مركز العطار

منعنا كسلطة عمومية من أداء مهامنا، ذهبنا في زيارة وقائية إلى مركز الإيقاف بمنطقة سيدي حسين السيجومي، قمنا بالمعاينة وتحدثنا إلى أحد الذين استقدمهم الأمن للتحري. أتممنا المعاينات الأخرى في الغرف والمكاتب في المنطقة وقد أخذت منا وقتا طويلا. عند الخروج وجدنا الشخص ذاته في الوضعية نفسها وهو قيد التحري، أرادت إحدى الزميلات الحديث إليه مرة أخرى لأنه قال لنا منذ أربع ساعات أنه يعاني من أمراض ويتناول الدواء بشكل منتظم، فتم منعنا.

التعذيب في سيدي حسين

بهذا التصريح، بدأ رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب فتحي الجراي سرده للمنع الذي تعرض له زائرو منطقة سيدي حسين، مشيرا إلى أن القانون المؤسس للهيئة ـ وهو قانون أساسي ـ يسمح لفريق الزيارة، سواء وقائية أو استقصائية، بالدخول إلى أي مركز احتفاظ أو سجن موجود في تونس دون سابق إنذار والحديث إلى الموقوفين مباشرة. “لكن رئيس منطقة الأمن بسيدي حسين أبى أن نتحدث إلى هذا الشخص. وقد أمر بعد ذلك بتحويله إلى مركز الإيقاف ببوشوشة بعد أن تحولت صفته من شخص يساعد في التحري إلى مضنون فيه. لقد كان التعامل معه شديدا نوعا ما” حسب رئيس الهيئة.

ليست المرة الأولى التي تأتي فيها إشعارات تجاوز لحقوق الموقوفين، سواء في منطقة سيدي حسين أو مراكز أخرى مثل مركز العطار وهي منطقة تبعد عن سيدي حسين حوالي 4 كيلومتر. ويشير فتحي الجراي إلى أن “مركز العطار مثلا يعتبر من المراكز النموذجية في تونس، فهو مجهز بكاميرات مراقبة في كل زواياه تقريبا، وتسجل كل حركة داخل المركز. لكن ما وصلنا من التشكيات من ممارسات الأعوان يعد ملفتا للانتباه. هذه إحدى المفارقات التي نعيشها سواء في سيدي حسين أو في غيرها، تخيل أنه مركز نموذجي وتأتينا منه تشكيات في شبهات تعذيب”.

إشكالات مع السلطة

تقول نورة الكوكي، عضوة الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، إن الهيئة تعاني دائما من تصدي السّلط التي تتعامل معها، خاصة وزارة العدل. تضيف نورة الكوكي “مثلا وكلاء الجمهورية. أحيانا نطلب من مدير مكتب وكيل للجمهورية الدخول وإعلام الوكيل بأننا نريد زيارته طبقا للقانون، يدخل مدير المكتب إلى وكيل الجمهورية ولا يخرج منه إلا بعد وقت طويل، قد يتجاوز الساعة ونحن ننتظر، هذا سلوك غير مبرر بالمرة، وهو مجرد مثال على معاملات شبيهة في إدارات أخرى”.

يشير التقرير السنوي الذي أعدته الهيئة في جدول إحصاءات ملفات التقصي التي تلقتها بين سنتي 2016 و2017 إلى تلقي 104 إشعار بتجاوز لحقوق الموقوفين قامت إثرها الهيئة بـ25 زيارة تقصي لـ65 سجن مدني و15 مركز إصلاح 06 مراكز احتفاظ و05 معابر حدودية و13 مركز آخر منها ما هو عسكري. ويشير التقرير تبعا لهذه الزيارات الميدانية إلى أن “التعذيب والممارسات القاسية والمهينة ممارسات ما تزال منتشرة خاصة في إقليم تونس الكبرى”. وبالسؤال عن ماهية الممارسات القاسية والمهينة أجاب رئيس الهيئة فتحي الجراي أن القانون عدد 5 لسنة 2016 والذي يتعلق بتنقيحات شملت الفصلين 13 و57 من المجلة الجزائية، أن العديد من التجاوزات قد صدرت في حق موقوفين “مثل أن لا يعلم الأعوان الموقوف بحقه في محامي أو عرضه على الفحص الطبي الذي يجب أن يكون آليا للتأكد من خلو الموقوف من إصابات داخلية غير مرئية أو إصابته بمرض معد أو حاجته لدواء معين أو أن تسخر له الدولة محام إذا لم يكن قادرا على تعيين محام وطبعا حقه في الاتصال بالعالم الخارجي ليخبرهم بوضعيته. هذا بشكل عام، وطبعا في سيدي حسين تأتينا إشعارات من هذا النوع، ونحن لا نزال بصدد التحضير لتقرير يحتوي الإحصاءات بدقة”.

ويرى رئيس الهيئة أن الدول التي تحترم حقوق الإنسان في العالم تستعمل تقنيات التحري الذكي وذات المستوى العالي من الحرفية والكفاءة. “فحتى وإن اعترف المضنون فيه فإن جمع الدلائل والبحث الجيني والشهادات قد تؤدي إلى نتائج أخرى في التحقيق. للأسف لا تزال أنظمتنا تعاني من عقلية الاستنطاق والاعتراف بينما تستعمل الدول الديمقراطية طرقا أخرى تماما”. كما أكد الجراي أن الهيئة تحضر لـ”دليل السجين” وهو كتيب يضع بين يدي الموقوفين والسجناء كل القوانين التي تكفل حقوقهم أثناء إيقافهم وعند دخولهم السجن وحياتهم داخل السجن وعند الخروج، ويقول “هذا أول دليل في العالم يتم العمل عليه من قبل هيئة الوقاية من التعذيب والإدارة العامة للشؤون السجنية التابعة لوزارة العدل”. كما أشار إلى أن الأمم المتحدة بصدد التحضير لطرح بروتوكول البحث الذكي الذي يستعمل أساليب علمية وتقنية وجينية عالية تكفل حقوق الموقوفين.