في 15 أوت 2026، ترأست رئيسة الحكومة سارة الزعفراني مجلس وزراء مضيّق بخصوص مشاريع التحول الرقمي، تتركّز جميعها في الخدمات الإدارية الرقمية ضمن مخطّط على مدى خمس سنوات أي بين العامين 2026-2030، لكن في المقابل، تسير تونس على الطريق الذي سطّرته من أجل التحوّل الرقمي دون ضمانات بحماية المعطيات الشخصية للتونسيين.
لا يظهر تقصير السلطة في تونس في حماية المعطيات الشخصية من خلال نشر معطيات خاصة للتونسيين على الأنترنت للعموم واستخدام بعض مؤسساتها لمواقع إلكترونية رسمية غير آمنة، فحسب، بل تصمت النيابة العمومية تجاه الانتهاكات شبه اليومية التي يقوم بها أفراد وصفحات رسمية على رأسها صفحة رئاسة الجمهورية على وسائل التواصل الاجتماعي في تونس.
مؤسسات عمومية في مرمى الاتهامات
ينص الفصلان الرابع والخامس من القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 مؤرخ في 27 جويلية 2004 على تعريف معنى المعطيات الشخصية، إذ يعرّفها بأنها ”كل البيانات مهما كان مصدرها أو شكلها والتي تجعل شخصا طبيعيا معرّفا أو قابلا للتعريف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة“ وأنّه ”يُعد قابلا للتعريف، الشخص الطبيعي الذي يمكن التعرّف عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال مجموعة من المعطيات أو الرموز المتعلقة خاصة بهويته أو بخصائصه الجسمية أو الفيزيولوجية أو الجينية أو النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية“.
يضمن الفصل الأول من هذا القانون حق كل شخص في حماية معطياته الشخصية باعتباره من الحقوق الأساسية، وينص على عقوبات سجنية ومالية ضدّ كلّ من يخالف تلك المعطيات.
على الرغم من أنّ القانون الأساسي المتعلّق بالمعطيات الشخصية ما يزال ساري المفعول، حتى وإن جُمدت الهيئة الرقابية التي تأسست بموجبه، تنتهك مؤسسات الدولة ذلك القانون بنشر ومعالجة المعطيات الشخصية للمواطنين معرّضة إياهم لأخطار تتصل بالجرائم السيبرانية.
منذ أكثر من ثلاث سنوات ذكر الراحل شوقي قداس، الرئيس السابق للهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، أنّ 330 مؤسسة عمومية وخاصة، لا تحترم قانون حماية المعطيات الشخصية وأنّ الهيئة رصدت انتهاكات قامت بها وزارات ومؤسسات عمومية مثل البريد التونسي والبنك المركزي والسجل الوطني للمؤسسات والصندوق الوطني للتأمين على المرض وهيئة الانتخابات وديوان الطيران المدني والمطارات ووزارتي الصحة والمالية.
جزء من المعطيات الشخصية للمترشحين لمناظرة بوزارة المالية المنشورة للعموم. نواة قامت بحجب البيانات حماية لأصحابها. الموقع الرسمي لوزارة المالية
رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على التحذيرات التي أطلقتها الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، ما تزال وزارات ومؤسسات عمومية تنتهك ذلك الحق. ففي سنة 2025 نشرت وزارة المالية قائمة اسمية للمترشحين في مناظرة لانتداب ملحقين بالتفقد للمصالح المالية اختصاص حقوق وعلوم قانونية، وأدرجت في تلك القائمة بطاقات التعريف الوطنية للمترشحين كاملة دون حجبها كليّا أو تغطية جزء منها، ولا تزال تلك القائمة متاحة للعموم على موقع الوزارة. وواصلت الوزارة سياستها في انتهاك قانون حماية المعطيات الشخصية، إذ يوجد على موقعها قائمة اسمية أخرى للمترشحين إلى اختبارات إنتداب ملحقين بالتفقد اختصاص محاسبة صحبة الأرقام الكاملة لبطاقات تعريفهم الوطنية.
لم تتفرّد وزارة المالية بالانتهاك الخطير لحق المواطن في حماية معطياته الشخصية، فوزارة التعليم العالي تنشر قائمات أعضاء لجان الدكتوراه في الجامعات التونسية، إذ يوجد على موقعها وثيقة بتاريخ 9 مارس 2026، تحتوي على أسماء والأرقام الكاملة بطاقات تعريف أعضاء لجان الدكتوراه إضافة إلى أرقام هواتفهم وبريدهم الإلكتروني. كما تحتفظ وزارة التجهيز على موقعها الإلكتروني بتقرير يتعلق بتحديث ممر النقل البري، وهو تقرير يرجع إلى العام 2016، غير أنّه ما يزال متاحا للعموم ويمكن الوصول إليه. يحتوي ذلك التقرير على نسخة من صورة من مطلب تقدم به أحد المواطنين إلى الإدارة الجهوية للتجهيز، ويحمل هذا المطلب نسخة مصورة لبطاقة تعريفه الوطنية دون أن تقوم الوزارة بحجب معطياته مثل اسمه الكامل ورقم بطاقة التعريف وتاريخ ولادته ومكانها.
من جهتها، انتهكت ولاية تونس معطيات شخصية لأشخاص ذوي إعاقة حين نشرت على موقعها الإلكتروني أيضا قائمة لأصحاب رخص التاكسي من الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو انتهاك صارخ أيضا للمعطيات الصحية الخاصة بهم.

لم يقتصر انتهاك السلطة للمعطيات الشخصية على نشر معطيات خاصة لمواطنين تونسيين، بل تجاوز ذلك إلى انتهاكات تخصّ الأطفال والقُصّر، وهو أمر دأبت عليه رئاسة الجمهورية على صفحتها الرئيسية بـفيسبوك. ففي إطار زياراته الميدانية التي يقوم بها الرئيس قيس سعيد، تكاد لا تغيب صور الأطفال عن المحتوى الذي تنشره صفحة الرئاسة، دون حجب وجوههم. يقول هشام السنوسي العضو السابق بالهايكا في تصريح لنواة:
حين نتحدّث عن حق الجمهور في الصورة، فإنّنا نعني بذلك الصورة التي تنقل معلومة ما واضحة دون تلاعب بمعناها. أما إذا كان استعمال الصورة، بما في ذلك صور الأطفال أو صور مواطنين في وضع هش، هو لأغراض سياسية فإنّ ذلك يعتبر انتهاكا للحق في حماية المعطيات الشخصية. ما نلاحظه أن شخصيات سياسية تقوم بنشر صور أطفال دون حجب وجوههم على صفحات مؤسسات رسمية في موقع فايسبوك، وذلك في إطار دعاية سياسية، ولا تملك تلك الشخصيات الحق في ذلك دون ترخيص من أبوي الطفل، حتى وإن وافق الطفل أو طلب تصويره لأنه لا يملك الأهلية للموافقة من عدمها.
لم تكن رئاسة الجمهورية المؤسسة الوحيدة التي تنتهك الحق في حماية المعطيات الشخصية خاصة للأطفال، الإدارة العامة للحرس الوطني تقوم عادة بحجب صور الأطفال التي تنشرها على صفحتها الرسمية، إلّا أنها استثنت من ذلك طفلاً من مهاجري جنوب الصحراء حيث نشرت صورته دون إخفاء ملامحه في منشور يتحدث عن انقاذ مهاجرين تعطل مركبهم.
يقول الأستاذ أيمن الزغدودي المستشار السياسي لمنظمة أكسس ناو المتخصصة في الأمن الرقمي، في تصريح لنواة إنّ تجميد عمل الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية قد أضرّ بحق التونسيين في حماية حقوقهم وفي الحفاظ على معطياتهم الشخصية ويضيف ”المؤسسات العمومية بما في ذلك رئاسة الجمهورية ووزارات وهياكل عمومية تقوم بتجاوزات في علاقة بهذا الحق الأساسي، ونرى ذلك من خلال الزيارات التي يقوم بها رئيس الجمهورية قيس سعيد التي يتم تصويرها ونشرها على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، حيث يظهر سعيد وهو يحمل أو يقبل أطفالا، دون حجب وجوههم، إضافة إلى زيارات قام بها في المستشفيات ودون حجب وجوه المرضى، وهو ما يعد انتهاكا للفصل الخامس من قانون المعطيات الشخصية. للأسف لا تقوم النيابة العمومية بالتحرك ضدّ تلك الانتهاكات سواء التي تقوم بها مؤسسات رسمية أو أشخاص، إذ ينص الفصل 94 من المرسوم عدد 54 على وجوب تحرك النيابة العمومية إثر كل انتهاك يخص المعطيات الخاصة بالمواطنين. قد لا يعي البعض أهمية حجب المعطيات الشخصية، لذلك فإنه من المهم التنبيه لمخاطر نشر معطيات خاصة مثل أرقام بطاقات التعريف أو الهاتف لأنها تمثل مدخلا لجرائم إلكترونية مثل سرقة المعطيات البنكية، والتجارة بالبشر خاصة الأطفال على الدارك ويب“.

لم تكتف المؤسسات العمومية بالتهاون في حماية المعطيات الشخصية للتونسيين عن طريق نشر معطياتهم الشخصية على الإنترنت المتاحة للعموم، بل واصلت في الاعتماد على مواقع رسمية غير محمية، حيث يمكن اختراقها بسهولة وسرقة بيانات خاصة مثل أرقام الهوية الوطنية التي يطلب موقع الإدارة أو الوزارة، إدراجها. وزارة الاقتصاد والتخطيط مثلا، تتيح خدمة الترشح للمناظرات والاطلاع على نتائجها، وذلك عن طريق إدراج رقم بطاقة التعريف، وفي المقابل، ينبه متصفح الأنترنت إلى أنّ هذا الرابط غير محمي، وبالتالي فإن بيانات مستخدم هذا الرابط معرضة للقرصنة.
يقول الأستاذ أيمن الزغدودي لنواة ”تونس تراهن على التحول الرقمي لكن بنيتها التحتية غير جاهزة بالكامل لحماية المستخدمين من سرقة معطياتهم الشخصية والتصدي للاختراقات، إذ ما تزال بعض الوزارات والمؤسسات العمومية تستخدم مواقع رسمية غير آمنة، ولعلّ حادثة قرصنة بيانات تلاميذ نجحوا في الباكالوريا في الكاف، السنة الماضية والتلاعب بنتائج توجيههم الجامعي، هي أكبر دليل على الثغرات الأمنية للمنصات الإلكترونية المتاحة للاستخدام والمواقع الرسمية التي توفر خدمات رقمية للعموم“.
أثار المرسوم الرئاسي عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال مخاوف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان لما يتضمنه من تهديد فعلي لحرية الصحافة والنشر وانتهاك المعطيات الشخصية. نواة التقت أيمن الزغدودي أستاذ القانون العام للوقوف على جوهر المرسوم و جدية تهديده للحريات.
معطيات شخصية مقابل فتات من الاتحاد الأوروبي
في شهر فيفري من العام الماضي، كشف تقرير بعنوان ”وقف التوسع اللامحدود لصلاحيات المراقبة الرقمية التي تتمتع بها اليوروبول ضد المهاجرين“ نشره تحالف Protect Not Surveil أنّ وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون المعروفة باسم اليوروبول تسعى بواسطة المفوّضية الأوروبية إلى إمضاء اتفاقية مع دول حوض المتوسّط من ضمنها تونس، من أجل تبادل معطيات شخصية لمواطني تلك الدول ضمن سياستها لمكافحة الهجرة غير النظامية.
ذكر موقع اليوروبول، أنه يجوز لهذه الوكالة الأمنية الأوروبية نقل البيانات الشخصية التي تتحصّل عليها من الدول التي تمضي على الاتفاقية، إلى سلطة في دولة ثالثة أو إلى منظمة دولية على أساس قرار ملاءمة من المفوضية الأوروبية و/أو اتفاقية (اتفاقيات) الاتحاد الأوروبي بشأن تبادل البيانات الشخصية من قبل اليوروبول التي أبرمها الاتحاد وفقًا للمادة 218 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي.
نموذج من نشر وزارة التعليم العالي على موقعها للمعطيات الشخصية لأساتذة وأعضاء لجان الدكتوراه – الموقع الرسمي لوزارة التعليم العالي
لم يفض التفاوض مع تونس إلى موافقتها النهائية على الإمضاء على تلك الاتفاقية، وذلك بسبب عدد من القوانين المحلية التي تطوّقها بخصوص بيانات نقل المعلومات الشخصية للتونسيين إلى الخارج، مثل قانون حماية المعطيات الشخصية الذي صدر سنة 2004. غير أنّ المؤشرات تحيل إلى أنّ تونس قد تمضي في إمضاء إلى تلك الاتفاقية، فقد تقدّم عدد من النواب يوم 16 جويلية 2025، بمقترح قانون أساسي يتعلّق بحماية المعطيات الشخصية، ينصّ الفصل 51 من مقترح القانون على أنّ المسؤول عن معالجة المعطيات الشخصية معفى من الحصول على ترخيص من هيئة حماية المعطيات الشخصية عند تحويل تلك المعطيات نحو دول أجنبية.
في ظلّ تجميد متعمّد لعمل الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية منذ العام 2023، يمكن للسلطة في تونس أن تخرج من طوق القانون الأساسي عدد 63 سنة 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، ومواصلة التفاوض مع المفوضية الأوروبية بخصوص الانضمام إلى الاتفاقية التي تمكن الاتحاد الأوروبي من الحصول على بيانات شخصية تهم التونسيين، وذلك إذا وقع تمرير مقترح القانون المذكور الذي تمّت إحالته إلى لجنة الحقوق والحريات، وكان آخر اجتماع لمناقشته في جوان 2026.
جرائم رواد الفايسبوك
تمثل وسائل التواصل الاجتماعي مثل ”تيك توك“ و”فيسبوك“ فضاء لحملات التنمر والسحل عن طريق نشر صور ومعطيات خاصة، غالبا ما يكون ضحاياها من النساء والأطفال. ورغم أنّ هذه الجرائم ثابتة، فإنّ النيابة العمومية لم تتحرك في أغلب الحالات.
يمكن تعداد أمثلة كثيرة عن الانتهاكات التي يقوم بها نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، لعلّ ابشعها حملة التنمر التي طالت طفلة الصيف الماضي خلال حفلة في مهرجان الحمامات الدولي، وقد تداول رواد على فايسبوك فيديو لطفلة تبكي تأثرا بوقوفها أمام مطرب، أعادت قناة تونسنا بث ذلك الفيديو قبل حذفه دون أن تقدم اعتذارا. يقول نور الدين أحمد رئيس لجنة المصورين بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في تصريح لنواة إن نقابة الصحفيين أعدت ورقة توجيهية للمصورين الصحفيين عند تغطية المهرجانات بعد حادثة التنمر التي طالت فتاة، ويضيف ”تم التنكيل بتلك الطفلة التي قام بتصويرها شخص يملك بطاقة اعتماد لتصوير المهرجانات لكنه ليس صحفيا محترفا. من الضروري احترام خصوصية الأشخاص وألاّ يتم انتهاك معطياتهم الشخصية. ما نلاحظه خاصة خلال المهرجانات هو استهداف النساء عند حضورهن في المهرجانات من خلال التركيز على تصوير مظهرهن أو تفاعلهن مع الفنانين، ويلي نشر تلك الفيديوهات حملات سحل إلكتروني وتنمّر وهو أمر خطير جدّا. هذا العام التزم المصورون الصحفيون المحترفون بتوجيهات النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين غير أن قنوات مثل قناة تونسنا ما تزال تعتمد على فيديوهات مصورين معتمدين لدى المهرجانات وهم من غير الصحفيين، دون احترام لمن تم تصويرهم“.

قبل قرابة الأسبوعين، صُدم أصحاب العقل في تونس من نشر فيديو ظهر فيه حامل مصدح بأحدى القنوات وهو يرافق فرقة بوليسية استجوبت رجلا وامرأة في الشارع بطريقة مهينة، لم تكن تلك المرة الأولى التي يقوم فيها ذلك الشخص بانتهاكات جسيمة للحياة الخاصة للناس والدوس المتواصل على كل ما له علاقة بأخلاقيات المهنة الصحفية ومبادئها، من أجل الإثارة والمبالغة في إظهار الولاء والتملق.
حين تقوم السلطات الرسمية بنشر معطيات مواطنيها على الإنترنت، فإنها تصدر بذلك قرارا بإتاحتها للعموم مهما كان حجم التهديد الذي يلحق بصاحبها، رغم أنه من المفترض أن تكون الجهة التي تحميه. ففي فضاء رقمي لا ينسى بسهولة، تتحمّل الدولة مسؤولية في تحويل بيانات أشخاص إلى أثر دائم على الأنترنت لا يمكن محوه. في المقابل، لا تتحرك الدولة تجاه الانتهاكات الجسيمة التي ينتهكها أشخاص ضدّ آخرين، في الوقت الذي تبشّر فيه بتحول رقمي سيغير حياة التونسيين.






iThere are no comments
Add yours