خلال الأشهر الأخيرة ارتفعت وتيرة المظاهرات المعارضة لقيس سعيد والتي رفعت شعارات ضد الظلم والقمع وللمطالبة بالإفراج عن المعتقلين في قضايا الرأي والسياسة، لعل أوجها كان في مسيرة 22 نوفمبر 2025 والتي شهدت مشاركة مكثفة من مختلف القوى الشبابية والتيارات السياسية، ما اعتُبر تحولا نوعيا في مسار التعبئة الاحتجاجية ضد سعيد، وبعث برسالة مفادها أن المسيرات والاحتجاجات الميدانية قد تستوعب الاختلافات السياسية والايديولوجية تحت عنوان واحد وهو معارضة نظام قيس سعيد. لكن سرعان ما تحول هذا الموقف من استعداد للمشاركة ”غير المشروطة“ في المظاهرات المعارضة للنظام إلى محاولة فرض شروط على الجهة الداعية للتحرك وممارسة وصاية تحت عنوان التجميع وتجنب الانقسام في صفوف معارضي سعيد، هذه الوصاية السياسية على المبادرات والتحركات الميدانية الأخيرة قد تكون بدورها مدخلا للاستبداد وإلغاء التنوع والاختلاف في الشارع السياسي.

قد يبدو هذا المنطق جميلا وسليما إذا ما اعتبرنا أن السياق السياسي العام، وما يتسم به من قمع واعتقالات ومحاكمات جائرة طالت مختلف الفئات والجهات، يستوجب تجميع مختلف القوى والإرادات لمناهضة الاستبداد والقمع. لكن هل أن تجميع مختلف القوى والتيارات يكون على حساب الحد الأدنى من الاتفاق على أن الاستبداد مرفوض مهما كان مصدره؟ قطعا لا!! فلا مصداقية لمن يدعي معارضة استبداد اليوم ويهتز غضبا عندما يوصف نظام بن علي بالاستبدادي، فلا يمكن أن تُختزل المعركة ضد الاستبداد في إسقاطه فقط بل يجب أن تكون في إطار سردية سياسية واضحة تقطع مع كل ممارسات الاستبداد السابق والحالي.

لقد كان رفع اللافتة الضخمة في شارع الحبيب بورقيبة، والتي تحمل صورة وجه متناصف بين قيس سعيد والراحل زين العابدين بن علي مع شعار ”لن تُغلق قوس الثورة“، أبرز حدث في مسيرة ”الظلم مؤذن بالثورة“. اولا لأنها كانت تحمل رمزيات مكثفة من التزام بالثورة وشعاراتها وإصرار على مواصلة النضال واشارة إلى أن استبداد اليوم لا يختلف عن استبداد النظام السابق الذي ثار ضده التونسيون مع رسالة تقول أن النظم راحلة والشعب باق. ثانيا لأنها أثارت انقساما قد يبدو في ظاهره سلبيا من ناحية التأثير على التعبئة والمشاركة في التحركات القادمة بحجة ”استفزاز“ مشاعر ”الدساترة التجمعيين“ في حين أنهم متضررون من استبداد النظام القائم، وتقبع زعيمتهم عبير موسي في السجن في قضية كيدية بهدف تصفيتها سياسيا!! لكنه إيجابي بمعنى ضرورة الوضوح السياسي والابتعاد عن المخاتلة في صفوف أنصار الحزب الدستوري الذين يرفعون شعار الديمقراطية والحريات والحال أنهم يهاجمون كل من يعتبر أن نظام بن علي استبدادي وقامع للحريات. لقد تجاوز الأمر مجرد اختلاف في توصيف النظام السابق ليصل حد ممارسة الوصاية على الجهة المنظمة للمسيرة واتهامها بالصبيانية وانعدام النضج السياسي.

لا يختلف اثنان في أن الشارع السياسي تجاوز مرحلة الركود بفضل مسيرة 22 نوفمبر 2025 التي فتحت أبوابا من الأمل في إمكانية التصدي للاستبداد ومواجهته بجرأة ونضج سمحا لمختلف القوى الشبابية والتيارات السياسية على اختلاف اتجاهاتها بالمشاركة والمساهمة في رفع الصوت عاليا ضد الظلم. وما يحسب للجنة التنظيم أعضاء لجنة الدفاع عن المعتقل أحمد صواب القدر الكبير من المسؤولية والنضج والانفتاح الذي كرسته رغم صعوبة الوضع وعمق هوة الخلافات بين مكونات المشهد المناهض لقيس سعيد لينجحوا في إنهاء حالة الجمود في الشارع المدني عبر تنظيم تحركات نوعية حجما ومضمونا، ومن التجنّي اتهامهم بالصبيانية وتحميلهم فشل نخبة سياسية لسنوات طويلة في إيجاد حد أدنى من التوافق حتى على موقف واضح من الاستبداد، وأيضا مسؤولية فشل هذه النخبة في خلق بديل سياسي واضح للتونسيين والقيام بتعبئة ميدانية لرفض الظلم. فحزب عبير موسي كان لوقت ليس بالبعيد يقود حملات منظمة ضد المعارضة والمنظمات الحقوقية ويتهمها بالارتزاق مستعملا في ذلك نفس معجم أنصار النظام الحالي من خيانة وتآمر وتمويل مشبوه. هذه الوصاية تتخفى تحت شعار اذابة الخلافات بين القوى السياسية لكن على حساب الحد الأدنى من الالتزام بقيم الديمقراطية وعدم تمجيد الاستبداد، حتى المسيرات التي تتزامن مع ذكرى الثورة على نظام بن علي لا يجب أن تُذكّر التونسيين وأصحاب الذاكرة القصيرة بأن ذلك النظام كان نموذجا للفساد والريع والاستبداد والفاشية وقمع المجتمع وخنق أصواته وقواه الحرة!!

لقد فشل المجتمع السياسي والنخب التي حكمت بعد الثورة في التوافق على حد أدنى من تعريف للديمقراطية ووضع آليات كفيلة بمنع عودة الاستبداد، ما أدى إلى إعادة انتاج الاستبداد في شكله الحالي دون أن تكون لهذه النخب قدرة ميدانية أو سياسية لمنع عودته. وعوض أن يقدم ”الدساترة والتجمعيين“ نقدهم الذاتي وحسم موقفهم من استبداد نظام بن علي، اختاروا ممارسة الوصاية على مناضلات ومناضلين اختاروا التعبير عن موقفهم في ذكرى الثورة من خلال لافتات وصور ساخرة تربط بين ركوب النظام الحالي على الثورة ونضالات التونسيات والتونسيين وبين إعادة إنتاج نفس ممارسات الاستبداد التي أدت إلى الثورة.

لقد كان التحرك الأخير قويا من حيث الصور والشعارات وخاصة المشهدية التي خلقتها والسخرية من نظام يحاول احتكار المناسبات الوطنية ومنها ذكرى الثورة، لم يكن ممكنا أن تُحيى ذكرى الثورة دون التذكير بأن شعاراتها واستحقاقاتها لا تزال تنبض في صدور المؤمنين بها والحالمين بتونس الحرية والكرامة والعدالة، وأن ممارسات الاستبداد والقمع ما كان لها أن تعود بهذا الشكل لو حسمت الساحة السياسية موقفا موحدا وجامعا ضد الاستبداد في مختلف مراحله. وأن أجيالا من التونسيات والتونسيين يواصلون طريق النضال بكل إصرار من أجل تحقيق أهداف الثورة في وطن حر رغم مساعي تحويله الى سجن كبير.