هذه الاحكام الثقيلة في مجملها، خاصة تلك المتعلقة بأشهر قضايا العهد السعيد والمعروفة بقضية التآمر على أمن الدولة، شكلت نقطة فارقة في مسار الحراك السياسي المدني المعارض. أحكام كانت بمثابة رصاصة الرحمة أطلقتها السلطة ساخرة ممن راهن على إمكانية استعادتها لرشدها وممن اعتقد في وجود عقل سياسي يخطط ويهندس لها بما يضمن ديمومتها، هو بالأحرى عقل بوليسي تقوده غريزة السيطرة والهيمنة على كل من وضعتهم الأقدار في طريق ممارسة نفوذه، لا يكتفي برفض المساءلة والمحاسبة، بل يعتبر مجرد التفكير فيها لوثة تصيب العقول وضربا من ضروب الكفر والخروج عن الملّة.
فرغم قساوة هذه الأحكام وما شاب جلساتها من ضرب صريح لأدنى مقومات المحاكمة العادلة وما سببته وتسببه من عذابات لعائلات تواجه الظلم والتنكيل بالصبر ورباطة الجأش، فإن لبعض انعكاساتها جوانب إيجابية لعل أبرزها ذلك التنوع والاصرار الذي أرعب السلطة في المظاهرات التي ميزت الأسابيع الأخيرة من سنة 2025. هذا التنوع وإن كان في بداياته من الواضح، لمن واكب هذه المظاهرات وقيّمها، أنه لم يكن نتيجة تنسيق جماعي محكم بين مختلف المجموعات الشبابية والقوى السياسية التي شاركت فيها، بل ما جمعها وجعلها تخرج في نفس المظاهرة رغم خلافاتها اللامتناهية هو تعاظم الظلم والعبث وبلوغه درجات غير مسبوقة في استسهال الالقاء بالمواطنين في السجون والابداع في تلفيق التهم ولوي عنق المنطق لتكون الأحكام خارج دائرة “من يبرئهم فهو شريك لهم”.
مظاهرات قادتها شابات وشبان بإصرار وحماسة أربكت السلطة والايادي المرتجفة وأصحاب أنصاف المواقف واجمالا كل من يرى في عودة الاستبداد نهاية للعمل السياسي الجاد، في حين تعتبرها قلوب الشباب النابضة بالحياة دافعا للانخراط في الحراك السياسي وبداية فعلية للعمل السياسي المقاوم. فإن كانت سنة 2025، رغم كل محاولات اخماد أنفاس المعارضة، سنة استعادة الشارع الغاضب لبريقه وقوته التنظيمية فإن سنة 2026 ستكون سنة الفعل السياسي المقاوم بوضوح دون مواربة بعد أن سقطت كل أقنعة السلطة وانصرفت الأقلام التي كانت تراهن على قرب الانفراج إلى التدوين في جمال الطبيعة وروعة رائحة الكسرة التي تعدّها نبع الحنان.
مقاومة سياسية شبابية لا يقوى العبث على مواجهتها بغير السفسطة والشتيمة ومواصلة الهروب إلى الأمام، مع اعتماد السرعة القصوى إن تطلب الأمر. مقاومة سياسية أزعجت السلطة بقدر ازعاجها أشباحا سياسية نُفخ فيها من جديد، قفزت دون زانة على سنوات ارتباطها بالسلطة، قفزت على عذابات آلاف الشباب الذين سجنوا ونكّل بهم وبعائلاتهم، لتطلّ علينا من جديد بطلعتها البهية وكأن شيئا لم يكن، دون اعتذار أو نقد ذاتي لما أقدمت عليه وما شاركت فيه، دون حياء ولا ماء وجه.. حتى أن بعضهم يروج لموظف الصدفة رئيس الحكومة الأسبق هشام الميشيشي، متحدثين عن امكانيات ترأسه لحكومة انتقالية أو ما شابه ذلك. بحق ما تؤمنون به، هل تعتقدون جديا أن الشعب سيقبل صاغرا بعودة من تسبب بتعنته فيما نحن فيه اليوم وإن كان لمرحلة انتقالية؟ هل تعتقدون أنه كتب على تونس أن تراوح بين دولة البوليس ودولة نقابات البوليس؟ أم أن الوقت غير مناسب لنبدأ السنة الجديدة بالتفاعل مع هذا التهريج؟
الأكيد هنا أن كلما اشتدّ الخناق على النظام يأتيه الفرج من طلة هشام الميشيشي رئيس الحكومة الأسبق أو رفيق عبد السلام بوشلاكة وزير الخارجية الأسبق أو غيرهما من الوجوه التي ارتبطت صورها المعنوية بالعبث السابق للعبث الحالي، فبعد كل منبر يظهرون فيه يتذكر جزء هام من التونسيين سبب انتخابهم العقابي لسعيد سنة 2019، صحيح ان تعرضك للظلم يجعل منك ضحية لكنه أبدا لن يكون ممحاة لما اقترفته بصلف على امتداد سنوات في حق البلاد وشعبها.
رغم كل ما سبق، تعلن 2026 نفسها سنة مفصلية سياسيا ونقابيا واجتماعيا واقتصاديا، راكم الشباب على امتداد السنوات التي سبقتها خبرة التحرك والتنظيم والتنظم، يدخلها برؤية واضحة بعد انقشاع الضباب ووضوح الرؤية، سنة العمل السياسي المقاوم الواثق في وجه العبث والارتداد السياسي والحضاري مهما كان مأتاه.




iThere are no comments
Add yours