هيثم المكي، المحكوم بسنة سجن على خلفية تدوينة، صحفي متعاون مع منصة ”رشمة“ المستقلة، عمل مع إذاعة موزاييك طيلة عقد ونصف حيث يقدم فقرة à la une الشهيرة والتي يعلق فيها على الأحداث التي تعيشها تونس بشكل ساخر وجريء وناقد. قد لا نبالغ بالقول إن التعليق اليومي لهيثم المكي كان محط اهتمام شعبي وسياسي واسع، يسمعه المسؤول والسياسي والنقابي ومن يريد الاطلاع على التطورات في البلاد، كان صوتا قويا ضد السلطة أيا كان لونها، ينقد الأوضاع بشكل جرىء وساخر مبسط يفهمه الجميع. بعد كل هذه السنوات من التعليق الساخر جاءت سلطة 25 جويلية لتدشن عهدا جديدا من التعتيم وتدجين الإعلام، سياسة أنهت وجود البرامج السياسية وحولت الإعلام العمومي إلى جهاز دعاية وجرّت صحفيين إلى المحاكم والسجون في قضايا رأي، واضطرت هيثم المكي إلى مغادرة البلاد بعد حكم بات بالسجن لمدة سنة.

هيثم المكي أثناء تقديمه لركن الصحافة الساخرة على اذاعة موزاييك قبل أن يتم التخلي سنة 2024 عن أحد أكثر البرامج نجاحا وتحقيقا لنسب الاستماع والمشاهدة الإلكترونية منذ 2011 – صفحة موزاييك على يوتيوب

حكم بالسجن في مواجهة حقائق ثابتة

منتصف شهر جويلية 2026، قضت محكمة الاستئناف بصفاقس، حكما بالسجن لمدة سنة مع النفاذ في حق الصحفي هيثم المكي، وذلك بمقتضى الفصل 86 من مجلة الاتصالات الذي ينص على ”معاقبة كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات بالسجن من عام إلى عامين“. أطوار القضية تعود إلى سنة 2024 حيث فُتح تحقيق ضد هيثم المكي وفقا للمرسوم 54 على خلفية تصريحات تحدث فيها عن جثث المهاجرين غير النظاميين في مستشفى بولاية صفاقس. ورغم أن المحكمة الابتدائية قضت بعدم سماع الدعوى في هذا الملف إلا أن النيابة العمومية استأنفت هذا الحكم وأعادت المحكمة تكييف القضية ليُحاكم المكي استئنافيا بمقتضى مجلة الاتصالات بدلا من المرسوم 54. ويُلاحظ المتابعون لهذا النوع من القضايا أن المحاكم في الفترة الأخيرة اتجهت نحو تطبيق مجلة الاتصالات بعد الانتقادات التي واجهها المرسوم 54 نظرا للعقوبات السجنية المشددة فيه، لكن الوضع لم يتغير باعتبار تواصل صدور الأحكام السجنية السالبة للحرية في قضايا الرأي والنشر.

بدأت أطوار هذه القضية منذ توجيه استدعاء رسمي لهيثم المكي من قبل الفرقة الجهوية للأبحاث العدلية للحرس الوطني بصفاقس إثر شكاية تقدم بها المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة، على معنى الفصل 24 من المرسوم 54، بسبب نشره تدوينات نقل فيها خبر تجاوز مشرحة المستشفى طاقة استيعابها القصوى في أفريل 2023  وتكدس جثث المهاجرين غير النظاميين الغرقى. رغم أن الوضع كان محتقنا آنذاك وسط حالة من الغضب والحزن على تعامل السلطة البوليسي مع قضايا الهجرة، إلا أن السلطة اختارت سياسة الإنكار والهروب إلى الأمام ومقاضاة هيثم المكي رغم أن ما نشره صحيح وتناولته وسائل إعلام وجهات نقابية ومنظمات ومصادر داخل المستشفى المذكور، وهو ما يؤكد نية الاستهداف للمكي عقابا له على انتقاده سياسات السلطة القائمة وفشلها في معالجة مختلف الملفات المطروحة.

يصرح هيثم المكي لنواة بأن الحكم الصادر ضده ”مسخرة قضائية إضافية تنضاف إلى عشرات القضايا التي شهدناها منذ 25 جويلية 2021 والحقيقة كانت متوقعة بالنسبة لي حتى وإن تأخرت لأن النظام يمارس هذه السياسة بشكل ممنهج ولا يمكن أن يترك صوتا حرا دون ملاحقة حتى وان كان هذا الصوت لا تأثير له، أعتبر نفسي محظوظا لأنني تمكنت من مغادرة البلاد قبل إيقافي لكنني أفكر وأنشغل بأوضاع الموقوفين والمظلومين والمساجين السياسيين والمواطنين الذين لا نعرفهم ولا حظ لهم في الإعلام المهيمن والذين مات البعض منهم في السجون بسبب موجة الحر الأخيرة. أفكر في بقية التونسيين الذين يعيشون في حالة سراح مؤقت ومعاناة مستمرة لا يعرفون الحرية ولا المواطنة في ظل نظام لم يتجاوز ظلمه سوى فشله“.


محاكمات الصحفيين تعبر عن سياسة استبدادية، حوار مع الصحفي هيثم المكي
– 17 جانفي 2024 –

استدعاء الصحفي هيثم المكي للبحث في قضية رفعها ضده المستشفى الجامعي بصفاقس بعد نقله خبر انتشار جثث المهاجرين في المشرحة، ليس إلا حلقة أخرى من مسلسل الملاحقات القضائية المسلطة على الصحفيين والنشطاء بهدف اسكاتهم. نواة التقت المكي لبيان أسباب ملاحقة أصحاب الرأي والتناقض بين الخطاب الرسمي وواقع هرسلة الصحفيين المنتقدين للسلطة.


من المرسوم 54 إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات

 اعتبرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن الحكم في حق هيثم المكي يعبر عن استمرار سياسة السلطة في توظيف نصوص جزائية سالبة للحرية في قضايا مرتبطة بالتعبير والنشر. وأكد نقيب الصحفيين زياد دبار أن ”ملاحقة الصحفيين بسبب آرائهم أو منشوراتهم التي تتناول الشأن العام من شأنها خلق مناخ من التخويف والرقابة الذاتية والتأثير على دور الإعلام في إثارة النقاش حول القضايا التي تهم المواطنين“، وأوضح أن الهدف من توظيف المرسوم 54 والفصل 86 من مجلة الاتصالات يهدف إلى فرض واقع يتسم بتكميم الأفواه والتخويف، داعيا إلى اعتماد الضمانات التي يوفرها المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر في القضايا المرتبطة بالنشر والتعبير، بدل اللجوء إلى نصوص جزائية يمكن أن تؤدي إلى عقوبات سالبة للحرية حسب قوله.

بالنسبة للصحفي ثامر المكي، رئيس تحرير منصة رشمة وشقيق هيثم المكي، فإن الحكم الصادر ”غير متوقع لو استندنا على الوقائع القانونية والملف الفارغ من عناصر الإدانة، خاصة أن ما قام بنشره هيثم هو خبر مؤكد أفصح به ممثلون عن وزارة الصحة والعدل والسلط الجهوية. ثم صدر الحكم الابتدائي بعدم سماع الدعوى، وفي الطور الاستئنافي مثل هيثم في جلسة حضورية بحالة سراح هذا بالإضافة لأن التتبع تم وفقا للفصل 24  من المرسوم 54، بينما أن الحكم صدر وفقا للفصل 86 من مجلة الاتصالات. هذه هي العناصر الثلاثة التي جعلت من الحكم صدمة.“

تعتمد السلطة في القضايا التي يُحال فيها صحفيون وفي مختلف قضايا النشر والرأي على الفصل 24 من المرسوم 54 والذي ينص على عقوبات سجنية مشددة تصل إلى خمس سنوات لمجرد نشر أخبار زائفة أو إشاعات، والخطير في هذا الموضوع أن المحاكم قد تحكم بالإدانة والسجن حتى في حال إثبات أن الخبر موضوع القضية صحيح، بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى حد محاكمة الموقف أو الرأي والتعامل معه على أنه خبر زائف وإشاعة، والحال أنه موقف، والموقف قد يعجبنا أو لا يعجبنا لكنه لا يمكن أن يكون إشاعة. والملفت للانتباه أن المحاكم مؤخرا استعاضت عن المرسوم 54 بالفصل 86 من مجلة الاتصالات في عدد من القضايا، وينص هذا الفصل على سجن من يتعمد ازعاج الغير عبر شبكات الاتصال، ما يجمع بين هذين النصّين هو العقوبات السجنية إضافة إلى العبارات الفضفاضة القابلة للتأويل ويمكن توظيفها دون قرائن وأدلة قد تُدين صاحبها.

رغم القضايا والسجون، لن يُسكتوا صوت الحقيقة

نحن لا نتعامل مع مجرد قضية تشبه مئات القضايا التي يُحال فيها مواطنات ومواطنون فقط لأنهم عبروا عن آرائهم أو نقدهم للسلطة أو نشروا أخبارا صحيحة لكنها لا تروق للسلطة، بل نحن إزاء قضية تُحاكم فيها الصحافة التي تقدم الحقائق كما هي دون تجميل أو توجيه. هي أيضا محاكمة لما تبقى من الإعلام الذي لم يدخل بيت الطاعة ولم تتمكن السلطة من تدجينه رغم قدرتها على تركيع الإعلام العمومي وجزء كبير من الإعلام الخاص وتحويله إلى أجهزة بروباغندا رخيصة، بروباغندا مهمتها التعتيم والتطبيل والتغاضي عن المشاكل الحقيقية للتونسيات والتونسيين وتقديم المغالطات وعدم مساءلة السلطة، وما ادراك ما مساءلة السلطة، فهي من الوظائف الرئيسية التي وُجد من أجلها الإعلام، لا التطبيل والدعاية المبتذلة.

25 جويلية 2026 تونس – لافتة لهيثم المكي بعد صدور الحكم بسجنه خلال مظاهرة رافضة للاستبداد العابث – صور نواة – ملاك بن دخيل

ويعتبر ثامر المكي أنه ”بعد أكثر من ثلاث سنوات من الهرسلة البوليسية-القضائية، من الواضح أن عمل هيثم، بكل ما يمثله من نقد لاذع وصوت طالما غرد خارج السرب، يزعج السلطة وأصحاب النفوذ على مر العهود. ومن الطبيعي أن يحكم بالسجن في ظل حكم سلطوي شعبوي فاشل يغطي عجزه عن حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية من خلال القمع ووصم كل الأصوات المستقلة والناقدة“.

هذه القضية ليست الأولى من نوعها التي تُرفع ضد هيثم المكي، فقد مثل المكي رفقة زميله إلياس الغربي في ماي 2023 أمام الإدارة الفرعية  للقضايا الإجرامية بالڨرجاني إثر شكوى تقدمت بها إحدى النقابات الأمنية ضد المكي والغربي على خلفية تصريحاتهما في برنامج ”ميدي شو“ آنذاك. ولم يكن هيثم المكي ضحية تتبعات قضائية فحسب بل كان دائما ما يتعرض لهجمات إلكترونية غالبا ما يكون وراءها ميليشيات إلكترونية تابعة للسلطة، سواء كانت زمن حكم النهضة مرورا بزمن التوافق الندائي النهضوي وصولا إلى حكم قيس سعيد. تغيرت منظومات الحكم وبقي هيثم على نفس الخط الناقد الساخر المناهض لكل أشكال الظلم والقمع والتهميش.


الإبقاء على المكي والغربي بحالة سراح بعد 6 ساعات من البحث
– 22 ماي 2023 –

مثل الاثنين 22 ماي 2023، كل من هيثم المكي وزميله إلياس الغربي من اذاعة موزاييك أمام أبحاث ثكنة القرجاني. البحث كان على خلفية شكاية من نقابة بوليسية، في سياق التضييقات المتواصلة التي تستهدف الصحفيين وحرية الرأي والإبداع. بعد نهاية الأبحاث انتظرت النيابة أكثر من 3 ساعات قبل أن تقرر الابقاء عليهما بحالة سراح في انتظار باقي أطوار التتبع.


الحكم ضد هيثم المكي هو حكم ضد كل صوت حر مستقل لا يقبل تزييف الحقائق وتجميل الواقع، هو حكم ضد ما تبقى من جيوب مقاومة إعلامية في هذا المشهد الإعلامي الذي يحكمه منطق الوصاية والتعتيم والمحاكمات، هو محاولة لتخويف ما تبقى من الأصوات الحرة المتمسكة بحقها في التعبير بعيدا عن قيود السلطة وهرسلة المجاميع الفاشية. رغم كل محاولات التركيع والتدجين والهرسلة القضائية والسحل الإلكتروني، يبقى الإعلام المستقل صوتا نشازا ضد موجة القمع والتعتيم، منبرا منحازا لضحايا العبث والتهميش والتنكيل والموت المستراب، رافعا لشعارات الحرية والكرامة والعدالة للجميع.