كنا نظن أن اليوم الحزين الذي طرب فيه شعب بكامله لعمل جراح ماهر وهو يخلصه من مجاهده الأكبر وزعيمه الأوحد لمّا بلغ من العمر أرذله وأصاب أجهزة الدولة ما أصابه من الخرف، لن يتكـرّر… فللأمم ذاكرة والشعوب تتعلم من أخطائها.

كنا نظن أن الشعب قد بلغ من النضج والوعي بحيث لا مجال لأن تمرر عليه من جديد لعبة التمديد أو أن يخضع لرئاسات مدى الحياة، كما جاء على لسان صاحب البيان، لما طالعنا به فجر يوم سبت من شهر نوفمبر منذ ما يقارب عن ربع قرن.

كنا نعتبر أن من الحكمة والرأي والمنطـق والعقل أن يأخذ كل إنسان أو كل شعب مصائره بيده ويحدد بإرادته الخالصة مستقبله، لا أن يطلقها لتغيرات الزمن وتقلبات الأوضاع وفعل العمر ثم ينتظر وينتظر لصدفة تقرر بدله.

كنا ولا زلنا نعتبر أن الشعوب تتمايز بمقدار ما تمتلكه من الشجاعة والحزم في أخذ مصائرها بيدها، ومن العزم والثقة في مواجهة التحديات المفروضة عليها، ومن الوضوح والدقة في إدارة استحقاقات بقائها ونموها، ومن أهمها ضمان التداول السلمي على السلطة فيها وفق ما أجمعت عليه في دستورها وعقدها الجامع والمؤسس… وأن لا موقع في عالم اليوم لشعب اتخذ من الهروب مسلكا ومن الجبن خلقا ومن رمي مصيره إلى عوادي الزمن وتقلبات العمر منهجا.

كنا نظن أن الخطيئة التي صادق عليها شعبنا بصمته عند مؤتمر الوضوح بالمنستير منذ أزيد من 46 سنة قد دفعنا جميعا ثمنها غاليا، وأنها عطلت اندفاعة بلد نحو الحداثة لعقود، وأنها قتلت فينا الطموح والأمل في التجديد والتغيير، وأنها طمست العشرات من المؤهلات والكفاءات الممتازة التي تزخر بها بلادنا ونفخر بها،…، وأنها كانت درسا قاسيا لن يتكرر.

كنا نأمل أن تكون جوقة المناشدين قد اندثرت وذكراها السيئة قد محيت. جوقة كانت قد جمعت من الغوغاء والانتهازيين والمصلحيين والجبناء مع سدنة المعبد وصناع الصنم وقذارة القوم ما يكفي لإيهام العامة بالكثرة، واتخذت من الوقاحة والصلف مسلكا بما يوحي للمرتعشة قلوبهم بالقوة والسطوة.

لقد كان الأمل يحدونا في أن نبني هذا الوطن بالتقاء الإرادة الحرة لجميع أبنائه.

وكنا نعتبر أن ما يجمع بين الأطياف المختلفة والتوجهات المتعددة وما يؤسس للمواطنة فينا هو الرغبة في العيش المشترك ضمن قواعد واضحة والأمل في بناء نموذج نفاخر به الأمم المتقدمة.

وكنا نؤمن ولا زلنا أنّ الدستور هو العقد الجامع بيننا والمنشئ لشراكتنا والمحدد لمفهوم المواطنة والمنظم لاجتماعنا والمؤسس لمؤسسات السيادة لدينا ولقواعد التعامل داخلها.

لذلك اعتبرنا أنّ كل دعوة لتنقيح أو تغيير نص هذا العقد لا تُحمل محمل الهزل، ولا تُحمل الشعوب عليها كرها ولا تساق إليه بحملات المناشدات أو التحريض. فكل تحوير يوشك أن يذهب بكل ما نشأ وربط بيننا.

لأن لنا من الوعي ومن العزم ومن الشجاعة ما لا يسمح لنا بأن نبقى نترقب منقـذا ينقـذنا في كل مرة من المنقذ الذي سبقه.

لأننا جزءا من ضمير هذه الأمة ومن ذاكـرة هذا الشعب وسبق وأن استوعبنا الدرس وأن تجرعنا مرارات التمديد ونعرف مخاطر التوريث.

فــإنّنــا سنتـصـــــدّى بكـلّ ما أوتيـنـــا من حـكـمـــة وجهــــد وإصـــرار وصـبــــر لـجــوقة المنـاشــدين.