بقلم معتز الدليمي،

ثلاثه اسابيع مضت و انا ككثير من التونسيين نحاول جاهدا استيعاب كل ما يجري. اعرف اني اريد البدء بحمد الله على نعمة لم يعرفها أي من ابناء جيل البوعزيزي رحمة الله عليه، الا و هي نعمة الحرية. حرية الفكر او بالاحرى حرية الاباحة بفكرننا دون الاحساس بالبطوله، دون ان احس باني اخاطر السجن على اقل تقدير لكلمة قلتها في مقهى او تعليق بصحيفة او نقد لرئيس على صفحة الفايسبوك.

لا ثمن للحرية!

تونس بلد متحضر و متمدن، و اهله على درجه كبيرة من الوعي و الثقافة، لكنني كعدد كبير من ابناء جيلي هرب بجلده ما ان اكملنا الثانوية، لاختناقنا من اللون الواحد، و الفكر الواحد و الرجل الواحد و السخرية من ذكاء شعب عريق. فباعوا لنا حرية المراة على انها مغنية فيديوكليب و السهر في الملاهي الليليه، فاذا بنسائنا نحملهن فوق اكتافنا في الخط الاول للمواجهة. لاستحالة استغلال النعرات المذهبية و الطائفيه، عمد كلا من بورقيبة و بن علي الى زرع الفرقة عبر خلق النعرات الجهوية. فاذا بهذا الشعب اصبح متكاتفا و متآخيا اكثر من أي وقت من تاريخه يجمعنا دم شهداء سقطوا في كامل تراب الجمهورية و شعبا هب لياس شباب سيدي بوزيد الثائر. زرع بن علي الرعب في شعبه من خلال اصغر اعوان دولته البوليسية، فعلم تونسيي الجمهورية الثانية التي نحن بصدد بنائها ان نكون قاطعين في عدم القبول بتاتا من الآن فصاعدا في التسامح مع من سيمثل دولتنا. لدي قناعه ككل التونسيين اننا نقرر من سيحكمنا، و من لا يعجبنا فسنشكره جزيلا و نخرجه بمسيرة مليونية من قصره، و من يحكم و سيحكم تونس يعي هذا جيدا. ما يزيد عن نصف قرن من الاستقلال و والدي ككل ابناء جيل الاستقلال انتظر و صبر و شاب و لم ير ما يسره. و انا من جيل نصفه رهينه سجن بلا قضبان اسمه تونس و نصفه الآخر نفى نفسه بعيدا رافضا ان يكون طرفا في لعبة مقيتة تتقوت على شعب مكبل و لا حول و لا قوة له.

نريد ان نعيش بحرية ،نعم. و نريد ان يكون شعبنا ذا مستوى معيشي يليق به، بلى. و لكن نريد ان يكون هذا في بلدي و ليس في العروبة و لا الاسلام تعارضا مع الحداثة و التطور و الريادة. و الآن اثبت التونسيون لبن على، و كل الانظمة الغربية الداعمه لجلادي المنطقة و للعالم اجمع ان شعبا عربيا مسلما مسالما لم يعرف اسلحة عير الهراوات و السكاكين استطاع برقي لا يناهى و حضاريه لا توصف ان يواجه اتعس انواع القمع و الدموية من نظام مدجج بالعتاد بصدور عارية. هذه الشجاعه لم تترك هكذا لوعينا ان هؤلاء القتلة لن يترددوا في مسح شعب باكمله في وسط ظلمة التكتيم. و هنا تدخل تكاتف شباب يعي السلاح الاهم في هذا العصر و يتفوق على عجزة الالفية السابقه. فراى العالم باسره بشاعه الحاكم العربي و وحشية زبانيته و تبطر حاشيته على حساب قوت مساكينه. و اذكر ان التلفزيون التونسي تكتمت ما يزيد عن العشرة ايام عن ذكر أي خبر عن مواجهات او مظاهرات في حالة انكار غريبه و لكن متوقعة من انظمة بعيدة عن الواقع لدرجة انها نست او تناست ان ما يزيد عن نصف الشعب جامعي و يجيد القراءة و الكتابة بلغتين على الاقل…..و لديه حساب فايسبوك و منهم بن علي نفسه.

هذا التحضر و الرقي و الشجاعه هو نسمة امل لشباب عربي مكبوت و مكبل. ثورة تونس ايضا تسونامي سياسي سيقلب مفاهيم الغرب و صانعي القرار في العالم للمنطقة العربيه و ما يحدث في مصر ان انتهى كتونس فعندها فعلى الجميع ان ينسوا كل ما سمع او كتب او قيل في منطقتنا في القرن العشرين و ان يحضر نفسه لواقع اقليمي جديد كليا عما نعرفه او حتى يمكننا التنبا به.

ثلاثة اسابيع فقط مرت منذ نجاح الثورة و اليوم سمعت حسني مبارك يقول انه يرغب بالاستقاله الا انه يخشى الفوضى المحتمة عند تركه للحكم. لن اعلق على التفكير المرضي لشخص يظن ان اكبر شعب عربي ذو واحدة من اقدم الحضارات ستتيه و تضيع و تاكلها الذئاب من بعده، هو العجوز المريض المولود في عصر لا علاقة له بشباب امته الباسله كما عهدناها. و لكن اريد ان اقول للرئيس مبارك و لبن علي و لغيرهما ممن يعرفهم العالم باسره اننا و الحمد لله في تونس لسنا في فتنة و لا حرب اهليه. لا نبكي على من كان يحكمنا و حياتنا اليومية ليست بكابوس. نحن نعمل و ندرس و كل شئ اجمل و احلى. كدنا نجتث آخر ذيولك و نسينا اصلا صورتك بالرغم من وجودها منذ دخولي المدرسة في كل ادارة و مقهى و فندق و سيارة اجرة و كل صحيفه و مجلة و برنامج اذاعه. الحكومة مضطربة قليله و هذا طبيعي. الاحزاب و السياسيون و النقابيون في احتمام غير مسبوق، و هذه هدية الشعب الى سياسييه. شعب اهدى سياسييه دوله كي يبنوها كما يريدها هذا الشعب و ليس كما يخيطها له اصحاب السياسة. و كل هذه في الحقيقة تفاصيل. ما اعرفه كتونسي ان بلادي ستكون من اكثر الدول المحاربه للفساد لاننا دفعنا ثمنه غاليا، و ستكون من اكثر الدول احتراما لحريه التعبير و الصحافه لان الصحافه و الاتصال كانت وقود الثورة، و يكفي وجود ركيزة مقاومة الفساد و حريه الراي و الصحافه لتقليم اضافر أي فاسد من مهد حياته الوظيفيه و في نفس الوقت تضمن نظاما قضائيا متحررا من أي قيود قد تفرض عليه. اما ما عدا ذلك فسياتي لا محالة ان شاء الله . الشعب التونسي رغم ما يزيد عن النصف قرن من اجتثاثه من ثقافته الشرقية فانه عربي بامتياز و فخور باسلامه و لا يساوم في تضامنه مع اخيه الفلسطيني و العربي بصفه عامه مسلما كان ام مسيحيا، عراقيا كان ان مغربيا. هذا الشعب بطرده طاغيته فقد ادخل الرعب في قلوب اغلب الحكام العرب دون سواهم لان ما يحصل في تونس عربي اسلامي بامتياز و هو امل بداية نهضة حقيقيه بعد ثمان قرون من السبات عبر الاستخفاف بذكاء الشعوب و زرع حكام لديهم عقيدة ان العربي يروض.

ما يحصل في تونس سياثر وجوبا في المنطقه و مصر دليل على ذلك. اتمنى للمنطقة ان تحرر و ستحرر.لان ليس للتونسي ما ليس لاخيه المصري او السوري او الاردني او الجزائري.

معتز الدليمي

المنستير-تونسط