زياد الهاني لا يمثل حالة خاصة، بل هو جزء من عشرات الصحفيين والنقابيين والنشطاء والمحامين الذين اعتقلوا على خلفية آراء ومواقف صرحوا بها، ومن مئات المواطنين الذين يُحالون على المحاكم بسبب تدوينات، هو ضحية أخرى من ضحايا سياسة زجرية قمعية تتبناها السلطة لمواجهة حرية الرأي والتعبير. وشاهد على مخطط سلطوي ممنهج لتفكيك المشهد الإعلامي والقضاء على كل رأي مخالف وفرض إعلام مطبل للسلطة لا علاقة له بمشاغل المواطن اليومية.
أوقف الصحفي زياد الهاني موفى أفريل الماضي بعد أن وُجهت له تهمة ”الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات“، وذلك على خلفية مداخلة قدمها في ملتقى أكاديمي تعليقا على أحكام سجنية تم نقضها بعد سنوات في حق الصحفي خليفة القاسمي الذي قضى 6 أشهر في السجن ظلما عقابا على أداء مهنته قبل أن ينال براءته وفي حق ضابط حرس وطني أمده بالمعلومة، توفي داخل السجن قبل نقض الحكم. وكانت المحكمة الابتدائية بتونس قد قضت في 7 ماي 2026 بسجن زياد الهاني لمدة سنة بمقتضى الفصل 86 من مجلة الاتصالات الصادرة في عهد بن علي، في قضية أثارت موجة محلية ودولية من التضامن مع الهاني ومع الصحفيين والنشطاء والسياسيين والنقابيين الموقوفين على خلفية آرائهم ومواقفهم من السلطة.

المرسوم 54 ومجلة الاتصالات: أسلحة القمع
بالعودة إلى تفاصيل القضية نجد أن التصريح الذي حُوكم بسببه زياد الهاني يأتي في سياق تقديمه مداخلة في ملتقى أكاديمي بالجامعة التونسية، حيث كانت تُضمن الحريات الأكاديمية في تونس حتى في أحلك عهود الاستبداد الماضي. تحدث الهاني في هذه المداخلة عن المظلمة التي تعرض لها الصحفي بإذاعة موزاييك خليفة القاسمي، وعن الحكم بالسجن خمس سنوات في حقه بسبب إذاعته خبرا يتعلق بعملية لفرقة مختصة في مكافحة الإرهاب بعد انتهاء العملية، وأيضا بسبب تمسكه بحماية مصدره وفقا للمعايير المهنية ولما ينص عليه المرسوم 115 المنظم للعمل الصحفي، وهو ما كلفه السجن اضافة إلى الضابط بالحرس الوطني مصدر الخبر، الأنكى من ذلك أن الضابط توفي داخل سجنه حزنا جراء الظلم الذي تعرض له قبل أن يحكم له بالبراءة في آخر أطوار القضية. قضية اعتبرها الهاني جريمة باعتبار أن محاكمة الصحفي لا تستقيم خارج المرسوم 115، ولأنه من الاجحاف والاجرام الحكم بالسجن على صحفي وضابط بسبب نشر خبر حول عملية أمنية بعد انتهائها و أن يتسبب هذا المسار الغريب في وفاة مظلوم قهرا جراء الإحساس بالظلم الصارخ. كشف زياد الهاني لهذه المعطيات تسبب في سجنه بمقتضى مجلة الاتصالات، لا المرسوم 115 رغم أن القضية قضية رأي ونشر.
أثناء محاكمته، لم يدافع الهاني عن نفسه فقط بل جدد تضامنه مع عائلة الضابط الذي توفي في السجن، حيث خاطب زياد الهاني رئيس الجلسة بالقول إن ”خلفية هذه القضية أنني لامست على ما يبدو خطًا أحمر، لقد تحدثتُ عن جريمة دولة في حق ضابط في الحرس الوطني مات قهرًا في السجن من الظلم الذي تسلط عليه. هم يريدون إغلاق الملف لكي لا يتكلم عنه أي شخص لكن أنا أتكلم من منطلق مسؤوليتي الأخلاقية“.

من جهتها وصفت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين مجلة الاتصالات، والفصل 86 منها والذي حُوكم بمقتضاه زياد الهاني، بأنه نص قانوني زجري يعود إلى فترة الاستبداد السابق، في قضية تتصل مباشرة بحرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي بما يمثل استهدافا خطيرا لحرية الصحافة ومحاولة تجريم التعبير عن الرأي. وتؤكد النقابة أن ”مواصلة توظيف النصوص الزجرية لمحاكمة الصحفيين خارج إطار المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، يمثل انحرافا خطيرا بالقانون وتوظيفا تعسفيا للقضاء في سياق سياسة ممنهجة تستهدف الأصوات الحرة والآراء النقدية“.
عُرف زياد الهاني بتبنيه لقضية محاكمة الصحفيين وفقا للمرسوم 115 ورفض الخضوع لفصول قانونية زجرية، وبعد إيقافه بأيام دخل في إضراب عن الطعام رفضا لمحاكمته وفقا للفصل 86 من مجلة الاتصالات وللمطالبة بتطبيق المرسوم 115 المتعلق بحرية الصحافة. وقال أثناء محاكمته ”أرفض محاكمات الرأي، الصمت خيانة لشرف الكلمة“. وهو ما يعبر عن رفضه الاعتراف بشرعية محاكمة المواطنين، لا فقط الصحفيين، خارج المرسوم 115 إذا تعلق الأمر بتصريحات ومقالات وآراء، وأن المحاكم ليست مكانا لمحاكمة الآراء والأفكار والمواقف. لكن الواقع الذي تعيشه حرية الصحافة والتعبير منذ خمس سنوات يؤكد أن السلطة تتبع سياسة ممنهجة وواضحة لاستعمال قوانين ومراسيم زجرية وعقوبات سجنية في قضايا الرأي والسياسة، مما أدى إلى ارتفاع وتيرة محاكمات الرأي والأحكام السالبة للحرية حتى تراجع تصنيف تونس إلى المرتبة 137 دوليا في مجال حرية الصحافة والتعبير، لسنا بحاجة إلى تعداد القضايا والأمثلة على هذه السياسة وتأثيراتها السلبية على المناخ العام وعلى صورة البلاد، فلا يُنكر ذلك إلا من تعوّد التطبيل للاستبداد.
قضايا كيدية لخنق الرأي المخالف
تفيد ثريا الزواري بأن زوجها زياد الهاني ”يعلم أن أبواب السجون مفتوحة أمام كل من يعبر عن رأيه وينتقد النظام ورغم ذلك تمسك بحقه في حرية التعبير والرأي“، وأوضحت أن خلفيات القضية لا تتعلق فقط بالمداخلة التي قدمها في حرم الجامعة التونسية بل أيضا بقضية تجاوز السلطة التي رفعها زياد الهاني ضد رئيس الجمهورية قيس سعيد حيث قررت السلطة معاقبته بالسجن على تجرؤه على مقاضاة رئيس الجمهورية كما عاقبت غيره من الذين مارسوا حقهم في المعارضة والتعبير عن الرأي حسب قولها.
تعتبر ثريا الزواري أن زياد يدفع ثمن معارضته للانقلاب منذ 25 جويلية 2021 وثمن دفاعه عن قيم الجمهورية والديمقراطية والإعلام الحر والمستقل، كما أنها لم تستغرب سياسة إلحاق قضايا جديدة بعد القضية الأولى التي أُحيل فيها على الفصل 86 من مجلة الاتصالات باعتبار أن ”عدد من الموقوفين على ذمة قضايا رأي أضيفت لهم قضايا أخرى مالية أو تتعلق بشبهات فساد أو غسل أموال على غرار مراد الزغيدي وبرهان بسيس وجميعها قضايا كيدية يراد منها تشويه صورة سجناء الرأي أمام الرأي العام، والا لماذا لم تُثر هذه القضايا الكيدية منذ البداية؟؟ هل هي مصادفة أن يُعتقل صحفي أو معارض على خلفية رأي ثم تُلحق به قضايا أخرى؟“.
أمام التراجع الشديد للحريات الصحفية في تونس والحريات العامة اجمالا وفتح أبواب السجون في وجه أصحاب الرأي، برزت تجارب اعلامية خاصة سرعان ما تم قبرها بعد ضغوطات من السلطة. في هذا السياق التقت نواة الصحفي زياد الهاني لتقييم أوضاع القطاع الصحفي والوقوف عند آخر تجاربه الإعلامية.
وهنا نُذكر بأنه قبل إيقافه بأيام، قدم زياد الهاني قضية ضد رئيس الجمهورية قيس سعيد في تجاوز السلطة لدى المحكمة الإدارية، حيث أكد أنه طالب المحكمة بإلزام رئيس الجمهورية بتشكيل المحكمة الدستورية وتفعيل المجلس الأعلى للقضاء والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري. وبعد إيقافه صدرت في حقه بطاقة ايداع أخرى على ذمة قضية بلدية قرطاج والتي يُحال فيها الهاني على خلفية تسوية وضعية عقار أثناء عضويته النيابة الخصوصية بقرطاج، حيث يواجه تهمة استغلال موظف عمومي لصفته لتحقيق فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره. وهنا يعتقد المحامي فادي سنان أن ”قضية تجاوز السلطة ضد رئيس الجمهورية هي السبب الحقيقي وراء إيقاف منوبه زياد الهاني، وأن تحريك قضية بلدية قرطاج أو مداخلة كلية العلوم القانونية لا تعدو كونها تعلات لإيقافه، نحن نعلم أن زياد الهاني موقوف بسبب آرائه التي لا تعجب السلطة“.

خطة ممنهجة لمصادرة حرية الرأي والتعبير
يصبح الحديث عن حرية الصحافة والتعبير أمرا سرياليا في هذه الحالة من القمع والترهيب وسياسة المحاكمات الجائرة، خاصة وأن نظام قيس سعيد اتبع مخططا محكما منذ انفراده بالسلطة في 25 جويلية 2021 يقوم على محاصرة الإعلام تدريجيا تمهيدا لتدجينه، بدأ منذ امتناع التلفزة التونسية عن استضافة ممثلين عن المعارضة وإصدار المنشور عدد 19 الذي يمنع الصحفيين والمواطنين من حقهم في النفاذ إلى المعلومة، مرورا بتعيين موالين للسلطة على رأس مؤسسات الإعلام العمومي بهدف تحويلها إلى أبواق دعاية وتطبيل ومحاصرة الإعلام الخاص بالقضايا والترهيب حتى تركيعه وضمان انخراطه في ركاب السلطة، وصولا إلى إصدار المرسوم 54 سنة 2022 والذي كان ركيزة أساسية لمختلف قضايا الرأي التي حوكم ويُحاكم بمقتضاه مئات المواطنات وَالمواطنين منهم أهل الصحافة والسياسة والمجتمع المدني بعقوبات سجنية مشددة.
ولضمان مشهد إعلامي قائم على التعتيم والرأي الواحد والبروباغندا، همشت السلطة دور الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري تدريجيا إلى حين إنهاء وجودها، ونتيجة لتصفية الهايكا انتهت منظومة التعديل السمعي البصري التي كانت تضمن حدا أدنى من التعددية واحترام الآراء المخالفة وحماية للمشاهد من جشع الإشهار والخطاب العنيف والمسيء، وانفردت السلطة بالإعلام العمومي والخاص عبر الترهيب وكان المرسوم 54 جاهزا لإسكات صوت أي منبر لا ينخرط في مسار التطبيل. بعد إصدار المرسوم 54 سيء الذكر تصدرت المحاكمات السياسية ومحاكمات الرأي عناوين الاخبار المحلية والعالمية في تونس وأصبحنا نسمع يوميا عن صحفي أو نقابي أو محام أو ناشط سياسي أو مدون يُحال على هذا المرسوم وتحديدا على الفصل 24 منه والذي ينص على السجن بخمس سنوات لكل من يتعمد نشر أخبار زائفة، وبطبيعة الحال طُبق المرسوم على تصريحات لا علاقة لها بالاخبار الزائفة بل بآراء ومواقف وأخبار دقيقة، على غرار قضية هيثم المكي، التي سنتناولها بدقة وتفصيل، وقضية مراد الزغيدي وسنية الدهماني وبرهان بسيس حيث صدرت في حقهم أحكام سجنية والحال أن الأمر لا يتعلق البتة بأي خبر زائف. هذا المناخ من الترهيب والمحاكمات والسجون جعل من ممارسة المهنة في تونس مسألة شبه مستحيلة، وتزايدت حالات الصنصرة والرقابة في وسائل الإعلام العمومية وعادت ظاهرة الرقابة الذاتية. وحتى وسائل الإعلام الجمعياتية، التي تتمتع باستقلالية عن السلطة السياسية وسلطة رأس المال، كان لها نصيب من التضييقات تمثل في الهرسلة عبر القضايا والأبحاث والاستدعاءات إلى فرق البحث وقضايا كيدية في حق القائمين عليها بهدف الترهيب، وخاصة تعليق نشاط البعض منها على غرار نواة وانكيفادا.
مقاومة إعلامية لمنظومة التطبيل والتعتيم
وسط هذا الواقع الذي يهرب فيه الرئيس والوزراء من الحوارات الصحفية الجادة، وتُصادر سلطة الأمر الواقع الحق في المعلومة، وتلقي في السجن بكل صوت يتجرّأ على رفض دوامة الرداءة والعبث، يزيد كل يوم انضمام أصوات وأقلام جديدة إلى المقاومة الاعلامية، بعد ان اقتنعت بأن السيل قد تجاوز الزبى وأن الرداءة تكاد تأتي على البلاد بما فيها. أقلام وأصوات بشرية تملك قلبا وعقلا، لا حسابات وهمية تديرها روبوتات أو بلطجية أسال عبث الاستبداد لعابها. عقول سئمت خطابات التحريض والتخوين والحقد العنصري، عقول علّمها التاريخ أن الإفلات من العقاب غير دائم وأن كل استبداد مهما ظن نفسه عملاقا يبقى برجلين من صلصال.
محاكمة أخرى، الخميس 30 أفريل، يواجهها الصحفي زياد الهاني بعد إيقافه يوم الجمعة الماضي على خلفية تصريحات وتدوينات. عدد من الصحفيين والنشطاء رفعوا أمام المحكمة الابتدائية بباب بنات شعارات تطالب بالحرية لزياد الهاني وتندد بمحاكمات الرأي. فريق الدفاع تمسك ببراءة الهاني وطالب بالافراج عنه خاصة وأنه مُحال على الفصل 86 من مجلة الاتصالات في حين أن محاكمات الصحفيين يجب أن تتم وفقا للمرسوم 115، وأن هذه المحاكمة هدفها إسكات صوت زياد الهاني الناقد للسلطة.
مقاومة إعلامية تؤرق الظالم ومن تزلف له، كانت قبل سنوات خيارا لقلة رفضت وترفض الانبطاح للتلسط فصارت قناعة جماعية تنير طريق الانعتاق في وجه مساعي تأبيد الظلام. الشارع هو الآخر لم يرم المنديل ولم يترك المساحة للتهريج والتملق، بل عاد للتعبير والتحرك بقوة في مسيرات عبرت عن روح مقاومة ترفض الخضوع لسياسة القمع والسجون، وآخرها التحرك بمناسبة عيد الجمهورية، تحرك حاشد غاضب أثبت أن المواطن يهتم بحريته في التعبير بقدر اهتمامه بمعيشته وغلاء الأسعار واختناق المناخ الاقتصادي. حراك وإصرار على تحدي العبث، بمختلف أشكال التعبير من مظاهرات وأعمال فنية واقعيا أو إلكترونيا، يظهر الجدوى من المقاومة الاعلامية وقدرتها رغم قلة الامكانيات على مقارعة الاستبداد ودفعه إلى التراجع، كلما زاد التفاف المواطنين حولها.




iThere are no comments
Add yours