حظيت وسائل الإعلام العمومي بعد 2011 بتدريبات ومرافقة من مدربين ومختصّين محليين وأجانب ووسائل إعلام عالمية من أجل إيجاد طريقها لتأسيس مسار جديد يحترم الحد الأدنى من المهنية، إلّا أنّه بعد 25 جويلية 2021، غلب الطبع على التطبّع، وتركت وسائل الإعلام العمومي وراءها محاولات الإصلاح داخل غرف الأخبار والبرامج، ليقودها المسؤولون على تسييرها لتكون صوتا لطرف واحد وهو السلطة.
يكفي جرد بسيط للمشرفين على التلفزة والإذاعة الوطنية إضافة إلى وكالة تونس إفريقيا للأنباء والصحف العمومية والمصادرة، لمعرفة أنّ المسؤولين الذين يديرونها خبروا العمل زمن بن علي لكنهم لم يتطبّعوا رغم محاولات الإصلاح طيلة عقد من الزمن.
في المقابل، تقاوم خلايا صغيرة من الصحفيين داخل مؤسسات الإعلام العمومي، بدرجات متفاوتة، للإفلات من التعليمات والمحافظة على الحد الأدنى من المهنية.
رقابة ورداءة من الزمن الجميل
يوم الخميس 17 سبتمبر، وفي أوج فيضان شوارع العاصمة وولايات أخرى بسبب هشاشة البنية التحتية أمام أمطار الخريف المنتظرة، بثّت الصفحة الرسمية للإذاعة الوطنية خبرا في واجهة الصفحة، يتعلّق بإشراف الرئيسة المديرة العامة هندة بن علية الغريبي على حفل ”تكريم مبعوثي الإذاعة بتغطية ألعاب البحر المتوسط“، وجاء في الخبر المُرفق بصورة المديرة العامة للإذاعة التونسية وسط صحفيين، أنّ ”هذا التكريم جاء ترسيخاً لتقليد دأبت عليه الإدارة العامة للإذاعة التونسية منذ ثلاث سنوات في دعم أبنائها والاعتراف بتميزهم، وتأكيد متجدّد للمرفق الإعلامي العمومي على مواصلة أداء رسالته النبيلة بكل اقتدار وموضوعية“.
يمكن ألّا يجد الجمهور تفسيرا لقيام المشرف على الصفحة الرسمية للإذاعة الوطنية في فيسبوك، بتثبيت منشور لا يهم الجمهور شأنها شأن منشورات أخرى تخص أنشطة المديرة العامة للإذاعة الوطنية مثل لقائها بالأعضاء الجدد لمكتب جمعية قدماء الإذاعة الوطنية أو إشرافها ”عبر تقنية زوم“ على تنصيب مكلّفة جديدة بتسيير إذاعة قفصة. غير أنّ معرفة القليل مما يحصل خلال عملية إنتاج المحتوى في الإذاعة والتي يهمس بها عاملون بها، خوفا، يوضّح أسباب عودتها كلّيا إلى حضن السلطة.

تحدّثت صحفية تعمل في الإذاعة الوطنية منذ سنوات، إلى نواة، وخيّرت عدم الكشف عن هويتها خوفا من ”انتقام“ إدارة الإذاعة منها حسب قولها. تقول الصحفية المذكورة إنّ المديرة العامة للإذاعة الوطنية تتدخل مباشرة وبشكل مكثف في المحتوى الذي تبثه الإذاعة سواء كان سمعيا أو إلكترونيا، فهي من تشرف على إدارة الصفحة الرسمية للإذاعة الوطنية على موقع فايسبوك وتقوم بحذف ما تشاء منها.
تحاول مجموعة صغيرة من الصحفيين العاملين، بشكل فردي مقاومة التعليمات الصارمة التي تصدر عن السلطة ويشرف على تطبيقها المسؤولون في الإدارة أو التحرير، ولا تتجاوز محاولات تلك المجموعة خطوطا معيّنة بسبب الرقابة الشديدة على عملهم . تقول الصحفية التي تحدّت إليها نواة ”بسبب التضييق الممنهج على الصحفيين اختارت مجموعة صغيرة جدا المقاومة عن طريق رفض الانخراط في الدعاية على الأقل، أحيانا نقوم بالتغطية المقتضبة لأنشطة المنظمات التي تُحرّمها إدارة التحرير، ونختار أوقاتا معيّنة، مثل نشرات الأخبار الليلية، لكن في المقابل، لا يُعيد المشرفون على محتوى الويب نشر ذلك في الموقع أو في الصفحة الرسمية للإذاعة على فيسبوك“.
لا يختلف الحال في التلفزة الوطنية عن الإذاعة العمومية، إذ تسعى مجموعة صغيرة من الصحفيين إلى مقاومة ”المدّ الحكومي“ الطاغي، منذ 25 جويلية 2021، على كلّ محتواها في نشرات الأخبار وفي برامجها، وذلك حسب قول مجموعة من الصحفيين الذين تحدّثت إليهم نواة.
يقول صحفي يعمل في التلفزة الوطنية في تصريح لنواة ”هناك أقلية في التلفزة الوطنية ممن يقاومون للحفاظ على الحد الأدنى من المهنية. نعمل في تلفزيون عمومي محمول عليه أن يبث محتوى متعدد الآراء والمصادر . ويمكن لكل المتابعين للقناة الوطنية أن يلاحظوا غيابا تاما للبرامج الحوارية التي تستضيف الرأي والرأي المخالف، فبعد 25 جويلية 2021، منع أي ضيف له رأي مخالف من الدخول إلى مقرّ التلفزة الوطنية“. يضيف الصحفي المذكور أنّ الأقلية التي حاولت المقاومة من أجل أن يكون محتواها الصحفي متوازنا، تمّ استنزافها خاصة في غياب هبّة جماعية أو تضامن جماعي من قبل الصحفيين. ويضيف ”الأخطر من ذلك، هو أنّ بعض (الزملاء) يقومون بتسجيلهم ونقل مواقفهم التي يعبرون عنها في صفحاتهم الشخصية على فيسبوك، إلى الإدارة، سواء كانت تلك المواقف متعلقة بالسلطة أو بمسائل مهنية بحتة. ويقع التضييق على الصحفيين العاملين في القناة الوطنية عبر ثلاث طرق: هرسلتهم أو تهميشهم أو وضعهم في فخ تكليفهم بالعمل على مواضيع هامشية. وقد تعرّض صحفيون بسبب إبداء رأيهم في الشأن العام أو احتجاجهم على طريقة العمل في التلفزة الوطنية إلى المساءلة وإحالتهم على مجلس التأديب“.

امتدّت يد السلطة إلى الإعلام المصادر أيضا، مثل الصحف التابعة لدار الصباح، إذ يغلب المحتوى المتعلق بأنشطة الحكومة أو الرئاسة على صفحات تلك الصحف، في حين تغيب بشكل واضح تغطية قضايا متعلقة بالحقوق والحريات. تحدّثت نواة إلى صحفية عاملة بصحيفة تابعة لدار الصباح التي صرّحت أنها قاومت كثيرا للعمل على مواضيع تعوّدت الصحيفة نشرها دون تسليط أي رقابة عليها، وكانت تقترح في كل مرة العمل على مواضيع تهم حقوق الإنسان لكن يتم رفض مقترحاتها في النهاية وتضيف:
أحاول صحبة مجموعة من زملائي العمل بشكل مهني، لكن تُرفض مقترحات المقالات التي نريد الاشتغال عليها، حتى وإن كانت اجتماعية أو اقتصادية. وفي بعض الأحيان، حين تقبل إدارة التحرير تلك المقترحات بعد ضغط منا، يتم توجيه الزاوية نحو ما يسمى بالجانب الإيجابي. في الأخير يستنزف جهدنا في النقاش في تفاصيل مهنية صغيرة. لا يتبيّن الجمهور كواليس عملنا ومحاولات البعض منا الالتزام بالمهنية. في المقابل يتم الضغط على الصحفيين لضرب حقهم في العمل على المواضيع التي أصبحت من المحرّمات، وذلك بتسليط الأعوان التقنيين بمحاولة تعطيل تسوية وضعية دار الصباح. هم أغلبية مقارنة بالصحفيين، لذلك يعتبر أي احتجاج يقوم به الصحفيون محاولة فاشلة للضغط على إدارة التحرير أو على مسير دار الصباح الذي سبق أن قال حرفيا من لم تعجبه طريقة العمل هنا، يمكنه الاستقالة.
في أفريل الماضي، ارتدى صحفيو وكالة تونس إفريقيا للأنباء الشارة الحمراء احتجاجا على التدخل في التحرير ودفاعا عن استقلالية الوكالة، حيث تواجه وكالة تونس إفريقيا للأنباء شأنها شأن بقية وسائل الإعلام العمومي تضييقات وتدخلا في التحرير.
يقول عادل الرياحي رئيس فرع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في تصريح لنواة، إن الرئيس المدير العام للوكالة قد بدأ تدريجيا في التدخل في التحرير فور تعيينه قبل ثلاث سنوات، وذلك بحذف بعث البرقيات ويضيف ”تصاعد نسق التدخل في التحرير باستبعاد تغطية أنشطة الأحزاب، وكانت التعليمات هي تغطية الأخبار التي يقيمون بأنها إيجابية، فقط. اتسعت دائرة التضييقات التي تمارسها الإدارة على عمل الصحفيين بسبب ولاء جزء من الصحفيين العاملين معنا. هناك نوع من المقاومة من قبل الصحفيين وذلك عن طريق الضغط على رؤساء الأقسام ومدير التحرير الذين يتفاعلون معنا أحيانا، وننجح في تغطية الاحتجاجات مثلا، لكن بسبب التدخل في البرقيات، تصبح تلك الأخبار هجينة ومفرغة من معناها. يتعرض صحفيون بسبب استماتتهم في الدفاع عن استقلاليتهم إلى أنواع كثيرة من الهرسلة، فقد تعرضت صحبة زميلتي إلى استجواب من الإدارة بسبب خبر عن تنسيقية ”نفس“، بتعلة أنه لا يوجد مصدر يستند إليه الخبر. أصبحت الأخبار التي تخص المجتمع المدني والأحزاب في قائمة الممنوعات في وكالة تونس إفريقيا للأنباء، ورغم تدخل فرع النقابة من أجل وضع حد للتضييق، عن طريق اجتماعات متكررة مع الرئيس المدير العام للوكالة، إلا أنّ الحال لم يتغير إلى حد الآن. أعتقد أن هناك تعليمات جماعية لوسائل الإعلام العمومي باعتماد سياسة تحرير موحدة، أهم ملامحها أنّها تغيّب كل جهة تقف على الطرف الآخر من السلطة“.

تضع السلطة يدها على الإعلام العمومي من خلال التعليمات المباشرة لمسؤوليها والضغط على الصحفيين العاملين بها عبر ورقة تسوية الوضعيات المهنية. ففي دار لابراس الحكومية مثلا، ينتظر عدد من الصحفيين تسوية وضعيتهم المهنية منذ سنوات، وهو ما دفعهم إلى الدخول في اعتصام بمقر عملهم، استمر 6 أيام قبل تعليقه يوم الأربعاء 30 سبتمبر، احتجاجا على وضعيتهم المهنية الهشة وعدم تجديد عقود العمل.
تقول جيهان اللواتي عضوة المكتب التنفيذي بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في تصريح لنواة إنّه يوجد في قائمة الذين اعتصموا لنحو أسبوع في سنيب لابراس صحفيين اثنين وعدد آخر من الأعوان الذين يعملون في ظروف مهنية هشة، وتضيف اللواتي ”سواء تعلق الأمر بسنيب لابراس أو دار الصباح او بقية وسائل الإعلام العمومي، فإنّ السلطة تستعمل الرقابة على المحتوى الصحفي في مستويين، الأول هو استغلال الوضعيات المهنية الهشة لإدخالهم في دائرة الرقابة الذاتية مقابل تسوية وضعياتهم، والثانية هي استعمال مسألة التمويل العمومي، فالسلطة هي من تتحكم في تمويل المؤسسات الإعلامية العمومية وبالتالي فهي تضع يدها على المحتوى الذي يبث أو ينشر وتحول تلك المؤسسات إلى مؤسسات حكومية لا عمومية. في الإذاعة الوطنية مثلا، هناك عدد من الصحفيين الذين يعملون دون عقود ولم يتلقوا أي أجر مقابل عملهم منذ أربع سنوات رغم أن قانون الشغل واضح في هذه المسألة. وفي المقابل، تستغل الإدارة وضعيتهم الهشة ووصل الأمر حد مساومتهم بتسوية وضعيتهم مقابل الخضوع لما تمليه عليهم الإدارة خلال أداء عملهم“.
قدّمت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين خلال ندوة صحفية عقدتها السبت 2 ماي، تقريرها السنوي للحريات الصحفية، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يتم إحياؤه يوم 3 ماي من كل عام. كما رفع الصحفيون والصحفيات شعارات خلال وقفة أمام مقر النقابة للتضامن مع عائلات الصحفيين المساجين على خلفية آرائهم وتنديدا بالانهيار المتواصل لحرية الصحافة والتعبير وباصرار السلطة على تكميم الافواه وضرب حق المواطنات والمواطنين في الوصول الى المعلومة خوفا من الحقيقة.
صدى القصر في أروقة الإعلام العمومي
تضيف صحفية بالإذاعة الوطنية ”لم تلتزم الإذاعة منذ خمس سنوات تقريبا بالحياد، والجميع يستحضر كيف قامت السيدة المديرة بتغطية مباشرة على صفحة الإذاعة بفيسبوك، للاحتفالات بفوز سعيد في الانتخابات مدعية عدم توفر فريق صحفي للتغطية. كما لا تخفي المديرة العامة للإذاعة تدخلها شخصيا في التحرير، فقد اعترفت بذلك في فيديو تم حذفه لاحقا من صفحة الإذاعة، بالقول إنها رئيس تحرير الإذاعة إضافة إلى منصبها في إدارة المؤسسة“.
ينصّ الميثاق التحريري الذي تنشره الإذاعة الوطنية على موقعها الرسمي على أنه يجب على الإذاعة الالتزام بالاستقلالية التامة في المحتوى الصحفي وعلى احترام حرية التعبير وحق الجمهور في الحصول على المعلومة، وفي قسم آخر، يذكر الميثاق التحريري أن الإذاعة مُلزمة ب”الحفاظ على الحياد والموضوعية في نقل الأخبار والأحداث وتعزيز قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان“.
ليس من العسير ملاحظة التضارب الكامل بين الميثاق التحريري والمحتوى الذي يبث على الإذاعة الوطنية سواء كان مسموعا أو إلكترونيا، أو في تعاملها مع العاملين فيها، إذ خلعت الإذاعة كلّ ما ذُكر في ميثاقها التحريري الذي يلزمها بالحياد واحترام حرية التعبير وتعزيز قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تقول الصحفية في الإذاعة الوطنية التي تحدّثت إليها نواة ”بعد 25 جويلية 2021، ضُرب مبدأ تكافؤ الفرص في التغطية الإعلامية وبرز ذلك في تغطية الانتخابات الرئاسية حيث حظي الرئيس قيس سعيد بهامش أكبر خلال حملته مقارنة ببقية المترشحين، رغم أنّنا قاومنا من أجل احترام تكافؤ الفرص بين الجميع. إضافة إلى ذلك إدارة الإذاعة تتلقى تعليمات من الرئاسة، وهو ليس تجني أو تخمين. أتذكّر إنه خلال موسم الحج لسنة 2025، حصلت المديرة على فيديو جاهز من جهة رسمية يبرز شهادات حجيج تونسيين ثمنوا فيها التنظيم الجيد الذي قامت به السلطة في تونس“. تضيف الصحفية المذكورة:
المسؤولون في الاذاعة الوطنية، بمختلف مواقعهم، لا يحترمون أسس العمل الصحفي مثل الحياد والحق في التعبير، وذلك من خلال مسألتين: الرقابة على المحتوى وعلى المواضيع التي يقترحها الصحفيون من جهة وتطبيق تعليمات مباشرة من السلطة والانخراط في الدعاية لسياساتها. لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد أصبح الصحفيون محل رقابة على مواقفهم أو حتى أحاديثهم الجانبية، خاصة بعد تركيز كاميرا داخل قسم الأخبار، بتعلة الحماية من السرقة، رغم وجود كاميرات على طول الرواق خارج المكتب. وصل الأمر إلى الخوف من الأحاديث الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة بعد انتشار معلومة تقول إنّ الإدارة قد تتجه إلى قرصنة حساباتهم الخاصة على فيسبوك.
تمتنع الإذاعة الوطنية سواء كان ذلك في قسم الأخبار أو في برامجها، عن تغطية أنشطة وأحداث وبيانات تتعلّق منظمات بعينها مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والاتحاد العام التونسي للشغل، كما تغيب تغطية المظاهرات أو الاحتجاجات وهو ما يضرب مبادئ الميثاق التحريري للإذاعة برمته. تقول جيهان اللواتي عضوة المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين لنواة ”وضعت إدارة التحرير في الإذاعة الوطنية قائمة من الأنشطة الممنوع تغطيتها، وخصّت بذلك عددا من المسيرات والأنشطة من ضمنها المسيرة التي سينظمها الاتحاد العام التونسي للشغل.
تعتمد الإدارة في الإذاعة على الرقابة على المحتوى الصحفي الذي يبث أو ينشر في موقعها الرسمي، وتشرف المديرة العامة بنفسها على حذف بعض الأخبار التي تُقدّر أنّها لا تتماشى مع الخط التحريري المتماهي تماما مع خطاب السلطة، حتى وإن كان خبرا عاديا. أعتقد أنّ المسألة الأخطر هي قيام الصحفي بالرقابة الذاتية عند أداء عمله“.
لاتنشر مؤسسة بحجم التلفزة الوطنية ميثاقها التحريري مكتفية بنشر الإطار القانوني وسطور تسميها بالخلية المركزية للحوكمة. أما في القسم التعريفي، تظهر في موقع القناة قسما فرعيا يحمل عنوان ”قيمنا“ الذي نصّ على ما يشبه منهج القناة الوطنية في المحتوى الذي تبثه، من ضمنه التزامها بالاستقلالية، وكتب في هذا القسم ”نقدم محتوى موجه للصالح العام ويرتكز على أخلاقيات الصحافة، نميّز بين الخبر والرأي ونحترم اختلاف وجهات النظر وفقا للمعايير المهنية“. في المقابل يغيب الميثاق التحريري للتلفزة الوطنية من الموقع، والذي تم إعداده بالشراكة مع قناة ”بي بي سي“ البريطانية. في المقابل، بدا أن القناة المذكورة تستند فحسب على مراسيم حكومية من ضمنها ”أمر عـدد 4030 لسنة 2014 يتعلق بالمصادقة على مدونة سلوك وأخلاقيات العون العمومي“، التي نصت على أنه إحدى مراجعها في الحوكمة. وينص الباب الثاني من المرسوم على أنّه على العون العمومي ”احترام رؤسائه، دون سعي لاسترضائهم لكسب أي معاملة تفضيلية والامتثال لتعليمات رئيسه المباشر وتنفيذها“. ويبدو أن هذا الفصل يقدّم منفذا ذهبيا للمسؤولين المشرفين على إدارة التلفزة الوطنية ، حتى ضمنوا مشروعية إخضاع الصحفيين للتعليمات وتنفيذها، بصفتهم أعوان عموميين ينطبق عليهم الأمر عدد 4030.
التلفزة التونسية تحولت إلى تلفزة ناطقة فقط باسم السلطة، هذا هو الرأي المتداول في تونس بعد 25 جويلية حول الإعلام العمومي بصفة عامة والتلفزة التونسية بصفة خاصة. خاصة مع حالة التعتيم والانحياز والانتقائية في اختيار الأخبار والمواضيع وإقصاء المعارضة والمجتمع المدني من التغطية الإعلامية. في هذا السياق التقت نواة الأستاذ والباحث الصادق الحمامي المتخصص في قضايا الإعلام والاتصال السياسي.
يقول أحد الصحفيين العاملين بالتلفزة الوطنية في تصريح لنواة ”ما يعيشه الإعلام العمومي في هذه الفترة أسوء من فترة بن علي، ولا مجال للمقارنة. ففي التلفزة الوطنية خلال حكم بن علي، كان هناك ما يمكن تسميته بالدعاية المحترفة والذكية، وذلك لسبب واحد وهو أن المسؤولين الذين سيّروا التلفزة الوطنية كانوا يملكون الحدّ الأدنى من المهنية. في السابق، كانت هناك أسماء معلومة في السلطة تقوم بإصدار التعليمات مثل عبد الوهاب عبد الله وعبد العزيز بن ضياء وهما اللذان أشرفا سياسيا على التلفزة الوطنية وعلى الإعلام العمومي بصفة عامة. أما الآن، فهناك تعليمات من السلطة تعطى للمسؤولين في وسائل الإعلام العمومي، لكننّا لا نعلم من هم، وما هو مركزهم في الدولة، هم يستغلّون ماضي المسؤولين المشرفين على وسائل الإعلام العمومي، في الانبطاح للسلطة، لمواصلة منهجهم القديم وتطبيق التعليمات دون تفكير، وقد ذكرهم كتاب الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي المسمى وقتها ”بالكتاب الأسود“ بالإسم والصفة. خلاصة القول أنه هناك ما يمكن تسميته برئيس التحرير العام الذي يشرف على إدارة التحرير في وسائل الإعلام العمومي، وهو حتما الرئيس قيس سعيّد الذي لم يخف توجيهه علنا للمسؤولين المشرفين عليها بالخوض في تفاصيل تحريرية بحتة“.





iThere are no comments
Add yours