في بلد يتآكل فيه المجال العام تدريجيا وتُستنزف فيه السياسة من داخلها، تبدو المحاماة واحدة من آخر المهن التي ما تزال تحتفظ بقدرة نسبية على التنظّم والاعتراض وإنتاج خطاب مضاد. لذلك لم يكن غريبا أن تتحوّل العلاقة بين السلطة والمحامين خلال السنوات الأخيرة، من توتّر متقطّع إلى صدام مفتوح يتجاوز الملفات المهنيّة نحو أسئلة أكبر تتعلّق بالحريات واستقلال القضاء وحدود السلطة نفسها. صدام دفع هيئة المحامين إلى اعلان جملة من التحركات الاحتجاجية الجهوية، تنتهي بإضراب عام وطني يوم 18 جوان 2026، في صورة تواصل سياسة الانكار والهروب إلى الامام التي احترفتها السلطة.
لم يكن المحامي في تونس يوما مجرّد تقني قانوني يدير النزاعات داخل قاعات المحاكم، فقطاع المحاماة لعب تاريخيا أدوارا سياسية ووطنية وحقوقية مركزية، من مقاومة الاستعمار إلى مواجهة الاستبداد، ومن الدفاع عن المعارضين إلى صناعة الانتقال الديمقراطي بعد 2011. لكن هذا الدور نفسه يبدو اليوم مستهدفا أو على الأقل محاصرا داخل مناخ سياسي جديد يقوم على الشكّ في الأجسام الوسيطة والنفور من المؤسسات المستقلة والرغبة في إعادة تشكيل المجال العام على صورة سلطة أكثر مركزية وأقل قبولا للاختلاف وتعارض الرؤى.
لهذا تبدو معركة المحامين اليوم أبعد من مجرد إضراب أو احتجاج. إنّها معركة حول معنى العدالة ذاتها في تونس ما بعد 25 جويلية.
المحاماة في تونس: تاريخ طويل من الاشتباك مع السلطة
لم تكن المحاماة في تونس يوما مجرّد مهنة تقنية مرتبطة بالمرافعات والإجراءات القضائية. إذ تحوّلت منذ بدايات القرن العشرين، إلى أحد أهم الفضاءات التي احتضنت النخب السياسية والحقوقية المعارضة للسلطة، سواء كانت سلطة احتلال أو دولة وطنية استبدادية.
خلال فترة الاحتلال الفرنسي، لعب المحامون دورا محوريا داخل الحركة الوطنية. فقد كان عدد من أبرز قادة النضال ضد الاستعمار من المحامين أو خريجي كليات الحقوق، على غرار الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف والطاهر صفر والبحري قيقة وألبار بسيس. كما كانت مكاتب المحامين في العاصمة فضاءات للنقاش السياسي والتنظّم السري، فيما تحوّلت المحاكم نفسها إلى منابر لمواجهة إدارة الاحتلال.

بعد الاستقلال سنة 1956، دخلت العلاقة بين السلطة والمحاماة مرحلة أكثر تعقيدا. فالرئيس الحبيب بورقيبة، رغم خلفيته القانونية، كان ينظر بعين الريبة إلى كل جسم قادر على إنتاج استقلالية سياسية أو رمزية خارج الدولة المركزية. ومع توسّع هيمنة الحزب الدستوري، تعرّضت المحاماة بدورها لمحاولات تدجين تدريجية.
لكن رغم ذلك، بقيت الهيئة الوطنية للمحامين واحدة من المساحات القليلة التي حافظت نسبيا على هامش من الاستقلال، خصوصا مقارنة بالقضاء الذي جرى إخضاعه بشكل شبه كامل للسلطة التنفيذية.
وخلال سبعينات وثمانينيات القرن الماضي، لعب المحامون دورا بارزا في الدفاع عن النقابيين والطلبة والمعارضين اليساريين والإسلاميين الذين تعرّضوا للمحاكمات السياسية في عهد بورقيبة. وبرزت أسماء مثل منصور الشفي وفتحي السني وعبد الرؤوف العيادي كوجوه حقوقية ارتبطت بالدفاع عن المعتقلين السياسيين.
لكن المرحلة الأكثر صدامية جاءت، دون شك، خلال حكم زين العابدين بن علي.
ففي تسعينات القرن الماضي، ومع اتّساع القمع ضد الإسلاميين والمعارضين والحقوقيين، تحوّلت مكاتب المحامين إلى أحد آخر الفضاءات التي ما تزال تستقبل المعارضين وتوفّر لهم غطاء قانونيا وإعلاميا. لم يكن المحامي آنذاك مجرد مدافع داخل المحكمة، بل جزءا من شبكة مقاومة مدنية أوسع.
وقد تعرّض عدد كبير من المحامين خلال تلك الفترة إلى المراقبة والاعتداءات والمنع من العمل، خاصة المحامين المرتبطين بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أو بالمعارضة السياسية.
وفي سنة 2005، لعب المحامون دورا بارزا في اضراب جوع 18 أكتوبر ثم في هيئتها للحقوق والحريات، التي جمعت إسلاميين ويساريين وقوميين ومستقلين في واحدة من أهم المبادرات المعارضة ضد نظام بن علي.
ثم جاءت انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 لتؤكد مجددا هذا الدور التاريخي. فقد كان المحامون من أبرز من تولّوا الدفاع عن المعتقلين والنقابيين في قفصة، وتحولت هيئة المحامين إلى إحدى المنصات القليلة التي كسرت التعتيم الإعلامي المفروض على الاحتجاجات.
أمّا خلال الثورة التونسية أواخر 2010 وبداية 2011، لعب المحامون دورا مركزيا في الشارع أيضا، لا داخل المحاكم فقط. ففي 6 جانفي 2011، خرج مئات المحامين في احتجاجات ضخمة بالعاصمة وعدة جهات، في مشهد تحوّل إلى أحد الرموز البصرية الأقوى للثورة التونسية. حينها، لم تكن الجبّة السوداء مجرد زيّ مهني، بل إعلان انخراط واضح في مواجهة السلطة.
ولهذا السبب تحديدا، تحمل الأزمة الحالية كل هذه الحساسية. فالصدام بين السلطة والمحامين في تونس ليس مجرد خلاف ظرفي، بل امتداد لتاريخ طويل ظلت فيه المحاماة واحدة من آخر المساحات القادرة على مقاومة احتكار الدولة الكامل للسياسة والعدالة والمجال العام.
من 25 جويلية إلى اليوم: كيف تغيّرت علاقة السلطة بالمحامين؟
منذ انقلاب 25 جويلية 2021، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأساسي إلغاء التعددية وإعادة تركيز السلطة داخل مؤسسة الرئاسة، مقابل إضعاف متدرّج للأجسام الوسيطة والمؤسسات المستقلة.
في البداية، بدا جزء من المحامين متعاطفا مع خطاب ”تصحيح المسار“، خاصة في ظل حالة السخط الشعبي من الأحزاب والمنظومة السياسية السابقة. لكن سرعان ما بدأت العلاقة تتعقّد مع توسّع الإيقافات والمحاكمات ذات الطابع السياسي، وتزايد الانتقادات المتعلقة باستقلال القضاء وحقوق الدفاع.
كان ملف القضاة المعفيين سنة 2022 أحد أبرز المحطات الكاشفة لهذا التحول. فقد اعتبر عدد من المحامين أن إعفاء عشرات القضاة بقرار رئاسي مثّل ضربة خطيرة لاستقلال القضاء، فيما رأت السلطة أن الأمر يدخل ضمن ”تطهير القضاء“. لاحقا، تحوّلت هيئة المحامين إلى إحدى الجهات التي احتضنت عددا من القضاة المعفيين، حيث قرّر مجلس الهيئة في فيفري 2026 ترسيم سبعة قضاة معفيين بجدول المحاماة.
تدريجيا، أصبح المحامون أكثر حضورا في الملفات السياسية الحساسة، سواء في قضايا المعارضين أو الصحفيين أو النشطاء أو رجال الأعمال أو حتى قضايا ”التآمر“. ومع كل ملف جديد، كانت العلاقة مع السلطة تزداد توتّرا، خصوصا مع تكرار شكاوى المحامين من التضييق على حق الدفاع ومنعهم أحيانا من زيارة منوبيهم أو الاطلاع على الملفات.

من التصعيد إلى المهادنة: كيف فقدت هيئة المحامين جزءا من دورها في عهد مزيو؟
لفهم الغضب المتصاعد اليوم داخل قطاع المحاماة، لا يكفي النظر فقط إلى سياسات السلطة. فجزء من الأزمة يرتبط أيضا بما يعتبره عدد واسع من المحامين والحقوقيين حالة تراجع عاشتها الهيئة الوطنية للمحامين خلال عمادة حاتم مزيو، الذي قاد الهيئة بين 2022 و2025 في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ تونس الحديث.
ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تدخل تدريجيا في مناخ سياسي أكثر انغلاقا بعد 25 جويلية، بدت الهيئة، في نظر منتقديها، أقل صدامية مع السلطة مقارنة بما عرفته المحاماة تاريخيا، وأكثر ميلا إلى ”إدارة التوتر“ بدل خوض مواجهة واضحة دفاعا عن استقلال القضاء والحريات.
هذا التراجع لم يكن دائما صريحا أو مباشرا، بل اتّخذ شكل خطاب رمادي حذر، يحاول باستمرار تفادي القطيعة مع السلطة. ففي أكثر من مناسبة، شدّد مزيو على أن هيئة المحامين محايدة ولا تنحاز إلى أي طرف سياسي، معتبرا أن البعض يريد دفع الهيئة إلى الاصطفاف السياسي ضد السلطة.
ذلك الخطاب اعتبره جزء من المحامين محاولة مستمرة للتموقع في منطقة وسطى لم تعد موجودة عمليّا داخل تونس ما بعد 25 جويلية؛ فإما الدفاع الواضح عن استقلال القضاء والحريات، أو التحوّل التدريجي إلى جسم مهني منزوعة أنيابه السياسية والحقوقية.
وقد تجلّى هذا التناقض بوضوح خلال أحداث اقتحام البوليس لدار المحامي في ماي 2024، التي مثّلت واحدة من أكثر اللحظات صدمة داخل القطاع. ففي ليلة 11 ماي 2024، اقتحمت مجموعة بوليسية ملثمة مقر دار المحامي بالعاصمة لتنفيذ بطاقة جلب في حق الاستاذة سنية الدهماني، داخل فضاء يعتبره المحامون ذا رمزية مهنية وسيادية خاصة. العملية رافقتها حالة من الفوضى والاعتداءات وتكسير معدات صحفية، ما خلق صدمة واسعة داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية.
وبعد ذلك بيومين فقط، يوم 13 ماي 2024، عادت قوات الأمن مجددا إلى دار المحامي، وهذه المرة لإيقاف المحامي مهدي زقروبة من داخل المقر نفسه، في مشهد اعتبرته منظمات حقوقية ”انتهاكا خطيرا لحرمة المهنة“.
ورغم خطورة ما حدث، رأى كثير من المحامين أن رد فعل العميد حاتم مزيو ظل دون مستوى الحدث. فبدل الذهاب نحو مواجهة سياسية وقانونية مفتوحة مع السلطة، اختار خطابا تصالحيا نسبيا، أكّد فيه أن ”لا مشكلة للمحامين مع الرئيس قيس سعيّد“، داعيا رئيس الجمهورية نفسه إلى التدخل لاحتواء الأزمة.
حتى اللغة التي استُخدمت آنذاك بدت، بالنسبة إلى منتقديه، حذرة أكثر مما ينبغي. ففي تصريحاته إثر الاقتحام، شدّد مزيو على أن ”المحاماة ليست ضد تتبّع كل من أخطأ“، وأن المشكلة تتعلق فقط بالإجراءات واحترام حرمة دار المحامي.
لاحقا، فضّل العميد الذهاب إلى وزارة الداخلية وعقد لقاء مع الوزير خالد النوري يوم 30 ماي 2024، حيث تحدّث بلاغ الهيئة عن ”استعراض التجاوزات الإجرائية والتشديد على ضرورة احترام الإجراءات“، وهي صياغات اعتبرها جزء من المحامين مخففة بشكل لافت مقارنة بحجم ما جرى داخل مقر الهيئة نفسها.
بالنسبة إلى قطاع واسع من المحامين الشباب والحقوقيين، لم تكن المشكلة فقط في ضعف التصعيد، بل في الرسالة السياسية التي حملها هذا السلوك: هيئة تاريخيا ارتبطت بمقاومة الاستبداد، أصبحت تبدو حريصة على عدم إغضاب السلطة أكثر من حرصها على فرض ميزان قوة دفاعا عن المهنة والحريات.
ولعل ما عمّق هذا الانطباع أكثر هو التباين بين خطاب مزيو في بداية عهد قيس سعيّد وخطابه لاحقا. ففي جانفي 2023، كان العميد يتحدث بلهجة أكثر حدّة، رافضا ”ضرب الحقوق والحريات واستقلال القضاء“، ومؤكدا أن المحاماة ”لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام الاستبداد“. لكن مع مرور الوقت، بدا أن الهيئة انتقلت تدريجيا من موقع المواجهة الرمزية إلى موقع إدارة الأزمة بأقل قدر ممكن من الصدام.
هذا التحوّل خلق انقساما داخليا صامتا داخل القطاع: بين من رأى أن الظرف السياسي يفرض الواقعية وتجنّب كسر كامل مع السلطة، وبين من اعتبر أن المهادنة نفسها ساهمت في تشجيع السلطة على الذهاب أبعد في تطويق المحاماة والقضاء والمجال الحقوقي عموما.

من الغضب الصامت إلى ”التصويت العقابي“: بوبكر بالثابت عميدا للمحامين
لم يكن فوز بوبكر بالثابت بعمادة المحامين في سبتمبر 2025 مجرد تداول عادي على قيادة الهيئة، بل بدا أقرب إلى ”تصويت عقابي“ ضد مرحلة كاملة شعر خلالها قطاع واسع من المحامين بأن هيئتهم فقدت تدريجيا دورها التاريخي كجسم صدامي ومدافع عن الحريات.
فمنذ اقتحام البوليس المهين لدار المحاماة، بدأ يتشكّل داخل المحاماة مزاج انتخابي جديد. لم يعد النقاش يدور فقط حول الملفات المهنية أو صندوق التقاعد أو أوضاع المحاكم، بل حول سؤال أعمق: هل ما تزال الهيئة قادرة على لعب دورها التاريخي كجسم مقاوم، أم تحوّلت إلى مؤسسة تبحث فقط عن التعايش مع السلطة؟
في هذا السياق، ظهر بوبكر بالثابت كمرشح يعبّر عن رغبة جزء واسع من المحامين في استعادة ”هيبة المحاماة“. لم يقدّم نفسه كمعارض سياسي مباشر، بل كصوت يريد إعادة الهيئة إلى تقاليدها القديمة في الدفاع الصريح عن استقلال القضاء وحق الدفاع عن الحقوق والحريات العامة.
وعندما جرت الانتخابات يوم 13 سبتمبر 2025، بدا واضحا أن الجسم المهني يريد إحداث قطيعة مع المرحلة السابقة. فقد شهد الاقتراع مشاركة قياسية تجاوزت أربعة آلاف محامية ومحام، في واحدة من أكثر انتخابات الهيئة تعبئة منذ سنوات.
وفاز بوبكر بالثابت من الدور الأول بنسبة قاربت 57 بالمائة من الأصوات، بعدما حصد 2193 صوتا، متقدما بفارق كبير عن أقرب منافسيه محمد محجوب محجوب الذي حصل على 498 صوتا، ومحمد حدفي بـ422 صوتا.
لغة بالثابت بدت مختلفة عن سلفه. فبينما كان مزيو يميل إلى خطاب مؤسساتي حذر، استخدم العميد الجديد مفردات أكثر حدّة: ”التغوّل“، ”استهداف حق الدفاع“، ”انتهاك المحاكمة العادلة“، وهي لغة أعادت إلى جزء من المحامين صورة الهيئة كجسم قادر على التصدي لانتهاكات السلطة لا مجرد مسايرتها خوفا من غضب القصر.
ولم يكن عبثا أن تصبح أولى خطواته الرمزية فتح باب المحاماة أمام القضاة المعفيين، في خطوة اعتُبرت رسالة سياسية وقانونية واضحة مفادها أن الهيئة تريد العودة إلى موقع الدفاع عن استقلال القضاء في مواجهة السلطة التنفيذية.
تحركات المحامين من أجل الحق في المحاكمة العادلة واحترام حق الدفاع تعود إلى واجهة الأحداث بعد دعوة الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين ليوم غضب احتجاجا على تردي الأوضاع في المحاكم وسوء تسيير مرفق العدالة من قبل وزارة العدل وانتهاك حق الدفاع ومقومات المحاكمة العادلة. رفع المحامون شعارات ضد “قضاء التعليمات” وضد ممارسات “دولة البوليس”، بالإضافة إلى المطالبة بالحرية للمحاميين الموقوفين على خلفية نيابتهم في قضايا سياسية أو على خلفية اراءهم ومواقفهم السياسية. تحرك جديد وسط استعداد من هياكل المحاماة لتصعيد احتجاجهم ما لم تستجب الوزارة لمطالبهم.
المحاكم تتحوّل إلى فضاء للتوتر السياسي
في تونس اليوم، لم تعد المحكمة مجرد فضاء قضائي بحت. لقد أصبحت امتدادا مباشرا للاحتقان السياسي العام. ولهذا السبب تحديدا، تبدو معركة المحامين شديدة الحساسية.
خلال الأشهر الأخيرة، صعّدت الهيئة الوطنية للمحامين لهجتها بشكل غير مسبوق. ففي فيفري 2026، نظم المحامون وقفة احتجاجية أمام قصر العدالة بالعاصمة للمطالبة باحترام حق الدفاع وفتح حوار مع وزارة العدل. وخلال التحرك، قال عميد المحامين بوبكر بالثابت إن ”الوضع لم يعد يحتمل الإرجاء“.
الأزمة انفجرت أكثر مع قضية العميد السابق شوقي الطبيب في أفريل 2026. فقد اعتبرت هيئة المحامين أن إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حقه تم دون احترام كامل لحقوق الدفاع، وأكد العميد بوبكر بالثابت أن قاضي التحقيق أصدر البطاقة ”قبل سماعه“.
بالنسبة إلى المحامين، لم تكن القضية تخص شوقي الطبيب كشخص فقط، بل كانت مرتبطة برمز من رموز المهنة ومن الشخصيات المرتبطة بملف مكافحة الفساد بعد الثورة. لذلك تحولت القضية إلى لحظة تعبئة واسعة داخل القطاع.
الإضراب العام والطعن في المؤتمر: معركة الشرعية
بلغ التصعيد ذروته خلال الجلسة العامة الاستثنائية للمحامين يوم 1 ماي 2026، حيث أقرت الهيئة الوطنية للمحامين إضرابا عاما وطنيا بيوم واحد مرفوقا بمسيرة وطنية، مع تفويض مجلس الهيئة لاتخاذ خطوات تصعيدية قد تصل إلى الإضراب المفتوح.
لكن بعد أيام فقط، وفي 11 ماي 2026، أعلن الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس الطعن في إجراءات انعقاد الجلسة، معتبرا أن النصاب القانوني لم يكن متوفرا وفق الفصل 54 من مرسوم المحاماة.
بالنسبة إلى كثير من المحامين، لم يكن الطعن مجرد جدل إجرائي حول النصاب، بل محاولة مباشرة لنزع الشرعية عن قرارات الهيئة وضرب موجة التصعيد التي يقودها بوبكر بالثابت. فالسلطة، في نظرهم، لم تعد تواجه الأجسام الوسيطة بالقوة فقط، بل عبر القانون نفسه: الطعون، والإجراءات، والإرباك القضائي، ومحاولة تطويق كل فضاء قادر على التنظيم والتعبئة.
وهكذا تتحول المعركة تدريجيا من خلاف مهني إلى صراع أعمق حول من يملك حق تعريف العدالة وحدود القانون داخل تونس ما بعد 25 جويلية.
انطلقت سلسلة التحركات التي أقرتها الهيئة الوطنية للمحامين إثر اللائحة العامة الاستثنائية المنعقدة مطلع ماي 2026، والتي اعتبرت أن أوضاع مرفق العدالة بلغت مرحلة تستوجب التصعيد. وفي 19 ماي انطلقت أولى المحطات بإضراب جهوي شمل فروع تونس الكبرى ونابل وزغوان، تخللته وقفة احتجاجية بالمحكمة الابتدائية بتونس رفع خلالها المحامون شعارات تندد بما اعتبروه تراجعا للضمانات القضائية وتجاهلا لمطالب المهنة. كما كان مقررا توسعت الحركة يوم 21 ماي لتشمل فروع بنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة، قبل أن تنتقل يوم 25 ماي إلى صفاقس وقفصة وتوزر وسيدي بوزيد، في خطوة أكدت أن الاحتجاج لم يعد محصورا في العاصمة أو الساحل بل امتد إلى الجهات الداخلية. وتواصل المسار يوم 1 جوان بإضراب محامي مدنين وقابس وقبلي وتطاوين، ثم يوم 8 جوان بإضراب فروع سوسة والمنستير والمهدية والقيروان والقصرين، لتشمل التعبئة كامل البلاد تقريبا.
وخلال هذه الفترة أقرت الهيئة مواصلة حمل الشارة الحمراء داخل المحاكم كرمز احتجاجي دائم، وفي 10 جوان أعلنت الهيئة تتويج هذا المسار بإضراب عام وطني يوم 18 جوان 2026 بكافة محاكم الجمهورية مع تجمع مركزي بقصر العدالة بتونس، مؤكدة أن التصعيد جاء بعد أشهر من المراسلات والمقترحات الإصلاحية التي لم تلق أي تجاوب من السلطات. وهكذا تحولت التحركات من سلسلة إضرابات جهوية متفرقة إلى حملة وطنية موحدة قدمت فيها المحاماة نفسها ليس فقط كمدافع عن مصالحها المهنية، بل أيضاً كصوت يحتج على ما تعتبره أزمة أعمق تمس منظومة العدالة برمتها.
السلطة تعادي المجتمع المدني
تاريخيا، لا تسقط الديمقراطيات فقط عندما تُقمع المعارضة، بل أيضا عندما تنهار الأجسام الوسيطة التي تنظّم المجتمع وتمنع تحوّل الدولة إلى سلطة منفردة بالكامل.
في تونس اليوم، يبدو المسار واضحا: الأحزاب تُهمّش، والجمعيات تُحاصر، والنقابات تُستنزف، والإعلام يُروّض تدريجيا، والآن تدخل المحاماة بدورها في مواجهة مفتوحة مع السلطة.
وفي كل مرة، يُقدَّم الأمر باعتباره صراعا مع ”لوبيات“ أو ”فاسدين“ أو ”معطّلين“. لكن النتيجة النهائية تبدو واحدة: تفكيك كل البنى القادرة على خلق توازن داخل المجال العام. لهذا لا تبدو أزمة المحامين مجرد حدث عابر. إنها جزء من تحوّل أعمق تعيشه تونس منذ سنوات، حيث يجري الانتقال تدريجيا من دولة تحكمها التوازنات والمؤسسات، مهما كانت هشاشتها، إلى سلطة أكثر فردانية وأقل احتمالا للاعتراض.
فالمعركة التي يخوضها المحامون لم تعد تتعلق فقط بالأتعاب أو ظروف العمل أو حتى استقلالية المهنة. إنها معركة حول ما إذا كان القانون سيبقى فضاء لحماية الحقوق، أم سيتحول تدريجيا إلى أداة ضمن موازين القوة السياسية.
ولهذا السبب، تبدو السلطة منزعجة من المحامين، ليس لأنهم الأقوى، بل لأنهم يذكّرونها بشيء تحاول تونس الجديدة التخلّص منه تدريجيا: فكرة أن الدولة ليست فوق القانون، وأن العدالة ليست مجرد جهاز إداري، وأن حق الدفاع ليس تفصيلا يمكن تجاوزه عندما تصبح السياسة أكثر توتّرا.
في النهاية، قد ينجح المحامون أو يفشلون في فرض مطالبهم. قد تتوسع المعركة أو تنحسر. لكن المؤكد أن مرفق العدالة يعيش إحدى أحلك فتراته وأن القضية لا تعني المحامين وهيأتهم فقط، بل تعني وطنا بأسره يراقب الانهيار ولا يقوى على المواجهة. فالسلطة المتشنجة نجحت في صناعة ألدّ خصومها بمراكمة الظلم والعبث في مرحلة أصبح فيها الاحتجاج والنقد مؤامرة تقود إلى غياهب السجون، تحت تصفيق جحافل الحسابات الوهمية التي تحاول تخويف الرأي العام وبث الرعب فيه.








iThere are no comments
Add yours