essebsi-taghawol

بقلم محمد المحسن*،

أيام قلائل تفصلنا عن الإنتخابات الرئاسية التي ستجري بتونس لأوّل مرّة في إطار التنافس الديمقراطي وفي كنف النزاهة و الشفافية، وذلك بعد عقود من الزمن أوغلت فيها بلادنا(تونس) في الدياجير ونالت خلالها الدكتاتورية العمياء من الشعب إلى نخاع العظم.

ومن هنا، سيجد الناخب التونسي نفسه مجددا يوم 23 من الشهر الحالي في خلوته لاختيار رئيس جديد من بين 27 مرشحا رغم انسحاب البعض.

ولئن احتدم النقاش داخل الأوساط السياسية والإجتماعية حول الشخصية التي ستلج -قدماها- عتبة قصر قرطاج كرئيس للبلاد، فإنّ التوقعات ترجّح كفّة الباجي قايد السبسي الذي فاز حزبه (حزب حركة نداء تونس) في الإنتخابات التشريعية بأغلبية مريحة، مما أهله بحكم حصوله على هذه الأغلبية النسبية من مقاعد مجلس النواب (86 مقعدا) ليكون القوة السياسية الأولى في تونس. هذا في الوقت الذي يتواصل فيه الإختلاف حول الشخصية الثانية التي من المتوقّع أن “تفتك” كرسي الرئاسة من “سي الباجي” وإن كان الإسم الأكثر حضورا هنا هو الرئيس الحالي المنصف المرزوقي.

ومهما كانت النتائج التي ستفرزها صناديق الإقتراع بخصوص رئيس الجمهورية المرتقب، فإنّ الأسئلة التي تنبت على حواشي الواقع في خضم المخاوف التي تنتاب الكثير منا من”مصطلح التغوّل” الذي غدا متداولا بشدة خلال هذه الحملة الإنتخابية الرئاسية:

هل سيتكرّس مصطلح “التغوّل” الذي طغى على المشهد السياسي مؤخرا، وأقضّ مضجع العديد من الأحزاب السياسية وسبّب لنا كتونسيين الكثير من الأرق، الحيرة والإحباط. إن فاز زعيم حزب نداء تونس، مما يعني وفقا لما يراه الكثير من المحللين و المهتمين بالشأن السياسي التونسي العودة إلى المربّع الأوّل حيث سيتمظهر الإستبداد بشكل آخر. بعد أن يمسك”سي الباجي” بمقاليد الحكم :حزب نداء تونس يشكّل الحكومة. وزعيمه يرأس البلاد؟

ولكن أليس هذه الحزب محكوما بضرورة التآلف مع غيره لتشكيل الحكومة، حيث يتعذّر عليه الإستفراد بالحكم فضلا عن أنه هو نفسه كرّر أكثر من مرة بأنه سيتشاور مع الجميع ولا يعتزم إقصاء أحد؟

  أليس الشعب التونسي العظيم هو صمام الأمان الوحيد لاستمرار هذه الديمقراطية خصوصا وأنّه نفض من على جفونه غبار الجمود والإستكانة بعد أن أوغل ليله في الدياجير، وبدأ يسير بخطى حثيثة صوب الديمقراطية المبتغاة، ولن يتوقّف عن المسير بعد أن خلخل حسابات المنطق وجسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخدّر والمستلب، وأضحى واقعا حيا ممهورا بالدّم وصنع تبعا لكل التداعيات إشراقات ثورية قدر الطاغية فيها الهزيمة والهروب؟

وبسؤال مغاير أقول: ألم يحدّد الدستور التونسي الجديد صلاحيات رئيس الدولة، حيث لم يمنحه صلاحيات واسعة ومن ثم أصبح مركز الثقل عند رئيس الحكومة، وهذا يعني -أوّلا وأخيرا- أنّ التفاهم بين رئيسي الدولة والحكومة أمر لا مفر منه مما يحول دون تكريس -خطاب التغوّل- ويدفع بالتالي في اتجاه التعامل السلس بين -مؤسسة الرئاسة والحكومة- تحت الأنظار الثاقبة لنواب الشعب المنتخبين، وهذا من شأنه أن يجنّب البلاد والعباد الكثير من المخاوف التي -كما أسلفنا- أربكت المشهد السياسي التونسي، وكادت أن تنحرف بالمسار الديمقراطي عن النهج الذي رسمه الشهداء باللون الأحمر القرمزي؟

سؤال آخر-لجوج- أراه جديرا بالطرح والتفكير:

ما الذي دفع برئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي والقيادي في حركة النهضة إلى الإدلاء بدلوه تبعا للنقاشات والسجالات الدائرة حاليا في تونس بين المرشحين والأحزاب والمحللين، وذلك عبر بيان إلى الرأي العام دعا فيه إلى “انتخاب رئيس للجمهورية من حزب آخر غير الحزب الأغلبي في مجلس نواب الشعب، رئيس خَبرنا نضاله في العسرة ضد الاستبداد والفساد، ديمقراطي فكرا وممارسة”؟

ألم تختر حركة النهضة دور المتفرّج في حدث الإنتخابات الرئاسية، حيث صرّحت رسميا بأنّها قرّرت عدم دعم أي من المرشحين للانتخابات الرئاسية في تونس؟ ولكن.

أليس قرار مجلس شورى حركة النهضة، عدم الدعم واختيار الحياد هو فقط الموقف الرسمي للحركة والإشكال يكمن في أن قواعد حركة النهضة ضد”حزب حركة نداء تونس” كتركيبة وكوجود سياسي؟ 

ما أريد أن أقول: أردت القول أنّ ثورة الكرامة بمعناها النبيل لدى شعب أوغل ليله في الظلم الظلام، تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام والنوايا، إنّما هي فعلُ وجود يصرخ أمام كل العالم بأنّ القهر غير مقبول وبأنّ الحرية والعدالة مبدآن لا يمكن التخلي عنهما مهما كان الثمن باهضا.

ومن هنا، ستظل ثورتنا المجيدة ثابتة ثبوت الرواسي أما العواصف، سيما وأنّ شعبنا العظيم بكافة جمعياته ونقاباته وقواه الحية، استبسل في الدفاع عن مبادئ ثورته وبرهن أثناء -اعتصام الرحيل- وخلال معركة كتابة الدستور على نضجه ووعيه وقدرته على مواصلة النضال -دون كلل أو ملل- كلما استشعر مخاطر تحدّق بأيقونته الثمينة:الثورة التونسية.

.وأرجو أن تصل رسالتي إلى عنوانها الصحيح.

* محمد المحسن (كاتب صحفي وعضو بإتحاد الكتاب التونسيين)