justice-police-tunisie

بقلم أحمد القادري،

تعيش تونس منذ اعتداءات الرابع و العشرين من نوفمبر الماضي على وقع حالة الطوارئ التي أقرها الرئيس التونسي، و بعد مرور شهر تقريبا، بدأت الانتقادات تطال هذا الوضع الذي بات يقيد يوما بعد يوم الحريات العامة للتونسيين.

فبعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي في شارع محمد الخامس الشهر الماضي، انتشرت قوات الأمن بجميع أنواعها في جل شوارع العاصمة وأزقتها، ومن هناك، انطلق مسلسل انتهاك الحقوق و تقويض الحريات من طرف موظفي الدولة باسم محاربة الإرهاب، حيث تم تعنيف الصحفيين الذين قدموا إلى شارع مجمد الخامس لتغطية الحدث و تم حجز وتهشيم آلات تصويرهم في انتهاك خطير لحرية الصحافة و للفصلين 31 و 32 من الدستور و بالرغم من ذلك فان المخالفين لم تقع محاسبتهم أو مسائلتهم إلى حين كتابة هذه السطور.

منذ ذلك اليوم زاد هاجس التونسيين من عودة الاستبداد و الممارسات القمعية التي تعود البوليس ممارستها في العهد البائد.

ومع تكثيف الحملات الأمنية والدوريات، أصبح المواطن التونسي يحس بعدم الأمان من أعوان وكّلتهم الدولة لحمايته والسهر على أمنه لا لترهيبه ولسلبه مواطنته وأبسط حقوقه المدنية.

يبدو أننا توهمنا بوضع دستور جديد يضمن الحد الأدنى من الحريات ويقطع مع العهد البائد وممارساته. لكن، وبعد سنة من إعلان الدستور “الجديد”، بدأت بشائر العودة إلى دولة البوليس وقمع الحريات تطل برأسها تحت غطاء قانون الطوارئ ومحاربة الإرهاب.
إذ أصبح القانون مجرد حبر على ورق، فللبوليس سلطة الإله في تونس اليوم. فهو من ينكل ويخطف ويعتدي ويُلفّق التهم ويتجاوز القانون ثم…يفلت من العقاب بقدرة وزارة الداخلية ونقابة قوات الأمن الداخلي.

إن ما نراه اليوم من ممارسات قمعية يرتكبها البوليس يوميا وسياسة تكميم الأفواه التي تنتهجها الوزارة ونقابة قوات الأمن الداخلي هي خير دليل على أن قانون الطوارئ وقانون مكافحة الإرهاب الذي لم يفعّل بعد هدفهم الأول ليس الدواعش بل كل من يمارس حقه الشرعي في الحرية في التنقل في الاعتقاد و في المسكن.

مشهد سريالي مضحك لأنه و في المقام الأول مهمة أعوان الأمن تقتضي السهر على حماية المواطنين والحرص على ألا يتجاوز أحد القانون فأضحى هؤلاء أوّل مخالفين له ونصبوا أنفسهم فوق القانون يقومون بما يشاؤون ولا أحد له الحق في مسائلتهم أو إيقافهم عند حدودهم.

لقد أصبح التونسي اليوم في نظر السلطة بصفة عامة وأعوان الأمن بصفة خاصة عبارة عن رعية أو، وإن صحت العبارة، عن مشروع سجين، إذ قد يختلف وقت ومكان الإيقاف لكن التهم موجودة ويمكن إلصاقها لأي شخص مهما كان، فلقد ولى ذلك العهد الذي كانت فيه علاقة المواطن التونسي بمراكز الأمن تقتصر على استخراج وثائق فحسب.

القانون 52 المتعلق باستهلاك المواد المخدرة وعلى رئسها الزطلة أصبح سلاح أعوان الأمن وأداة ضغطهم على العديدين سواء لإسكاتهم أو ليبرهنوا لهم بأنهم عرضة للإيقاف في أي لحظة أو “ليفرح هؤلاء” بأمننا الجمهوري.

سلاح من بين عدة يستعمله البوليس ضد كل من يعترض سبيله وينتقد ممارساته بأي شكل من الأشكال أو حتى، ضد من يتجرأ بالمطالبة بحقوقه المنصوص عليها في القانون. 
الاعتداء على الأخلاق الحميدة، مسك واستهلاك المخدرات، السكر والتشويش في الطريق العام، هضم جانب موظف عمومي وغيرها من تهم الحق العام، أصبحت معتادة في قضايا الشباب و الطلاب خاصة.

لو عدنا بالزمن ثلاث سنوات فقط، ففي 2012 تداول عونا أمن على اغتصاب شابة تونسية أمام أنظار خطيبها، نفس الشابة تم استنطاقها لاحقا أمام القضاء بتهمة الإخلال بالأخلاق الحميدة، تهمة لُفقت لها بغرض إسكاتها وهدر حقها في تتبع مغتصبيها. وفي سنة 2014 تم إلقاء القبض على المدون عزيز عمامي مطلق حملة “حتى أنا حرقت مركز” بتهمة مسك واستهلاك مادة مخدرة وقد تم الحكم في قضيته بعدم سماع الدعوى لأن القضية وفي أقل ما يقال عنها تم تلفيقها من طرف أعوان دورية بحلق الوادي لأسباب غير معلومة، لم تكن هذه آخر التجاوزات حيث انه تم مؤخرا إلقاء القبض على عفراء بن عزة، فتاة لا يتجاوز عمرها 17 سنة، ووجهت لها تهم من قبيل إثارة الشغب والإخلال بالنظام العام في اختراق خطير لحقوق الطفل وللدستور.

تتعدد القضايا و الأسباب واحدة: تفشي الفساد في المنظومة الأمنية..

لقد أضحى المواطن التونسي اليوم عرضة لانتهاكات خطيرة من طرف أعوان الأمن على غرار الإيقاف التعسفي، تلفيق القضايا الضرب، انتهاك الحياة الخاصة و إلى غير ذلك.

و على ذكر ذلك، فإن ظاهرة افتعال قضايا الحق العام ليست وليدة الأمس بل هي ظاهرة قديمة قدم نظام بن علي وإن اختفت لفترة قصيرة بعد انتفاضة 14 جانفي فإنها عادت اليوم بعد أن تم “إعادة ترتيب البيت”. فأصبح شبابنا المبدع غالبا ما يساق إلى المحاكم كـ”مجرمي حق عام” يتهمهم النظام بالعنف والتزوير واستهلاك مخدرات والانتماء إلى عصابة مفسدين، الخ. بينما يصول و يجول الإرهابيون العائدون من سوريا بكل حرية.

و كشف تحقيق نشرته المجلة الالكترونية الفرنسية ماديابارت أن تونس سجلت أكثر من 100.000 حالة إيقاف منذ بداية السنة منهم 8000 يقبعون اليوم بمختلف السجون بسبب القانون 52 و أظهر نفس التحقيق أن ممارسة التعذيب مازالت سياسة متواصلة في مراكز الأمن ونقاط الإيقاف، فحتى بعد وفاة عديد المواطنين في مراكز الأمن بعد 14 جانفي فإن وزارة الداخلية لم تحاسب إلى اليوم المذنبين ولم تُنصف أهالي ضحايا التعذيب وبذلك فأنه لأمر طبيعي أن تواصل الشرطة ممارسات قمعية بل وأنها تستقوي بشعور الإفلات من العقاب.


الأمثلة عن ممارسات الأمن اليوم كثيرة فلنأخذ مثال بوليس في دورية : سيقوم هذا الأخير بالتفتيش عن أي إخلال بسيط لإيقافك وسيتحدث إليك بتكبر و بطريقة لا أخلاقية خاصة إن واجهت إحدى دوريات منطقة حلق الوادي أين أصبح الشباب يتجنبها دون غيرها من المناطق خاصة فالليل تجنبا لأي احتكاك مع أعوان الأمن.


لا يحترم أعوان الأمن القانون و لا حتى أبسط حقوق الإنسان، فالطرق المعتمدة أثناء مرحلتي الإيقاف والتحقيق هي طرق أقل ما يقال عنها أنها لا إنسانية ووحشية، و هنالك أكثر من سبيل لإثبات ذلك والشهادات الحية لأناس تم إيقافهم واستنطاقهم من طرف أعوان الأمن في الآونة الأخيرة كفيلة ببرهنة ذلك.

بين التونسي و البوليس حكاية طويلة، حكاية تتميز بالتوتر وبعدم اكتفاء موازين القوى بين بطلي هذه الحكاية وأن سلك هؤلاء طريق الحرية فعليهم ان يعلموا بأن طريق الحرية هو طريق طويل ومليئ بالعقبات.

في تونس اليوم، الدولة ملزمة (و هو واجبها) بأن تحمي الحريات الفردية وأن تسهر على ضمان أمن المواطنين، معادلة قد تبدو صعبة لكنها غير مستحيلة.

ويبقى السؤال المطروح : هل طالب الشباب ببوليس جمهوري أم بجمهورية بوليس ؟