في الثالث من أوت 2026، اجتمع قيس سعيد في قصر قرطاج بمسؤولي عدد من مؤسسات ”الإعلام الوطني العمومي“: التلفزة التونسية، والإذاعة التونسية، ووكالة تونس إفريقيا للأنباء، ومؤسسة سنيب لابراس، ودار الصباح. خلال الاجتماع، دعا الرئيس إلى أن يكون الإعلام الوطني «صوتا حرا» يعبر عن «الكلمة الشجاعة»، وأن يقدم خطابا مسؤولا يعكس الحقيقة ويخدم «المصلحة العليا للبلاد». قد تبدو العبارات، في ظاهرها، دفاعا عن إعلام شجاع ومستقل؛ غير أن السياسة لا تقرأ من قاموسها اللفظي وحده، بل من موقع المتكلم ومن طبيعة الحضور ومن الجهة التي تملك سلطة التعيين والتوجيه والتمويل، والأهمّ من الحدود التي ترسم للكلمة قبل أن تصل إلى الميكروفون.

فحين يستدعي رئيس الجمهورية مسؤولي المؤسسات الإعلامية العمومية ليحدّد لهم ما ينبغي أن يكون عليه الإعلام، لا يعود السؤال منصبا على الشعارات، بل على معنى أن يطالب الإعلام بأن يكون حرا داخل علاقة مؤسساتية تجعل من رأس السلطة السياسية مخاطبه المباشر. الحرية هنا لا تقاس بما يقال في قصر قرطاج، وإنما بما يستطيع الصحفي أن يسأل عنه خارجه؛ ولا تختبر في الدعوة إلى «الكلمة الشجاعة»، بل في قدرة تلك الكلمة على الاقتراب على مساءلة السلطة ومخالفة روايتها، دون أن تتحول إلى ملف قضائي أو تهمة سياسية أو عبء مهني.

تأتي هذه الدعوة الرئاسية بعد أيام قليلة من احتجاج وزارة الخارجية التونسية لدى فرنسا على بث قناة «فرانس 24» مقابلة مع الرئيس الأسبق منصف المرزوقي، واعتبارها أن الحوار تضمّن مساسا بسيادة الدولة واستهدافا لأمنها القومي ومؤسساتها. وبغض النظر عن الموقف السياسي من المرزوقي أو عن مضمون تصريحاته، فإن الواقعة كشفت مفارقة لا يمكن دفنها تحت لغة السيادة والأخلاق المهنية: السلطة التي تحتفي في خطابها الداخلي بإعلام وطني «حرّ»، تنزعج في خطابها الخارجي من أن تفتح مؤسسة إعلامية أجنبية منبرا لصوت معارض أو خصم سياسي.

فالدولة الواثقة من شرعيّتها تردّ على الأفكار بالأفكار وعلى الوقائع بالوقائع وعلى النقد بالإنجازات والسياسات، لا باستدعاء السفراء أو بمحاصرة المنابر التي نقلت الصوت المختلف.

السؤال هنا ليس لماذا تحدث معارض تونسي إلى قناة أجنبية، بل لماذا لم يعد جزء من التونسيين يجد مساحة كافية للكلام داخل تونس؟ ولماذا صار الإعلام الأجنبي، في نظر السلطة، خطرا حين ينقل صوتا مخالفا، بينما يطلب من الإعلام الوطني أن يكون «صوتا حرا» من دون أن نعرف: حرّا في مواجهة من، وبأي كلفة، وتحت أي سقف؟

تصحير المشهد الإعلامي العمومي: صحافة الرواية الواحدة

بعد 2011، بدا أن تونس تفتح صفحة جديدة في تاريخ الإعلام. لم يكن المشهد مثاليا ولم تخل المؤسسات من التجاوزات أو المال السياسي أو الفوضى المهنية، لكن الاختلاف نفسه كان إنجازا تاريخيا بعد عقود كان فيها الإعلام يعمل داخل سقف السلطة. أصبح المواطن يسمع على الشاشة نفسها، سياسيين من اتجاهات متباينة ونشطاء حقوقيين وخبراء في كل المجالات ومسؤولين حكوميين ومعارضين ومواطنين يناقشون قضايا كانت في السابق حبيسة الكتمان أو دوائر القرار. لكن هذا المسار بدأ يتراجع تدريجيا بعد 25 جويلية 2021 عبر تحولات متراكمة تجلّت في تغييرات في إدارة المؤسسات العمومية، تراجع حضور الأصوات المخالفة، التضييق على النفاذ إلى المعلومة، إضافة إلى الترهيب القضائي للصحفيين واستغلال الهشاشة الاقتصادية داخل المؤسسات الخاصة، تزامنا مع سياسة ممنهجة لإضعاف الهيئات المستقلة القادرة على فرض قواعد التعدّدية. وقد استنسخت سلطة سعيّد الطريقة التي تعمل بها السلطوية الحديثة: إذ لا تحتاج دائما إلى إغلاق الصحيفة أو إطفاء الكاميرا؛ يكفي أن تعيد ترتيب شروط العمل بحيث تصبح الاستقلالية مكلفة والنقد مخاطرة والسؤال المهني تمرينا على الحذر.

النتيجة ليست غياب الإعلام، بل وجود العديد من المنابر الاعلامية مع تراجع قدرتها على إنتاج نقاش حقيقي. وهذا هو معنى «التصحير الإعلامي»؛ أن تبقى الاستوديوهات مضاءة والبرامج متواصلة، بينما ينسحب منها الاختلاف الفعلي ويحلّ محلّه اجترار الخطاب نفسه. وفي هذه الحالة لا تعود الرقابة بحاجة إلى مكتب يراجع كل مادة؛ إذ تتكفل المؤسسة نفسها بإنتاج صحفي يعرف مسبقا ما الذي لا ينبغي الاقتراب منه.

الإعلام العمومي: المرفق العام الذي صار بوقا للسلطة

كان السؤال المركزي بعد الثورة: لمن ينتمي الإعلام العمومي؟ هل هو ملك للحكومة التي تعين مسؤوليه، أم ملك للمجتمع الذي يموله؟ الفرق بين إعلام الدولة والإعلام العمومي ليس تفصيلا لغويا، فالدولة تنظر إلى المؤسسة بوصفها أداة لخدمة السلطة السياسية، أما الإعلام العمومي فينظر إليها بوصفها خدمة اجتماعية تضمن للمواطنين حقهم في المعرفة وتمثل تنوّع المجتمع وتراقب أصحاب القرار. إذ أنّ المواطن لا يدفع الضرائب حتى يموّل جهاز علاقات عامة للحكومة؛ بل يمول مؤسسة يفترض أن تنقل إليه ما يحدث، بما في ذلك ما لا ترغب السلطة في أن يقال عنها.

خلال السنوات السبع الأخيرة، كشف الإعلام العمومي التونسي عن تراجع واضح في هذا الدور. إذ أنّ المشكلة لا تكمن فقط في مضمون الأخبار، وإنما في ترتيب الأولويات ونوعية الأسئلة واختيار الضيوف، إضافة إلى المساحات الممنوحة للخطاب الرسمي مقارنة بالأصوات الأخرى. فحين يصبح المسؤول حاضرا بوصفه مصدر الحقيقة الوحيد، وحين يُستبدل التحقيق بتلاوة البلاغ، وحين يتحول المواطن إلى صورة عابرة في تقرير عن زيارة رسمية، يفقد الإعلام العمومي وظيفته الأساسية حتى لو لم تصدر إليه تعليمات مباشرة.

نشرات أخبار التلفزة الرسمية مثال على الضرب الآلي لحق الجمهور في المعلومة – التلفزة الوطنية

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإعلام العمومي ليس أن يتحول إلى جهاز دعاية صريح؛ فالدعاية المعلنة يمكن كشفها ومقاومتها. الأخطر هو أن يفقد تدريجيا قدرته على تمثيل المجتمع دون أن يعلن ذلك: أن يتعلم الصحفي كيف يصوغ السؤال الذي لا يحرج، وأن يتعلم المنتج كيف يختار الضيف الذي لا يفاجئ، وأن يتعلم المشاهد أن غياب بعض الأصوات أمر طبيعي. عندها تتحول الرقابة من قرار خارجي إلى عادة داخلية، ويصبح الصمت منتجا مؤسسيا لا يحتاج إلى توقيع.

هنا تستعيد نظرية المجال العمومي أهميتها؛ فالديمقراطية لا تقوم على المؤسسات الرسمية وحدها، بل تحتاج إلى فضاء يتداول فيه المجتمع قضاياه ويختبر فيه الحجج ويصنع رأيا عاما قادرا على التأثير. عندما يتحول الإعلام إلى ناقل للخطاب الرسمي، يتحول المواطن من فاعل سياسي إلى متلق سلبي، ويصبح الرأي العام مجرد مجموع انطباعات تصنعها العناوين والبلاغات لا النقاشات والوقائع.

ويزداد الأمر خطورة إذا استحضرنا مفهوم العنف الرمزي عند بيير بورديو. فالإقصاء لا يحتاج دائما إلى منع الشخص من الكلام؛ يكفي أن يقدّم مسبقا باعتباره مشبوها أو غير وطني أو غير جدير بالاستماع. وحين تختفي أصوات معيّنة من الشاشة، لا يلاحظ الجمهور دائما عملية الإقصاء، لكنه يبدأ تدريجيا في اعتبار غيابها طبيعيا. وهو ما يتوافق مع شرح غرامشي حول كيفية تحوّل رؤية السلطة إلى «حسّ مشترك» بديهيّ وغير قابل للنقاش. إذ لا تحتاج هذه الأخيرة إلى منع كلّ الأصوات بل إلى جعل صوت واحد أكثر حضورا وانتشارا حتى يبدو كأنّه الحقيقة الوحيدة.

برنامج نادي الصحافة حدث وتحليل على التلفزة الوطنية الأولى نموذج عن جهاز دعائي تجاوزه الزمن يمول من اموال دافعي الضرائب – التلفزة الوطنية

الإعلام الخاص: من تعدد المنابر إلى اقتصاد الخوف

إذا كان الإعلام العمومي قد خسر جزءا مهمّا من استقلاله بفعل التبعيّة السياسية والإدارية، فإنّ الإعلام الخاص لم ينجح في ملء الفراغ، لا لأن التعدّد الذي نشأ بعد 2011 كان وهما، بل لأن التعدّد الكميّ ظل محكوما باقتصاد شديد الهشاشة وبنية ملكيّة لا تتمتّع بالشفافية الكافية. فقد فتحت القنوات والإذاعات والصحف الرقمية أبوابا كانت مغلقة، واستضافت خصوما سياسيين وخبراء وحقوقيين ومواطنين، وجعلت الخلاف جزءا مرئيا من الحياة العامة. غير أن كثرة المنابر لا تعني بالضرورة تعدد الأصوات، كما أن تعدد البرامج لا يعكس تنوّع المحاور والقضايا المطروحة. وقد بيّنت دراسة لمرصد ملكية وسائل الإعلام في تونس، المنجزة من قبل مراسلون بلا حدود وجمعية الخط، أن ستّ قنوات تلفزية من أصل عشرة شملها البحث كانت مرتبطة بشخصيات أو أحزاب سياسية، وأن البيانات المتعلقة بالملكيّة والتمويل ونسب المشاهدة ظلت منقوصة أو تعذّر التحقّق منها. معنى ذلك أن السوق الإعلامية قد تبدو للوهلة الأولى كبيرة ومتنوعة،  فيما تظل مفاتيحها مركّزة في أيدي مالكين ومعلنين وشبكات مصالح لا يملك الجمهور معرفة كافية عن ارتباطاتها.

ولا تكمن المشكلة في أن تكون للمؤسسة الإعلامية هوية تحريرية أو موقف واضح؛ فالحياد المطلق أسطورة، وكل اختيار للموضوع والضيف والعنوان يتضمن زاوية تعاط خاصة ووجهة نظر معيّنة. لكن الخطّ التحريري يتحوّل إلى دعاية حين يتخلى عن التحقّق والتوازن والفصل بين الخبر والتعليق، وحين يصبح المموّل قادرا على إعادة ترتيب الأولويّات التحريريّة من دون أن يظهر في النص أو على الشاشة. فالمؤسسة التي تعتمد على مُعلن واحد أو على مالك ذي مصالح سياسية أو على امتيازات تجارية مرتبطة بالسلطة، لا تحتاج إلى تلقي أمر مباشر كي تمارس الرقابة الذاتية أو التحريض على الخصوم السياسيين بدعوى ”مصلحة الوطن“، إذ يكفي أن تتيقّن من أن تحقيقا حول صفقة عمومية أو شبكة نفوذ أو فساد مالي قد يهدّد مصدر دخلها، حتى يتحول الخوف إلى محرّر غير مرئي قابع داخل غرفة التحرير.

وهنا يظهر الفرق بين الاستقلالية التحريريّة وامتلاك رخصة خاصة. فالملكية الخاصة لا تعني آليّا استقلالا عن السلطة، كما أن المؤسسة التي لا تملك الدولة أسهما فيها قد تكون شديدة القرب من دوائر القرار عبر المصالح التجارية أو العلاقات الشخصية أو الإشهار العمومي. وقد أظهر تقرير مرصد ملكية وسائل الإعلام أن صعوبة الوصول إلى المعطيات المالية تجعل الجمهور عاجزا عن معرفة من يموّل المنبر ومن يملك القدرة على التأثير في خطه التحريري ومن يتحمل خسائره حين ينكمش سوق الإعلان. وفي هذه البيئة يصبح الإعلام الخاص معرّضا لنوع من «الاستحواذ الناعم»: لا تصادر السلطة الصحيفة، ولا تغلق القناة بقرار مُعلن، لكنّها تترك المؤسسة أمام سوق محدودة وتمويل غير مستقر وتهديدات قضائية متكررة. هنا يؤدي الخوف وظيفته، وهكذا لا يعود السؤال: «هل منعت السلطة هذا الخبر؟»، بل: «كم مؤسسة تستطيع تحمل كلفة نشره؟».

تزداد هشاشة هذا النموذج حين يكون سوق الإشهار نفسه ضعيفا ومركّزا وغير شفاف. فقد أشارت الدراسة التونسية حول تمويل وسائل الإعلام واستراتيجيات المعلنين إلى أنّ الإعلام التونسي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات الإعلانات التجارية، في وقت يتقلص فيه إنفاق المعلنين وتشتدّ المنافسة بين القنوات والإذاعات والمواقع الإلكترونية، بينما تظلّ معايير قياس الجمهور موضع نزاع. وفي مثل هذا الوضع لا يشتري المعلن مساحة إعلانية فحسب، بل يكتسب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قدرة على التأثير في البيئة التي يعمل فيها الصحفي. وقد لا يطلب من المؤسسة حذف تحقيق، لكنه يستطيع تأخير الحملة أو نقلها إلى منافس أو التلويح بإنهاء التعاقد. هذه الإشارة وحدها تكفي لكي يعيد مدير التحرير حساباته. إن الإشهار، حين يغيب عنه التنظيم والشفافية وتتنوع قنوات تدفّقه، يتحوّل من مورد لتمويل الصحافة إلى أداة لضبط سلوكها، خصوصا عندما تكون المؤسسة مثقلة بالديون أو عاجزة عن ضمان عقود مستقرة للعاملين فيها.

ومن هنا يمكن فهم تحوّل بعض القنوات الخاصة إلى ما يشبه الأسواق التجارية المفتوحة، حيث يمتدّ بث عروض الأواني والأجهزة الكهرومنزلية والعطور ومواد التجميل لساعات. ولا ينبغي النظر إلى «بيع الطناجر» باعتباره مادة مثيرة للسخرية فحسب؛ فالسخرية قد تخفي مأساة اقتصادية ومهنية أعمق. حين تتحول قناة أنشئت لتقديم الأخبار والتحليل والنقاش العام إلى منصة لبيع أواني الطبخ، فإن المسألة لا تتعلّق بذوق الجمهور أو برداءة المحتوى فقط، بل بانهيار النموذج الاقتصادي الذي يُفترض أن يموّل الصحافة من دون أن يطمسها أو يكبّلها. القناة هنا لا تبيع أواني الطبخ وحسب، بل تبيع زمنها، ومساحتها، وحق الجمهور في أن يجد فيها إعلاما لا سوقا مرئيّة.

صورة من البرامج التي صارت تعرف بإعلام الطناجر في القنوات التلفزية الخاصة – قناة التاسعة

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تفسير الظاهرة وتبريرها. فمن حق المؤسسة الإعلامية أن تبحث عن موارد للبقاء، ولا يمكن مطالبة قناة غارقة في الديون بأن تنتج تحقيقات مكلفة وبرامج ثقافية وسياسية من دون موارد مالية. لكن هذا الحق لا يلغي الالتزام بالقانون ولا يبرّر محو الحدود بين الإعلان والمحتوى الصحفي. فـقواعد الهايكا بشأن زمن الإعلان وبرامج التسوق لم تكن ترفا تنظيميا، بل محاولة لحماية المشاهد من الخلط بين المادة التجارية والمادة الإعلامية، ولمنع القناة من التحوّل إلى مجرد وسيط لتأجير ساعات البث.لكن، عندما تغيب الهيئة الناظمة أو تجمّد أعمالها، لا يصبح الفراغ حيادا. بل يتحوّل إلى فرصة لتمدّد المصالح التجارية داخل المجال التحريري، بحيث تضعف قدرة الجمهور على التمييز بين الخبر والإشهار، وبين العمل الصحفي والتسويق التجاري.

إن أخطر ما في ”اقتصاد الخوف“ أنه لا يُنتج صمتا تامّا، بل يُنتج إعلاما يثرثر دون أن يقترب من جوهر القضايا. تظل الشاشات مضاءة وتتعاقب البرامج، لكن الملفات التي تمس الشأن السياسي أو قضايا الحقوق والحريات والممارسات الاستبدادية للسلطة أو تضارب المصالح أو الفساد الإداري تتراجع لحساب موضوعات أقل كلفة وأكثر قابلية للتسويق. إن السلطة في هذه الحالة لا تحتاج إلى السيطرة على كل المنابر، إذ يكفي أن تجعل الاستقلال مُكلفا والامتثال مربحا، وأن تدفع المؤسسة إلى الاعتقاد بأن البقاء يقتضي أن تكون أقل صدقا وأكثر قابلية للترويض.

في هذه المرحلة، تتحوّل الشاشة من فضاء لمساءلة الأفكار إلى منصة لتجريم أصحابها. هنا يصبح السياسي المخالف «عدوّا» والناشط «مشبوها» والصحفي الذي يطرح سؤالا غير مرغوب فيه «محرّضا»، فيما يُقدّم الولاء للسلطة بوصفه معيارا للوطنية. وبدل أن يشرح الإعلام أبعاد الصراع السياسي، يبدأ في صناعة صورته الأخلاقوية: يرفع طرفا إلى مرتبة الوطني الصالح، ويضع الطرف الآخر ”المُغيّب“ في خانة الخائن.

هذه الآلية أخطر من الانحياز المعلن، لأنها تتخفّى خلف شعار المصلحة العامة. فحين تعلن مؤسسة إعلامية خاصّة أنّها تحمي الدولة، ينبغي أن نسأل: أي دولة تقصد؟ الدولة بوصفها مؤسسات وقانونا ومواطنين، أم السلطة القائمة بوصفها أشخاصا وسياسات؟ وحين تبرّر إقصاء صوت باسم «الاستقرار»، ينبغي أن نسأل: هل الاستقرار هو غياب النقد أم قدرة المؤسسات على تحمل النقد؟

إن استقرار الدولة لا يتحقّق بإخفاء الخلافات، بل بإدارتها على نحو علني. فالإعلام لا يخدم المجتمع عندما يدفن التوترات، بل عندما يحوّلها إلى أسئلة قابلة للنقاش بدل أن يتركها تتراكم في الشارع أو على شبكات التواصل الاجتماعي.

لذلك فإن الدفاع عن الإعلام الخاص لا يمر فقط عبر منع غلق القنوات أو حماية الصحفيين من التتبّعات، بل يقتضي إصلاح المنوال الاقتصادي الذي تقوم عليه الصحافة نفسها: شفافية الملكية والتمويل، نشر المعطيات المالية، تنظيم الإشهار العمومي، تطوير آليات عادلة لقياس نسب المشاهدة وإرساء نماذج تمويل لا تجعل الصحفي رهينة للمُعلن أو المالك أو السلطة. لكن، عندما يصبح بيع الطناجر هو الحلّ الأسهل لضمان استمراريّة القناة، فإن أصابع الاتهام ينبغي أن تُوجّه إلى النظام الاقتصادي والسياسي الذي جعل إنتاج الحقيقة أقل ربحا من بيع الأواني.

ترسانة الترهيب وصناعة الخوف: المرسوم 54 والفصل 86

تكشف السنوات الأخيرة أن أزمة الإعلام الخاص لم تعد محصورة في نوعية البرامج أو في التنافس بين القنوات، بل انتقلت إلى علاقة الصحفي بجهاز العدالة. فالصحفي الذي ينشر على حسابه الشخصي قد يجد نفسه أمام شكاية جزائية. وقد تتغيّر التهمة أثناء المسار ويتحوّل النقاش حول المعلومة إلى سؤال عن الولاء السياسي. لا يعني ذلك أن الصحافة فوق القانون أو أن كل ما ينشره الصحفي صحيح؛ فحق المتضرّر في الردّ والتصحيح والتقاضي قائم، كما أن القذف المتعمّد والتحريض وكشف الأسرار المحميّة جرائم في أي نظام قانوني. لكن المعيار الديمقراطي لا يكتفي بوجود نص قانوني، بل يسأل عن وضوحه وضرورته وتناسب العقوبة وعن أثر استعماله على المصلحة العامة.

حين صدر المرسوم 54 في سبتمبر 2022، قُدّم بوصفه نصّا لمكافحة الجرائم المتّصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، لكن نصه الرسمي لم يحصر آثاره في الاختراق والاحتيال والاعتداءات التقنية؛ فقد فتح الفصل 24 منه بابا واسعا لتجريم نشر «أخبار أو إشاعات أو بيانات كاذبة» من شأنها الإضرار بالغير أو الأمن العام أو الدفاع الوطني، مع تشديد العقوبة عندما يتعلق الأمر بموظف عمومي. وقد حذرت اللجنة الدولية للحقوقيين من أن الصياغة الفضفاضة تسمح باستعمال النص ضد الأصوات المستقلة تحت عنوان مكافحة الجريمة الإلكترونية، فيما نبهت منظمة ARTICLE 19 إلى أن مفاهيم مثل «الإساءة» و«الإضرار» و«الأخبار الزائفة» لا توفر للصحفي معيارا واضحا يعرف من خلاله حدود المسموح قبل أن يبدأ التحقيق.

وهنا تتجلّى المفارقة القانونية والسياسية في أوضح صورها. فالصحافة الاستقصائية تعمل بطبيعتها في منطقة -ما يمكن تسميته- ”الحقيقة المنقوصة“ أو ”الرواية الأخرى“: قد تنشر جزءا من الحقيقة قبل أن تكتمل كل حلقاتها، وقد تستند إلى مصدر سريّ لا يستطيع الظهور. كما قد تكشف تناقضا بين وثيقتين رسميتين وقد تطرح فرضية تحقيقيّة لا تتحوّل إلى حكم قضائي إلا بعد أشهر. أما النص الجزائي الفضفاض فيتعامل مع النتيجة كما لو كانت محسومة منذ لحظة النشر، ويمنح الجهة التي تعتبر نفسها متضرّرة قدرة على نقل النقاش من سؤال «هل المعلومة صحيحة؟» إلى سؤال «هل ارتكب الصحفي جريمة؟». عندها لا يعود المطلوب من الصحفي أن يثبت ما نشره فحسب، بل أن يتنبأ أيضا بتأويل النيابة أو الجهاز الأمني أو المسؤول الحكومي لكل كلمة، وهو شرط يستحيل معه إنتاج تحقيق جريء ومستقل.

31 جويلية 2026 تونس – المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين خلال الجلسة العامة وتظهر خلفه صورة للصحفيين مساجين المراسيم 54 و86 – نقابة الصحفيين

تتضاعف الكلفة عندما يتعلق التحقيق بمؤسسة عمومية أو بموظّف سام أو بملفّ أمني. فالمسؤول يملك حقّ الردّ ومنصة رسمية وموارد قانونية وإعلامية، بينما لا يملك الصحفي في الغالب سوى دفتر ملاحظاته ومصدر يخشى كشف هويّته. ومع ذلك، يسمح استعمال المرسوم 54 بتحويل هذا الاختلال في القوة إلى اختلال قضائي، فيصبح صاحب السلطة هو الطرف الذي يحدّد الضرر، ويصبح الصحفي مطالبا بإثبات حسن نيّته في مواجهة جهاز الدولة الذي يملك الوقت والموارد. وقد وثقت لجنة حماية الصحفيين كيف تواصل استعمال المرسوم ضدّ صحفيين ومعلّقين، بينما خلصت مراسلون بلا حدود إلى أن النصّ، بعد تحويله عن غايته الأصليّة، صار يجرّم العمل الصحفي ويقيّد الوصول إلى المعلومة.

الأثر الأعمق يقع على المصادر. فالتحقيق الاستقصائي لا يقوم على الصحفي وحده؛ إنه شبكة من موظفين ومبلّغين وخبراء ووثائق ومسارات ماليّة. وكلما ازداد خطر التتبّع القضائي، أصبح المصدر أكثر ميلا إلى الصمت. لا لأن المعلومة غير مهمة، بل لأن كلفة تسليمها قد تشمل حجز الهاتف واستدعاء الأقارب أو الزملاء أو كشف المراسلات أو تحويل خلاف إداري إلى ملف أمنيّ. لذلك فإنّ الحماية التي يضمنها المرسوم 115 للمصدر الصحفي تفقد فعاليتها العمليّة عندما يعمل الصحفي في بيئة قانونية أخرى تسمح بتوسيع التجريم الرقمي ومصادرة أدوات العمل. حماية المصدر لا تعني فقط منع الصحفي من كشف اسمه؛ إنها تعني أيضا حماية قنوات الاتصال والوثائق والبيانات الوصفيّة من أن تتحوّل إلى وسائل ضغط على المصدر والصحفي معا.

ومن هذه الزاوية، لا يحاصر المرسوم 54 التحقيقات المنشورة فقط، بل يضرب مشاريع التحقيقات قبل أن ترى النور. فالصحفي الذي يراجع ملف صفقات عمومية أو شبهة تضارب مصالح أو تجاوزات في مؤسسة عمومية قد يقرر التراجع قبل الاتصال بالمصدر أو يكتفي بنشر العموميّات أو يستبدل الوثيقة بتصريح رسمي، أو يختار في النهاية موضوعا أقل حساسية. لذلك تتحول الصحافة الاستقصائية في ظل المرسوم 54 إلى عمل يقوم على إدارة المخاطر بدلا من كشفها.

إن الخلاف الحقيقي ليس بين صحافة تريد الإفلات من المسؤولية وسلطة تريد حماية المجتمع، بل بين نموذجين للمساءلة. في النموذج الديمقراطي، يواجه التحقيق بالرد والوثيقة والتصحيح وحق التقاضي المدني المتناسب، وتبقى العقوبة السالبة للحرية استثناء محدودا لا يُستخدم لمعاقبة الخطأ الصحفي أو النقد السياسي. أما في النموذج الذي ينتج عن المرسوم 54، فتبدأ المساءلة من البوليس والمحكمة، ويصبح السجن ممكنا قبل أن يستنفد المجتمع أدوات التصحيح والنقاش. لهذا فإن مراجعة المرسوم أو إلغاء فصوله الفضفاضة ليست مطلبا قانونيا مجرّدا؛ إنها شرط لاستعادة وظيفة الصحافة الاستقصائية بوصفها جهازا لكشف الفساد وحماية المال العام ومنح المواطن الحقّ في سماع الرواية الأخرى المناقضة لرواية السلطة.


حوار مع أيمن زغدودي: ”المرسوم 54 أسوأ قانون اتصالي في المنطقة العربية“
– 23 سبتمبر 2022 –

أثار المرسوم الرئاسي عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال مخاوف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان لما يتضمنه من تهديد فعلي لحرية الصحافة والنشر وانتهاك المعطيات الشخصية. نواة التقت أيمن الزغدودي أستاذ القانون العام للوقوف على جوهر المرسوم و جدية تهديده للحريات.


لا تتعلق المشكلة بالمرسوم 54 وحده، بل بتراكم نصوص جزائية قديمة وجديدة تستعمل في قضايا التعبير على غرار الفصل 86 من مجلة الاتصالات الذي ”يعاقب“ من يتعمّد الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية. المشكلة في مثل هذه الصياغات ليست في حماية الناس من الضرر، بل في أن مفاهيم «الإساءة» و«الإضرار» و«الأخبار الزائفة» قابلة للتوسّع والتأويل خصوصا عندما يكون الطرف المتضرّر مسؤولا حكوميا أو مؤسسة تابعة للدولة. إنّ مسؤولا يستطيع الردّ عبر بلاغ أو مؤتمر صحفي أو عرض الوثائق التي تفنّد ما نُشر عنه، لا ينبغي أن يُمنح تلقائيا حماية جزائية أكبر من المواطن الذي لا يملك سوى الردّ بمنشور أو تقديم شكوى.

تقدم قضية هيثم المكي مثالا مكثّفا على انتقال التعاطي مع المعلومة من المجال الصحفي إلى المجال الجزائي. ففي جانفي 2024 استدعي المكّي إثر شكاية من المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس، على خلفية منشورات تناولت وضع المشرحة وتجاوزها طاقتها الاستيعابية في سياق الحديث عن ظروف حفظ جثامين عدد من المهاجرين غير النظاميين. بدأت الملاحقة بموجب الفصل 24 من المرسوم 54، ثم قضت المحكمة الابتدائية في ديسمبر 2024 برفض القضية أو حفظها، قبل أن تطعن النيابة العمومية في القرار وتحكم محكمة الاستئناف بصفاقس، في 15 جويلية 2026، بسجنه سنة استنادا إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، بتهمة «الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات».

من هنا تتّضح وظيفة القانون الردعيّة عندما نلاحظ أن السجن ليس النتيجة الوحيدة للتتبع. فهناك الاستدعاء والتفتيش وحجز الأجهزة وتكلفة المحامين وطول مدّة الانتظار، إضافة إلى تشويه السمعة. لذلك قد تنجح الملاحقة حتى قبل صدور الحكم؛ فبمجرد أن يوقن الصحفي أن منشورا عن مستشفى أو وزارة أو جهاز أمني قد يقوده إلى فرقة مكافحة الجرائم الالكترونية، قد يكون هذا كافيا لتغيير سلوكه. القانون هنا لا يعمل فقط بوصفه عقوبة بعد وقوع الفعل، بل بوصفه جهازا لإنتاج الصمت.

الصحافة البديلة: آخر مربّعات الحريّة وأشدّها هشاشة

رغم انحسار المجال العام، ظلت منصّات مثل موقع نواة وإنكفاضة والمفكرة القانونية والكتيبة وغيرها تؤدي الوظيفة التي تراجعت عنها باقي وسائل الإعلام: فتح الملفات التي تغلقها البلاغات الرسمية، تتبع مسارات المال والقرار، نشر الوثائق ومساءلة المسؤولين خارج الإيقاع الذي تفرضه السلطة على الإعلام العمومي. هي جيوب مقاومة إعلامية تعمل غرف أخبارها في دائرة شديدة الحساسية: استقلال تحريري مطلوب من الجمهور والمانحين، وامتثال قانوني ومالي حدّدته الإدارة، ومصادر تخشى انكشافها، وسلطة تنظر إلى التحقيق النقدي لا باعتباره مكسبا جماعيا بل منافسة على احتكار تعريف الحقيقة والرواية.

كما لا ينبغي اختزال هشاشة الصحافة البديلة في ضعف الإشهار أو محدودية الموارد البشرية، فالمشكلة أعمق. إذ أنّ المؤسسة التي تموّل تحقيقاتها عبر منح أو شراكات محدودة وتدفع أجور صحفيّين يعملون في سوق إعلامية ضيقة، تصبح عرضة لضغط مركّب يمكن أن يبدأ من التدقيق الجبائي ولا ينتهي عند المحكمة. وإذا جمدت الإدارة أموالا أو عطّلت تجديد وثيقة أو فتحت بحثا ماليا طويلا، فإنها لا تعاقب مقالا بعينه، بل تصيب دورة الإنتاج الصحفي كلها: تُؤجّل إنجاز التحقيق وتُربك علاقة المؤسسة بالمصادر، كما تزرع الشك لدى المانحين وتدفع الصحفيين إلى حساب كلفة كل ملف قبل الشروع في العمل عليه. هنا يتحوّل التضييق من منع مباشر إلى هندسة للإنهاك، إذّ لا يتمّ منع المنصّة من العمل بشكل مباشر، بل تُترك لتكتشف أن الكتابة المستقلّة أصبحت عمليّة مُكلفة إلى حدّ يهدّد استمراريّتها.

تكشف واقعة تعليق نشاط جمعية صحفيي نواة في 31 أكتوبر 2025 هذا النوع من الضغط بأوضح صورة. فقد تلقّت الجمعية إعلاما بتعليق نشاطها لمدة شهر بموجب المرسوم عدد 88، بقرار تمّ إعلامها به  في ظروف إجرائية غير عاديّة، بعد أكثر من سنة من التدقيقات الإدارية والمالية. وقد وصفت مراسلون بلا حدود التعليق بأنه إجراء إداري يخفي قرارا سياسيا. وذهبت The Electronic Frontier Foundation  إلى أن القرار لم يكن حادثا منفردا، بل جاء ضمن حملة أوسع من التدقيقات الجبائية والتحقيقات المالية والاستجوابات الإدارية.

 الرسالة هنا ليست أنّ مقالا بعينه تجاوز خطا أحمر، بل أن المؤسسة التي راكمت استقلالا خارج القنوات الرسمية يمكن إخضاعها عبر البنية التي تقوم عليها: الجمعية، التمويل، الوثيقة الإدارية، وأخيرا القدرة على مواصلة العمل.

لا تقف المسألة عند نواة، فقضية جمعية الخط، التي تدير منصة إنكفاضة، تكشف كيف ينتقل الضغط من التعليق المؤقت إلى التهديد بالاستئصال القانوني. فقد أفادت الجمعية في 23 أفريل 2026 بأن أموالها حُجبت في مناسبات متكررة، وصلت أحيانا إلى سبعة أشهر، وأن إنكفاضة عُلّق نشاطها لمدة شهر في أكتوبر 2025، قبل أن تستدعى الجمعية في جانفي 2026 أمام فرقة الجرائم المالية للحرس الوطني، رغم تأكيدها على إنها قدمت الوثائق المطلوبة في مختلف المراحل. ثم حددت سلسلة من الجلسات انطلاقا من 11 ماي 2026 للنظر في طلب حلّ جمعية الخط. وبين التعليق والحجب والاستدعاء وطلب الحلّ، يتشكل مسار لا يحتاج إلى قرار صريح بإغلاق غرفة الأخبار، إذ  يكفي أن يجري تفكيك الحاضنة القانونية والمالية التي تجعل وجودها ممكنا.

هذه الوقائع تفسر لماذا لا يكون الضغط على الصحافة البديلة مجرد خلاف بين الإدارة ومؤسسة إعلامية. إنكفاضة، مثلا، ولدت من داخل جمعية توفر لها إطارا قانونيا وتمويلا وحماية لاستقلال التحرير.

تظهر هنا آلية يمكن تسميتها «السلطوية البيروقراطية». فالرقابة القديمة كانت أكثر وضوحا: حجب، منع، مصادرة، أو اعتقال. أما الرقابة الجديدة فتعمل عبر قرارات تبدو قابلة للتبرير في لغة الإدارة: تدقيق مالي، طلب وثائق، بحث في مصادر التمويل، تعليق مؤقت، أو دعوى لحل الجمعية. كل إجراء منفرد قد يُقدّم باعتباره تطبيقا للقانون، لكن تراكم الإجراءات يحول القانون إلى بيئة استنزاف.

إنّ الدفاع عن هذه المنصات الحرة ليس دفاعا عن عناوين بعينها ولا عن حق مهني ضيّق، بقدر ما هو دفاع عن البنية التحتية للتعدّد الإعلامي. فالقنوات الكبرى تستطيع مواصلة البثّ حتى عندما تتراجع جرأتها، أما المنصة الاستقصائية فلا تملك ترف الانتظار. وقد بينت ورقة صادرة عن مبادرة الاصلاح العربي أن الضغط القضائي على الإعلام اشتدّ خصوصا منذ ربيع 2024، لتجد المنصات الإلكترونية المستقلّة نفسها في قلب هذا التضييق. لذلك يصبح تنوع الإعلام مرتبطا بوجود حماية فعلية للتمويل المشروع وفق قواعد إدارية شفافة، وبقضاء لا يسمح بتحويل الإجراءات المؤقتة إلى عقوبات سياسية مقنّعة.

النقابة ومجلس الصحافة: دفاع محاصر وتنظيم ذاتي بلا مخالب

لا تكتمل صورة الضغط على الإعلام إذا اقتصر النظر على الصحفي الذي يستدعى أو المؤسسة التي تداهم؛ فالمعركة تدور أيضا حول الهيئات التي يفترض أن تحمي المهنة من التعسّف، وأن تمنع تحويل كل خطأ مهني إلى ملّف أمني. وجدت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين نفسها، منذ تصاعد التتبعات بعد 2021، في موقع دفاع دائم: احتجاج على الإيقافات والأحكام، متابعة لملفّات الصحفيين ومطالبة دائمة بتطبيق المرسوم 115. إلاّ أنّها تواجه في الوقت نفسه سؤالا داخليا عن قدرتها على تحويل بيانات الإدانة إلى حماية عمليّة ومستدامة.

في تقريرها السنوي الذي قدمته في 3 ماي 2025 تحت عنوان «نقابة الصحفيين في مواجهة انهيار النظام الإعلامي التونسي»، حاولت النقابة رسم صورة لتدهور واقع الحريات، غير أن التقرير ظلّ، في جانب منه، أسير التكرار ولم يتوسّع بما يكفي في نقد التضليل وخطاب الكراهية والرقابة داخل غرف الأخبار. وهي ملاحظة لا تنتقص من شرعيّة دفاعها، بل تكشف صعوبة وضعها: نقابة تحاول حماية صحفيّين يواجهون السلطة والمحاكم، بينما يطالبها الجسم المهني في الوقت نفسه بأن تحاسب المؤسسات الإعلامية نفسها وأن تبني بديلا أخلاقيا ومهنيّا لا يكتفي بردّ الفعل.

يظهر هذا الضغط في أن النقابة لا تعمل داخل بيئة تفاوضية طبيعية. فعندما يصبح الصحفيون عرضة للاستدعاء والسجن، وتتعرض المؤسسات الخاصة للضغط المالي والإداري، وتتضاءل قدرة الصحفي على الوصول إلى المعلومات، تتحوّل النقابة من شريك اجتماعي ُيفترض أن يتفاوض حول شروط المهنة إلى جهاز إطفاء حرائق يومي. وحتى الاحتجاج النقابي، الذي يفترض أن يكون أداة ضغط مضادّة، يصطدم بتشتّت الجسم الإعلامي وبخوف العاملين من فقدان وظائفهم وباعتماد مؤسسات عديدة على الإشهار والعلاقات مع مراكز النفوذ. لهذا لا ينبغي قياس تراجع فاعلية النقابة بعدد بياناتها، بل بالسياق الذي نزعت فيه السلطة من الاحتجاج جزءا من أثره. فبيان يطالب بالإفراج عن صحفي لا يوقف التتبّع، ووقفة تضامنية لا تلغي النص الجزائي، ومرافقة قانونية لا تمنح المؤسسة حماية من الإفلاس أو الانتقام الإداري. ومع ذلك، فإن انحسار القدرة على الردّ لا يعني غياب النقابة، بل يعني أن أدواتها المدنيّة أضعف من أدوات سلطة تجمع بين القضاء والإدارة والموارد العمومية.

أما مجلس الصحافة، الذي ولد في 2020 بعد سنوات من النقاش، فقد صمم أصلا ليكون مخرجا مهنيا من منطق الزجر: هيئة مستقلة غير ربحية، ذات تركيبة تجمع الصحفيين وأصحاب المؤسسات والمجتمع المدني، تتلقى شكاوى الجمهور، وتدافع عن أخلاقيات المهنة، وتقترح المعالجة والتصحيح قبل أن يصل الخلاف إلى الأمن والقضاء. وقد اعتبر تأسيسه خطوة تاريخية في الاصلاح الإعلامي، غير أن التجربة اصطدمت بغياب إطار تشريعي واضح وضعف الموارد وعدم توفر مرصد ومكتب فعّال لتلقي الشكاوى، فضلا عن محدوديّة معرفة الجمهور بوجوده. وبعد نحو خمس سنوات، أعلنت النقابة في ماي 2025 تركيبة جديدة للمجلس، لكن إعادة التشكيل نفسها بدت اعترافا ضمنيّا بأن المجلس لم يستطع خلال ولايته الأولى أن يتحول إلى سلطة مهنية ذات حضور عام؛ إذ ظل دوره أقرب إلى البيانات والتوصيات منه إلى الرصد المنتظم والتحكيم المؤثر.

كما لا يمكن فصل هذا الانحسار عن مصير الهايكا. فالتعديل الذاتي لا يعمل في فراغ: مجلس الصحافة يعالج المشاكل المتعلّقة بأخلاقيات المهنة، لكن الإعلام السمعي البصري يحتاج أيضا إلى هيئة مستقلّة تضمن التعدّدية وتراقب احترام القواعد المهنية وتمنع تحوّل السوق إلى مجال نفوذ سياسي ومالي. وحين تضعف الهايكا، وتتأخّر إعادة تركيبتها وتعلّق أجور بعض أعضائها أو تتعطّل قدرتها على العمل، يفقد مجلس الصحافة السند المؤسسي الذي يجعل قراراته وتوصياته ذات معنى في المشهد السمعي البصري. عندئذ يصبح التنظيم الذاتي محاصرا من جهتين: سلطة لا تعترف به ولا تمنحه إطارا قانونيا وإمكانات عمليّة، ومؤسسات إعلامية لا تجد دائما مصلحة مباشرة في الخضوع لمساءلة مهنية مستقلّة.

هنا تكمن المفارقة: تتّهم السلطة الإعلام بالفوضى، لكنّها تترك أو تساهم في إضعاف الآليّات المدنية القادرة على إدارة المجال المهني. وحين يغيب مجلس الصحافة أو يبقى بلا موارد وسلطة كافية، لا يختفي الخطأ المهني؛ بل ينتقل إلى فضاء أكثر قسوة، حيث تعالجه فرق الأبحاث والمحاكم بأدوات السجن والتجريم. لذلك فإن إنقاذ مجلس الصحافة والنقابة لا يمثل مطلبا قطاعيا، بل شرطا لحماية المجتمع من إعلام منفلت ومن سلطة منفلتة في آن واحد: الأول يحتاج إلى مساءلة مهنية، والثانية تحتاج إلى رقابة مستقّلة. إذ لا يمكن أن يؤدي القضاء الجزائي وظيفة أي منهما دون أن يتحوّل إلى أداة لتصحير المجال العام.


إحياء لليوم العالمي لحرية الصحافة: نقابة الصحفيين تقاوم الرداءة وترفض الرضوخ
– 02 ماي 2026 –

قدّمت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين خلال ندوة صحفية عقدتها السبت 2 ماي، تقريرها السنوي للحريات الصحفية، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يتم إحياؤه يوم 3 ماي من كل عام. كما رفع الصحفيون والصحفيات شعارات خلال وقفة أمام مقر النقابة للتضامن مع عائلات الصحفيين المساجين على خلفية آرائهم وتنديدا بالانهيار المتواصل لحرية الصحافة والتعبير وباصرار السلطة على تكميم الافواه وضرب حق المواطنات والمواطنين في الوصول الى المعلومة خوفا من الحقيقة.


حين تصبح حرية الإعلام اختبارا لحرية الدولة

لا تكشف ازمة الإعلام في تونس عن خلل منفصل في مؤسسة أو قناة أو نصّ قانوني، بل تكشف عن اختلال أعمق في العلاقة بين السلطة والحقيقة. فالإعلام العمومي، الذي يفترض أن يكون ملكا للجمهور لا لساكن القصر، ما زال يتحرّك داخل منطق التبعيّة الإدارية والسياسية ويقيس حدود خطابه بما يرضي السلطة. أما الإعلام الخاص-الذي كان يُفترض أن يوسّع مجال التعدّد- وجد نفسه محاصرا باقتصاد هشّ وحيثيّات ملكيّة متشعّبة وسوق إشهار ضيقة ومخاطر قضائية تجعل الاستقلال عبئا لا يقدر على تحمّله. الصحافة الرقمية والمستقلة من جهتها، فتحت آخر النوافذ أمام التحقيقات الجديّة والأصوات التي لا تجد طريقها إلى الاستوديوهات، لكنّها ظلت تعمل بموارد محدودة وتحت تهديد التعليق والتدقيق والاستدعاء والحجب، كأن وجودها نفسه صار موضع شبهة.

بهذا المعنى، لا تعمل السلطة على الإعلام بالطريقة القديمة وحدها. لم يعد ضروريا أن يكتب الرقيب مقدّما ما ينبغي نشره، أو أن يبعث المسؤول بتعليمات صريحة إلى غرفة الأخبار. إذ يكفي أن تخضع المؤسسة العمومية للتبعية، وتضع القناة الخاصة أمام خطر الإفلاس والمنصة الرقمية أمام حرب استنزاف جراء التحقيق الإداري والصحفي أمام المرسوم 54 أو الفصل 86 من مجلّة الاتصالات، حتى تتكفل المنظومة كلها بإنتاج الصمت. لكن اختزال المسألة في صراع بين السلطة والصحفيين قد يحجب جوهرها الحقيقي. إن المعركة الحقيقية ليست من أجل امتيازات الصحفيين، بل من أجل حق المجتمع في أن يرى نفسه بكل تناقضاته. فالمجتمع الذي يفقد إعلاما حرّا لا يفقد الأخبار فقط، بل يفقد ذاكرته النقدية وقدرته على كشف الخطأ وحقه في تخيل البدائل وتحميل المسؤوليات. وكلما غابت الوقائع عن المنابر المهنية، عادت في شكل شائعة أو غضب أو عنف رمزي في شبكات التواصل. وكلما أغلقت السلطة بابا أمام النقد، فتحت بابا آخر لفقدان الثقة.

 لا تترسّخ الحريّة في القصور ولا عبر الخطب، بل عبر قدرة الصحفي على قول ما لا تريد السلطة سماعه، وفي قدرة المؤسسة على حمايته وفي قدرة القضاء على رفض تحويل الاختلاف إلى جريمة، وأخيرا، في قدرة الجمهور على الوصول إلى أكثر من رواية دون أن يطلب منه الاختيار بين الصمت والتخوين. وما لم يحدث ذلك، سيعيش المجتمع في عتمة الثرثرة التي لا تنتج سوى الخواء.