلاع كميات، وإن كانت قليلة جدا، تهاجم الجهاز الهضمي، ويحدث ذلك أثناء خلط المبيدات ونقلها ورشها، أو عند ملامسة النباتات التي عولجت حديثا، كما قد ينتقل عبر الملابس الملوثة أو الأيدي التي لم تُغسل جيدا، ويزداد الخطر عند العمل عكس اتجاه الرياح أو في أماكن سيئة التهوية، وكذلك عند تناول الطعام أو الشراب أثناء عملية الرش.

من جهته، يؤكد الدكتور محمد عدنان الحنشي، الخبير في طب الشغل والصحة والسلامة المهنية، لـنواة أن المرأة العاملة في القطاع الفلاحي تواجه مخاطر صحية متزايدة نتيجة تعرضها المباشر والمتكرر للمبيدات الكيميائية، في ظروف عمل هشة تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى وسائل الوقاية والتكوين والحماية الاجتماعية. ويزداد هذا الخطر حدة مع التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، التي لا تغير طبيعة العمل الفلاحي فحسب، بل تساهم أيضا في انتشار الآفات الزراعية وتكثيف استعمال المبيدات.

ويشير الحنشي إلى أن دراسة للاتحاد الوطني للمرأة حول ”الواقع الصحي للمرأة الريفية“، أُنجزت بين سنتي 2016 و2018 وشملت 1200 امرأة ناشطة في القطاع الفلاحي بـ13 ولاية تونسية، كشفت أن 84 بالمائة من النساء يستعملن المبيدات الحشرية دون وسائل وقاية، فيما لم تتلقَّ 74 بالمائة منهن أي تكوين حول كيفية استعمال المبيدات الكيميائية. أرقام تكشف هشاشة منظومة الوقاية، وتحول العاملات الفلاحيات إلى الحلقة الأضعف في منظومة الإنتاج الزراعي.

يشرح محدثنا أن التغيرات المناخية، ولا سيما ارتفاع درجات الحرارة واختلال المواسم وتواتر فترات الجفاف، توفر ظروفا ملائمة لانتشار الحشرات والاوبئة وظهور أنواع جديدة منها، بما يدفع الفلاحين إلى تكثيف استخدام المبيدات الكيميائية لحماية محاصيلهم. غير أن هذا الحل قد يتحول إلى مصدر خطر إضافي على صحة العاملين، خصوصا عندما تتم عمليات الرش دون تكوين أو توفير بدلات وتجهيزات وقائية.

الدكتور الحنشي حذر من أن التغير المناخي لا يضيف خطرا جديدا فحسب، بل قد يضاعف أيضا خطورة التعرض للمبيدات نفسها، فارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر الشديدة يزيدان من الإجهاد البدني وفقدان السوائل والتعرق، بينما قد تؤدي الحرارة إلى زيادة تطاير بعض المواد الكيميائية وانتشارها في الهواء، كما يساهم التعرق وارتفاع حرارة الجسد في تعزيز امتصاص بعض المواد عبر الجلد.

كما يلفت الحنشي الانتباه إلى الصحة الإنجابية للنساء العاملات في الفلاحة، باعتبارها من أكثر الجوانب حساسية، إذ يمكن أن يرتبط التعرض لبعض المبيدات باضطرابات الدورة الشهرية والخصوبة ومضاعفات الحمل، فضلا عن مخاطر الإجهاض والولادة المبكرة وبعض التأثيرات المحتملة على نمو الجنين والطفل. فالخطورة حسب محدثنا لا تكمن في المبيدات وحدها، وإنما في اجتماع التعرض الكيميائي مع الهشاشة الاجتماعية والمهنية، فالعاملات الفلاحيات يعملن، في كثير من الحالات، دون تغطية اجتماعية أو حماية صحية ومهنية كافية، وفي ظروف عمل قاسية، ما يجعل المرض أو الإصابة أكثر كلفة وأقل قابلية للعلاج والتدارك.

عاملة فلاحية تحمي نفسها بتغطية الرأس وتكثيف الملابس من أشعة الشمس الحارقة، في غياب لملابس الحماية الخاصة بالعمل الفلاحي أثناء فترات الحر ورش المبيدات الفلاحية – صور نواة – صبري الزغيدي

من هذا المنطلق، فإن حماية العاملات لا يمكن أن تُختزل في تقديم نصائح فردية، بل تتطلب سياسة عمومية متكاملة للصحة والسلامة المهنية في القطاع الفلاحي، تشمل التكوين الإجباري في استعمال المبيدات، وتوفير معدات الوقاية، وتشديد الرقابة على ظروف العمل، وتعزيز التفقد في القطاع الزراعي، وضمان الحماية الاجتماعية للعاملات ومواءمة التشريع التونسي مع المعايير الدولية للصحة والسلامة المهنية، وخاصة الاتفاقيتين الدوليتين رقم 155 المتعلقة بالسلامة والصحة المهنيتين، ورقم 187 المتعلقة بالإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنيتين، إلى جانب تعزيز آليات التفقد في القطاع الزراعي، بما ينسجم مع مقتضيات الاتفاقية رقم 129 لمنظمة العمل الدولية.

والمؤكد، حسب الخبراء والنقابات أن الوقاية تبدأ من لحظة التعامل مع المبيد، أي بتوفير الملابس الواقية والقفازات والنظارات ووسائل حماية الجهاز التنفسي، وتجنب الرش أثناء هبوب الرياح القوية أو في ذروة ارتفاع درجات الحرارة، والحرص على الترطيب المستمر والنظافة الشخصية، وغسل الملابس الملوثة بشكل منفصل، إلى جانب التخزين الآمن للمبيدات والتخلص السليم من عبواتها.

أما بالنسبة إلى النساء الحوامل والمرضعات، وجب حسب الخبراء إبعادهن عن المهام التي تنطوي على التعرض للمواد الكيميائية الخطرة، حماية لصحة الأم والجنين والرضيع، مع تحميل المشغّل مسؤولية توفير ظروف عمل آمنة وتفادي تعريض العاملات، وخاصة خلال فترات الحمل والرضاعة، للمخاطر التي يمكن أن تهدد صحتهن أو صحتهن الإنجابية.

الدكتور عدنان الحنشي أبرز لنواة أن حماية المرأة العاملة في الفلاحة من مخاطر المبيدات ليست ترفا صحيا ولا امتيازا اجتماعيا، بل هي حق أساسي في العمل الآمن واللائق، ففي ظل مناخ يزداد قسوة، لا يمكن مواجهة المخاطر الجديدة بأدوات قديمة، ولا يمكن تحميل العاملات وحدهن مسؤولية حماية أنفسهن من مواد خطرة تُستخدم داخل منظومة إنتاج يفترض أن تكون فيها السلامة المهنية مسؤولية مشتركة، وفي مقدمتها مسؤولية الدولة والمشغّل.

أما في ما يتعلق بتجاهل مخاطر التغيرات المناخية، فيبين الدكتور عبد الله بن سعد إن لا شيء يوحي بأن تونس اتخذت الإجراءات اللازمة لحماية العمال من هذه المخاطر. ويعتقد أنه، مثلما انتظرنا عقودا لتحديد قائمة الأمراض المهنية، منذ سنة 1995، أي بعد 39 عاما من الاستقلال، فقد نضطر إلى انتظار سنوات أخرى لتقنين حماية العمال من مخاطر التغيرات المناخية.

الطريق إلى وقف النزيف

رغم قتامة المشهد ولامبالاة السلطة وتفكير أصحاب الضيعات في تحقيق الربح المادي قبل أي شيء آخر، تبقى الأوضاع قابلة للإصلاح لضمان سلامة كل المنظومة الفلاحية عملة وإنتاجا. في هذا السياق يٍؤكد عبد الله بن سعد على ضرورة منع توريد وتجارة المبيدات المحظورة في الدول الصناعية، وتشديد الرقابة على مسالك التوزيع للحد من دخول المواد السامة والمنتهية الصلوحية، إلى جانب إرساء سجل لتتبع المبيدات يضبط نوع المادة المستعملة ومصدرها وتاريخ صلوحيتها وكيفية استعمالها وهوية العامل الذي تم تكليفه بخلطها واستعمالها.

كما أكد الخبير الفلاحي على ضرورة إحداث جهاز مختص بالمبيدات الفلاحية صلب الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات ووضع منظومة واضحة المسالك للتصرف في المبيدات المنتهية الصلوحية.

ولا تقتصر المقترحات على الرقابة، بل تشمل أيضا إعادة بناء منظومة الإرشاد والوقاية، عبر إعادة الاعتبار إلى المرشدين الفلاحيين، وإحداث اختصاصات في مجال الاستعمال الآمن للمبيدات، وإطلاق حملات تحسيسية عبر وسائل الإعلام، مع منع استعمال المواد السامة قرب مصادر مياه الشرب، وضمان وسائل الصحة والسلامة المهنية للعاملات والعمال، وتفعيل لجان الصحة والسلامة داخل الضيعات وتفعيل المجلس الوطني للوقاية من الأخطار المهنية وتفقديات وطب الشغل داخل القطاع الفلاحي.


صرخة عاملات الفلاحة ضد الحيف
-11 جانفي2024-

من قلب الشمال الغربي التونسي بين أرياف بوسالم الجميلة القاسية، ترفض النساء العاملات في الفلاحة الرضوخ لواقع البطالة وقلة ذات اليد. تراهن يتنقلن فجرا في رحلات تكون بعضها مميتة للعمل الفلاحي دون تغطية اجتماعية وبأجور زهيدة. نواة التقت بعضهن لتنقل نضالاتهن في وجه الحيف الاجتماعي.


ولمواجهة هاجس التغيرات المناخية والارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، ما يؤدي إلى تعرض عملة الفلاحة إلى ضربات شمس قاتلة، يرى بن سعد أن رأس المال الفلاحي وضع العاملات والعمال في الخط الأمامي للهشاشة ومواجهة المخاطر، خصوصا النساء الحوامل وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، معتبرا ظروف العمل وطريقة احتساب الأجر عاملين رئيسيين في مواجهة العملة لمخاطر الشغل المميتة؛ فالأجر بالقطعة، على سبيل المثال، قد يدفع العامل إلى إطالة ساعات العمل وتقليص فترات الراحة. لذلك، تصبح الحماية مرتبطة بتوفير الماء، وأماكن للراحة والظل، والملابس الواقية، واعتماد تنظيم للعمل يضع سلامة الإنسان قبل الإنتاج.

ويضيف الخبير الفلاحي أن مواجهة الشح المائي والتطرف المناخي تستوجب حلولا عملية، من بينها إعادة استعمال المياه المعالجة في الري، وتوسيع الزراعة المستدامة، وإعادة الاعتبار إلى الإرشاد الفلاحي، والحفاظ على الموروث الجيني المحلي، وتحديث الخارطة الزراعية، ومقاومة التصحر، وترميم الأراضي والتربة المتدهورة.


صرخة عاملات الفلاحة في وجه التهميش الرسمي
– 07 ماي 2025 –

مثّلت المسيرة التي شهدتها العاصمة تونس في 07 ماي 2025، شارة انطلاق المؤتمر الثاني لحراك أصوات عاملات الفلاحة تحت شعار “الاعتراف بمهنة عاملة في القطاع الفلاحي”. المحتجّات طالبن الدولة بالاعتراف بمهنة “العاملة الفلاحية” كمهنة قائمة الذات تضمن الحماية الاجتماعية والأجر العادل وظروف العمل الآمنة.


وفي قلب هذه الأزمة، تظل المرأة الفلاحية الحلقة الأشد هشاشة، فالبعد الجندري، لم يحظَ بما يكفي من الاهتمام في السياسات المناخية التونسية، رغم إطلاق ”الخطة الوطنية للمرأة والتغيرات المناخية“ سنة 2023. ما يكشف عن فجوة رهيبة بين ما يخطّ على الورق وما يطبّق على الأرض. لذلك، فإن حماية العاملين في القطاع الفلاحي تقتضي إعادة صياغة المقاربة برمتها، عبر إدماج الصحة والسلامة والمخاطر المناخية والبيئية في التشريعات ومنظومة الحماية الاجتماعية، باعتبار أن الفلاحة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل ركيزة للأمن الغذائي، وأن حماية من ينتجون الغذاء تبدأ، قبل كل شيء، بحماية حياتهن وكرامتهن.