المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

تابعت باهتمام تصريح رئيس الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بتونس، الذي نقل فيه تأكيد رئيس الجمهورية بشدة على «ضرورة تنفيذ عقوبة الإعدام». هذا الموقف ليس جديدًا؛ فقد عبّر عنه رئيس الدولة في مناسبات عدة قبل وبعد توليه، وآخرها بعد جريمة قتل المرحومة رحمة الأحمر سنة 2020. والمهم أن تونس، بعد أسابيع قليلة من ذلك التصريح، صوّتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح مواصلة تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام.

وهذا التباين أكد أن الموقف الشخصي لرئيس الجمهورية قد يختلف عن موقف مؤسسات الدولة الرسمية على عكس تصور السيد رئيس الدائرة الذي اعتبر هذا إقرار بما تريده السلطة التنفيذية، بل أكثر من هذا خول لرئيس الجمهورية وحده رسم السياسة الجزائية للدولةً.

وإذا كان دستور 2022 قد وصّف القضاء بوصف جديد وعوض السلطة بوظيفة فإن ذلك لا يعفي القاضي من واجب التحفّظ ولا يبرّر المساس بما تبقّى من استقلاليته. فالسياسة الجزائية ليست امتدادًا لإرادة فردية، مهما اتسعت صلاحياتها؛ بل هي نتاج تفاعل مؤسسات الدولة: تشريعية وتنفيذية وقضائية، وبمساهمة المجتمع المدني والاختصاصيين. واختزالها في توجّه احدى مؤسسات الدولة يستسهل طبيعتها المعقّدة ويُضعفها.

بعد دستور 2014 كنت من الداعين والداعيات إلى بلورة سياسة جزائية تراعي أولوية الحرية وضمان الحقوق، ودفعتُ نحو جلسات عمل مشتركة بين الفاعلين لتحديث التشريعات. كانت المسافة بين القضاء والسلطة التنفيذية، لكن كان القضاء التونسي بسبب حرصه على كسب استقلاليته في شبه قطيعة مع وزارة العدل وهي مرحلة في وقتها ضرورية لبناء علاقة تقوم على توازن وتعاون، لا تبعية أو هيمنة.

فلسفة العقاب في عقوبة الاعدام

ما يثير الانتباه ايضاً في تصريح رئيس الدائرة الجناحية وصفه لعقوبة الإعدام بأنها «بقيت مهجورة نوعًا ما»، وهو توصيف لا يتوافق مع الحقيقة التاريخية والقانونية: فقد علّقت تونس رسميًا تنفيذ الإعدام منذ 1991، وآخر تنفيذ يعود إلى أكتوبر من تلك السنة. مثل هذا السهو في عرض معطيات أساسية أمر مقلق عندما يصدر عن قاضٍ يُفترض فيه الإحاطة بالسياق القانوني والوقائعي.

كما لا يمكن فصل توقيت طرح هذا الجدل عن السياق السياسي المحيط، خصوصًا مع توجيه اتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام لشخصيات سياسية. إن إبراز مواقف من هذا النوع في ظل توترات مماثلة يزيد الاحتقان، ويُفهم أحيانًا كرسالة موجهة إلى القضاء في قضايا محددة. ويرجع بنا التاريخ بحالات اصطفاف القضاة وراء السلطة التنفيذية حين صرح رئيس دائرة مسبقا أنه لو أحيلت على دائرته قضية أحداث الخبز لحكم عليهم بالإعدام وهذا ما حصل فعلا. لكن بفضل ضغوط مدنية ومحلية ودولية توصلنا إلى عفو رئاسي عن مجموعة المُدانين بالإعدام.

النقاش حول الإعدام يتجاوز اللحظة السياسية إلى قضايا أعمق تتعلق بفلسفة العقاب ومكانة الحق في الحياة. تونس وقّعت العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يعتبر الحق في الحياة حقًا أصيلاً، ويحث الدول على التوجه نحو إلغاء الإعدام.

المشهد الدولي يشهد تراجعًا متزايدًا في استعمال العقوبة؛ أكثر من 170 دولة ألغت الإعدام قانونًا أو ممارسة. الأدلة البحثية تضع شكوكًا حول فاعلية الإعدام كوسيلة ردع، وتجارب بعض البلدان تشير إلى عدم ارتفاع معدلات الجرائم العنيفة بعد الإلغاء. أما التجربة التونسية فمنذ تعليق التنفيذ عام 1991 لم تسجل قفزات في جرائم القتل تُنسب إلى هذا التعليق.

الإشكالية الأعمق تكمن في ضمانات المحاكمة العادلة: تسييس القضاء، وضعف معايير الإثبات، وعدم تكافؤ فرص الدفاع لا تزال تحديات قائمة. في ظل شبهات التعذيب أو الإكراه الموثقة في تقارير محلية ودولية، يصبح تنفيذ عقوبة لا رجعة فيها مخاطرة جسيمة تتعارض مع مبدأ «ادرؤوا الحدود بالشبهات».

كذلك، تُظهر التجارب أن الإعدام غالبًا ما يطال الفئات الأكثر هشاشة: الفقراء والمهمّشين والأقليات، ما يجعل العدالة تبدو منحازة اجتماعيًا.

نحو مقاربة جنائية إنسانية وفعّالة

السؤال المحوري ليس صراع تقليد وحداثة، بل مقاصدي: هل تخدم عقوبة الإعدام حفظ النفس وتحقيق العدالة في السياق التونسي الراهن؟ أم أن بدائل كالسجن الطويل مع برامج إصلاح وتعويض فعّال للضحايا تقدم ردعًا وإنصافًا مع إبقاء باب المراجعة مفتوحًا؟

فإلغاء الإعدام لا يساوي تساهلًا مع الجريمة، بل إعادة تصور للعدالة الجنائية نحو مزيد من الفعالية والإنصاف والإنسانية. كما أن الاستثمار في العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر وتعزيز التعليم والصحة أدوات وقائية ذات أثر أعمق من التركيز الحصري على العقوبات القصوى.

استقلالية القضاء وحوار وطني ضروري

النقاش حول عقوبة الإعدام يجب أن يظل حوارًا وطنيًا هادئًا، مستندًا إلى حجج قانونية، وبيانات علمية، ورؤية أخلاقية، بعيدًا عن التوظيف السياسي. فمشروعية القضاء لا تُقاس بقربه من السلطة، بل باستقلاله وعدالته والحق في الحياة ليس تفصيلًا يُعلّق بتقلبات السياسة، بل أساس كل شرعية قانونية وأخلاقية.

إن مسؤولية هذا الحوار جماعية: مشرّعون ومشرعات وقضاة وقاضيات وفقهاء وفقيهات وباحثون وباحثات ومجتمع مدني، وجب أن يفتحوا هذا النقاش بعقلانية وجرأة، مستلهمين و مستلهمات بقيمنا ومواكبين ومواكبات للمعايير الإنسانية العالمية. فكرامة الإنسان لا تُجزأ، والحياة التي تُزهق لا تُستردّ.


حوار مع الحقوقي شكري اللطيف حول عقوبة الإعدام
– 02 أكتوبر 2020 –

مع تكرّر جرائم القتل والاغتصاب، تتصاعد المطالب المنادية بتطبيق عقوبة الإعدام ضدّ المدانين. وفي هذه المرّة، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد لدى إشرافه على مجلس الأمن القومي إلى تطبيق حكم الإعدام على كلّ من قتل نفسًا بغير حقّ. في هذا الإطار، حاورت “نواة” شكري اللطيف رئيس الإئتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام، في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات منادية إلى تفعيلها.