النتيجة كانت متوقّعة: لا يزال التونسيّ عاجزا على المستوى الاقتصادي، خاصّة أمام نخبة سياسيّة تعتبره فأر تجارب. تتجدّد نفس الوعود مع كلّ رئيس للحكومة، لكنّنا لا نرى شيئا على أرض الواقع غير تردّي الأوضاع وانعدام الأمل. في تعليق على تغيير الوزراء بصفة متواترة، قال راشد الغنّوشي رئيس حزب حركة النّهضة :”دلالة تعدّد الحكومات واضحة وهي أنّ تونس لم تصل بعد إلى الاستقرار المنشود ولا تزال ديمقراطيتها هشّة”. هذا الرّأي لا يخلو من الصّحة رغم أن صاحبه مساهم أساسيّ في عدم الاستقرار. عرفت البلاد منذ اندلاع الثّورة عديد الأحداث التي أدّت إلى تغييرات جذريّة مسّت خاصّة السّلطة التنفيذيّة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إبعاد حمادي الجبالي نتج عن اغتيال الشّهيد شكري بلعيد، ثمّ تلاه اغتيال الشّهيد محمّد البراهمي الذي أزاح علي العريض بعد مقررات الحوار الوطني، أمّا الحبيب الصّيد فسحب الثّقة منه كان على الأرجح بسبب خروجه من “بيت الطّاعة” وعدم الامتثال لإملاءات الأحزاب وأوامر قصر قرطاج.

غياب الاستقرار السّياسي أمر طبيعيّ في مرحلة انتقالية خاصّة وأن غالبيّة النّخبة السّياسية الحاليّة جديدة على السّاحة وتنقصها الخبرة، غير أنّ ذلك لا يبرّر تغيير حكومة بأكملها عند كلّ أزمة. إذ كان على الأحزاب التشبّث بحكومة واحدة مهما كانت هفواتها ومحاولة تأطيرها حتّى تتمكّن من تحقيق ولو جزء بسيط من وعودها. من المتعارف عليه في العلوم السّياسية أن السّنة الأولى من عمر أيّ حكومة هي فترة التّشخيص الذي يحدّد الوزراء من خلاله أولويّاتهم وإصلاحاتهم المرتقبة، لكنّ التركيبات المتتالية في تونس لم تسمح بالبدء في إصلاحات عميقة تحسّن الوضع وتبعث الأمل في النّفوس.

ومن المؤسف أن يكون من يربطون تعدّد الحكومات بعدم الاستقرار السّياسي هم أوّل من شاركوا في خلقه، فصراعات الطّبقة السّياسية لم تهدأ منذ هروب بن علي، صراعات يمكن وصفها بالـ”صبيانيّة السّياسية”. كلّ يريد إقصاء الآخر غير عابئ بمصير دولة صار على المحكّ. وكان الشّارع أيضا محرّكا هامّا لهذه الديناميكية السّياسية، فحكومة الغنّوشي مثلا أسقطها ضغط الشّارع عقب الثّورة. وبما أنّ الشّعب لم يكن متعوّدا على الممارسة الدّيمقراطية بحكم عيشه تحت أنظمة استبدادية لأكثر من نصف قرن، لم تخل بعض التحرّكات من الفوضى والعنف ممّا ساهم في مزيد تعقيد الوضع. كلّ هذه العوامل ساهمت في خلق الأزمة السّياسية في تونس التي تزداد حدّتها يوما بعد يوم، وهو ما انعكس سلبا على أداء السّلطة التنفيذيّة التي لا تخلو من العيوب هي الأخرى.

ارتبطت التعيينات الوزاريّة منذ الثّورة بالمحاصصات الحزبيّة عوض البرامج والأهداف. كلّ طرف سياسيّ يريد نصيبه من السّلطة وهو ما أنتج تناقضا واضحا في التركيبات المتعاقبة، إسلاميّون وعلمانيّون، “أزلام” و”ثوريّون” ينتمون إلى نفس الحكومة. والأسوأ من ذلك أنّ كلّ هذه التيّارات كانت عاجزة عن تطوير تصوّر اقتصادي ومجتمعي، ولم تكن قادرة على تحويل إيديولوجيّاتها إلى قوّة حكم. فالبرامج التي صِيغت والأهداف التي حُدّدت لم تكن إلاّ حبرا على ورق. الأحزاب لا تقوم إلا بإغراء ناخبيها وعندما تصل إلى السّلطة تعتمد منوال سابقيها، وهي تعلم أنّه لن يجدي نفعا. لم نر إلى حدّ الآن من يقوم بالإصلاحات الجذرّية ومن يقطع مع أساليب الحكم السّابقة التي كانت سببا في اندلاع الثّورة بالأساس. وما زاد الطّين بلّة هو الالتجاء إلى تغيير الأشخاص كردّة فعل عند الأزمات، وكأن من يحلّ مكانهم سيعتمد سياسات ثوريّة تعالج الأوضاع. في حين أن الإشكال يكمن في غياب البرامج وانعدام الرّؤى. إذ أن المتأمل في مختلف الحكومات و”إنجازاتها” يرى أنّها لا تشترك إلاّ في نقطتين: اختيار الأشخاص قبل وضع السّياسات، ثم الفشل.

حكومة يوسف الشّاهد الجديدة لن تكون مختلفة على الأرجح، فقد رأيناه يعيد نفس الخطاب ويلتزم بإنجاز نفس الأهداف التي سبق أن وعد ببلوغها في جلسة منح الثّقة أمام نوّاب الشّعب. أضف إلى ذلك تركيبة فريقه الهجينة التي تتميّز بالتنوع الفكري والسّياسي. فكيف لخصوم سياسيّين أن يتّفقوا بين ليلة وضحاها ويتحقّق الانسجام بينهم؟ كما أن التّحوير الحكوميّ الأخير أبرز أنّ يوسف الشّاهد مُسيّر من طرف الأحزاب الحاكمة التي تفرض عليه اختياراتها. والأكيد أنّ هذه الأحزاب لا تسعى إلاّ للتموقع استعدادا للاستحقاق الانتخابيّ القادم. من المؤكّد أن جوهر العمل السّياسي هو الوصول إلى السّلطة لكنّه يجب أن يكون مصحوبا بمشروع واضح لتحقيق النموّ الاقتصادي والاجتماعي لا أن يكون مجرّد وسيلة للتحكم والاستفادة من مؤسسات الدّولة كما هو حالنا اليوم. كلّ حزب يريد نصيب الأسد من الكعكة، وكل طرف يزداد جشعه يوما بعد يوم دون أن يدركوا أنّ للشعب انتظارات، انتخبهم لتحقيقها.

عند كلّ أزمة يسارع من يوجد في دائرة الحكم بالاستنجاد بالكفاءات الغير متحزّبة أو ما يعرف بـ”التيكنوقراط” وكأنّ لهم عصا سحريّة يُخرجون بها البلاد من الأزمة. المستقلّون يحافظون على الوضع كما هو عليه، لا يحملون ثقافة التغيير وليست لديهم رؤية إستشرافيّة للمستقبل. هم كفاءات في مجالات عدّة وعادة ما يكونون حاملين لشهائد من أكبر جامعات العالم، لكنّ ذلك لا يؤهّلهم بالضرورة للإمساك بمقود الحكم. لعلّهم يؤدّون العمل الإداريّ بنجاعة، لكنّ منصب الوزير هو منصب سياسيّ بامتياز ويتطلّب مشروعا ورغبة في تغيير الواقع المزري. وهو ما جعل كل الحكومات التي طغى عليها هؤلاء الـ”تيكنوقراط” حكومات تصريف أعمال لم ترتق إلى مستوى تطلعات التونسيّين وآمالهم. المستقلّون يفتقدون للقدرة على التّواصل مع عامّة الناس وإيصال الرّسائل والتّرويج لأفكارهم ولا يمكن لأيّ حكومة أن تصمد أمام الأزمات دون دعم سياسيّ يضمن لها الاستقرار ويسهّل عليها تحقيق الإنجازات.