habib-essid-gettyimages

مصدر الصورة: فتحي بلعيد، أ.ف.ب

بقلم محمد سميح الباجي عكاز،

مثّلت نشرة أخبار الواحدة بعد الزوال التي بُثّت يوم السبت 14 نوفمبر 2015 على القناة الوطنيّة الأولى شرارة اندلاع معركة تعدّدت أطرافها بدءا بالحكومة التي أقالت الرئيس المدير العام للتلفزة الوطنيّة مرورا باستقالة جماعيّة لمديري التلفزة الوطنيّة الأولى والثانية، وصولا إلى حرب البلاغات وإعلان وزارة العدل نيّتها تتبّع المتورّطين في إعداد وبثّ التقرير الذّي تضمّن صورة لكيس بلاستيكيّ يحوي رأس الشهيد مبروك السلطاني في ثلاّجة منزله، وفق أحكام القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 07 أوت 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال والفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية.

النقابة تستنكر والحكومة تصعّد

في مشهد مماثل لحادثة ذبح الجنود في جبل الشعانبي في 25 جويليّة 2013، عمدت التلفزة الوطنيّة خلال تغطيتها لتطوّرات الاحداث في قضيّة خطف وذبح الشاب مبروك السلطاني في منطقة جلمة من سيدي بوزيد إلى بثّ مقطع تضمّن صورة لراس الضحيّة ملفوفا في كيس بلاستيكيّة في ثلاّجة منزل عائلته، وهو ما اثار استهجان عدد من المشاهدين وردّة فعل مستنكرة لما اعتبره الكثير من المهنيّين تجاوزا خطيرا وانتهاكا لأخلاقيّات المهنة.

النقابة الوطنيّة للصحفيّين كانت أوّل المتفاعلين عبر بيان صدر عنها مساء ذات اليوم عبّرت فيه من خلاله عن اندهاشها من تكرار مثل هذه التجاوزات في التعاطي الاعلاميّ مع العمليات الارهابيّة. وقد دعت النقابة إدارة مؤسسة التلفزة التونسية الى تحمل مسؤوليتها في هذا الخطأ المهني الجسيم على حدّ تعبيرها، كما توجّهت إلى لجنة اخلاقيات المهنة التابعة للنقابة للتحقيق في المقال الصادر بالصحيفة الالكترونية “أخبار الجمهوريّة” واتخاذ الاجراءات اللازمة لتختم بدعوة كافة الصحفيين الى «التزام اليقظة تجاه المعايير الاخلاقية لممارسة المهنة واحترام الذات البشرية وحرمتها الجسدية وعدم صب الماء في طاحونة الارهاب».

ردّة الفعل الأولى من إدارة التلفزة الوطنيّة تمثّلت في إقالة حمادي الغيداوي من رئاسة تحرير قسم الأخبار وذلك إثر اجتماع عاجل عقده الرئيس المدير العام للتلفزة مصطفى باللطيف مساء يوم السبت. الاجراء الارتجالي للرئيس المدير العام لم يسعفه في معالجة الموقف، حيث عمدت الحكومة يوم الأحد 15 نوفمبر إلى إقالة هذا الأخير وتعيين رشاد يونس مشرفا على تسيير شؤون مؤسّسة التلفزة الوطنيّة بالنيابة.

صورة الكيس كقميص عثمان

في ردّة فعل متأخّرة، أصدرت الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري “الهايكا” بعد 48 ساعة من بداية الأزمة بيانا عبّرت فيه عن رفضها لقرار الحكومة بعزل الرئيس المدير العام مصطفى باللطيّف، إذ اعتبرت الهايكا أنّ قرار الإقالة تمّ دون الرجوع إليها وفق مقتضيات الفصل 19 من المرسوم 116 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بالرأي المطابق الذّي يفرض الصبغة التشاركيّة في قرارات التعيين والالتزام بنفس المسار في قرارات الإقالة. كما ذكّرت الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري أنّها هي صاحبة الاختصاص الحصري للتعهد بالاخلالات المهنيّة وفقا لما نصّه المرسوم المذكور.

وحول تقييمها لأسباب الإقالة الحقيقيّة، اعتبرت الهايكا في نفس البيان أن هذا القرار ذو طابع سياسي مرتبط بقرارات سابقة اتخذتها إدارة التلفزة التونسية دفاعا عن استقلاليتها وعدم ارتهانها لمراكز الضغط السياسي والمالي. وحذّرت في الأخير من خطورة استسهال توظيف خطاب محاربة الإرهاب واستغلاله في استراتيجيات سياسية خاصة لإفراغ المؤسسات الديمقراطية من وظائفها وتحويلها إلى مجرد هياكل شكلية شبيهة بتلك التي سادت خلال مرحلة الاستبداد. وقد لوّحت الهيئة بإمكانية اللجوء إلى القضاء «للحد من هذا التراجع الواضح على مستوى الضمانات الأساسية لحرية التعبير» بحسب ما جاء في البيان الصادر عن مجلس الهايكا.

قراءة الهيئة العليا المستقلّة للأسباب الحقيقيّة لإقالة مصطفى باللطيّف جاءت متناغمة مع عدد من ردود الفعل التّي اعتبرت قرار الحكومة سياسيّا لا علاقة له بأخلاقيات المهنة وانعكاسات الصورة على المشاهدين، حيث قدّم كلّ مدير القناة الوطنيّة الأولى إيهاب الشاوش ومدير القناة الوطنيّة الثانية شادية خذير استقالتهما في نفس اليوم معلّلين هذا القرار بتبعات القرار الحكوميّ الذّي يعطّل مسيرة الإصلاح في قطاع الإعلام ويهدّد بنسف «هامش حريّة التعبير الذّي تحقّق بعد الثورة».

النقابة الوطنيّة للصحفيّين التونسيّين أصدرت هي الأخرى بيانا ثانيا أعلنت من خلاله رفضها لمثل هذه التجاوزات التي تذكر بممارسات النظام الاستبدادي السابق. كما أكّدت وجوب احترام الهيئات الدستورية والتخلي عن القرارات الارتجالية التي تتضارب مع مسار إصلاح الإعلام العمومي. قد توجّهت النقابة الوطنيّة للصحفيّين التونسيّين إلى نواب الشعب لتحمل مسؤولياتهم في الحفاظ على حرية الرأي والتعبير وقطع الطريق على السلطة التنفيذية للاستئثار بالإعلام العموميّ وعودة صحافة التوجيهات.

صاحب الشأن مصطفى اللطيّف، لم يشذّ عن الآراء السابقة في تفسير سبب الإقالة، حيث صرّح هذا الأخير في لراديو ماد انّ إقالته تمّت بالهاتف عبر مستشار في رئاسة الحكومة، امّا عن أسباب الإقالة، فقد اعتبر الرئيس المدير العام المعزول انّ الصورة التّي تم بثّها في نشرة الاخبار لم تكن سوى ثغرة استغلّتها الحكومة لمعاقبته على رفضه سابقا الانحياز لطرف دون آخر وإصراره على استقلاليّة التلفزة العموميّة والقطع مع سياسة التعليمات. خصوصا وأنّه اتخذّ الإجراءات اللازمة عقب بثّ تلك النشرة الاخباريّة وإقالة رئيس تحرير قسم الأخبار. امّا رئيس الحكومة فقد دافع عن قراره خلال حوار أجراه على قناة الحوار التونسي مساء يوم الإثنين معتبرا الإجراء قانونيّا وضمن صلاحياته، خصوصا أنّ المرسوم 116 لا يتضمّن أيّ توضيح بخصوص إجراءات الإعفاء. وقد صرّح رئيس الحكومة حرفيّا قائلا:

لو أن هناك أي فصل قانوني يمنعني من إعفاء الرئيس المدير العام للتلفزة، فإني مستعد للتراجع عن قراري.

إرهاب الإعلاميّين بقانون مكافحة الإرهاب

قضيّة الكيس الأسود لم تتوقّف عند هذا الحدّ، إذ استمرّ التصعيد الحكوميّ عبر إعلان وزارة العدل في بيان صادر عنها يوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2015 عن بدأ التتبّع الجزائيّ للمساهمين في بثّ صورة راس الشهيد مبروك السلطاني بعد ان اذن بذلك وزير العدل بالنيابة. ولكن الخطوة الأخطر التي أقدمت عليها الوزارة تمثّلت في الاستناد إلى أحكام القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 07 أوت 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال في فصله 31 والفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية، لمعاقبة الإعلاميّين بتهم قد تصل إلى سجنهم وفق قانون ما يزال حتّى هذه الساعة يثير الكثير من الجدل نظرا لانعكاساته على حريّة التعبير والحريّات الأساسيّة.

هذا الإجراء التصعيديّ من قبل الحكومة، قابلته الهايكا بسرعة هذه المرّة، إذ سارعت بإصدار بيان نبّهت من خلاله من تبعات الخلط بين الاخلالات المتعلقة بمهنة الصحافة والقضايا المتعلقة بالجرائم الإرهابية ممّا ينعكس سلبا على مستقبل حرية الإعلام والتعبير وما قد ينجرّ عنها من تقييد حريّة الصحفيين والمسّ من دورهم الرقابي على أداء مؤسسات الدولة. كما ذكّرت بمواقفها الرافضة لتوظيف خطاب مكافحة الارهاب قصد تحقيق أهداف سياسية خاصة.

النقابة الوطنيّة للصحفيّين، كانت أعنف في ردّها على بلاغ وزارة العدل، حيث اعتبرت هذه الخطوة بمثابة إعلان حرب من حكومة الحبيب الصيد على حريّة الإعلام والحريّات العامّة والخاصّة. وقد تضمّن البيان الصادر عن النقابة أنّ مسار الأحداث يعكس خطّة انقلابيّة من قبل الحكومة بدأ بالتدخل في الاعلام العمومي والانقلاب على الهيئة الدستورية المكلفة بتعديل القطاع السمعي البصري وصولا إلى محاكمة الصحفيين بمقتضى قانون مكافحة الارهاب لإضفاء القانونية على محاكمات سياسية بحسب تعبيرها. ودعت هذه الأخيرة الصحافيّين والأحزاب ومكوّنات المجتمع المدنيّ للوقوف بحزم ضدّ المخطّطات الحكوميّة للعودة بالمسار الديمقراطيّ للمربّع الأوّل والمضيّ قدما في سياسة تكميم الأفواه ومحاصرة الحريات بذريعة الحرب على الإرهاب.

حتّى هذه اللحظة ما تزال حرب البلاغات مستمرة ومنذرة بمزيد من التصعيد، خصوصا مع البلاغ الأخير لوزارة العدل اليوم 18 نوفمبر 2015 والتي أعربت عن إصرارها المضيّ قدما في التتبّع الجزائيّ معتبرة أنّ هذا الإجراء يندرج في “سياق معرفة الحقيقة الكاملة”، كما اعتبرت الوزارة “أن عملية التكييف القانوني للوقائع وتحديد النص القانوني المنطبق عليها يبقى في نهاية الأمر من اختصاص القضاء دون سواه”. ومع تواصل هذا النسق التصعيديّ، تحوّلت المعركة بين الحكومة والهياكل النقابيّة الإعلاميّة من ضوابط الأخلاقيات المهنيّة إلى جولة جديدة من ليّ الاذرع في معركة استقلاليّة الإعلام العموميّ والمحافظة على هامش الحريّة الإعلاميّة الذّي تحقّق عقب 14 جانفي 2011 والذّي يبدو مهدّدا أكثر من أي وقف مضى بارتدادات الحرب على الإرهاب.