نورالدين عزيزة – شاعر من تونس

لا يكاد يمر يوم منذ الفاتح من سبتمبر 1969 لا يطلق فيه العقيد معمر القذافي إحدى نوادره التي كثيرا ما تدعو إلى الضحك والسخرية إلى حد الرثاء لحال الشعب الذي نصّب نفسه قائدا له، وعمل طوال اثنين وأربعين عاما على تجهيله وتسطيح حياته وفكره، وحرمه من كل تطور كان هذا الشعب ولا يزال جديرا به بفضل ما تنعم عليه به أرضه الطيبة من ثروات تفوق كفايته بكثير لو وجدت من يحسن التصرف فيها.

ولكن جميع ما صدر عن هذا “القائد الكبير” من غرائب، لا أعتقد أنه يرقى إلى ما صرّح به، بعد أصدق اختبار لمعدنه الرخيص، في ما ردده في خطاباته الأخيرة وما أعلنه أخيرا، لقناة فرانس 24 الفضائية، من أكاذيب يندى لها جبين أي بشر له قدر ضئيل من احترام النفس وقدر ضئيل من الصدق.

فقد جدد في هذا الحوار اتهامه للقنوات الأجنبية بالتآمر على بلاده وتزييف الحقائق وقلب صورة ما يحدث في ليبيا رأسا على عقب. وفي الوقت الذي يستعد مجلس الأمن لاستصدار مزيدا من العقوبات ضده وتضييق الخناق عليه، لا يتورع بأن يدعي أن العالم بصدد تغيير موقفه منه الآن.

والأغرب من ذلك أنه يصر على أن خلايا نائمة من القاعدة هي التي كانت وراء الاضطرابات التي عمّت ليبيا في الأيام الأخيرة كما فعلت في تونس ومصر!!… (ولا أدري لماذا نسي ما يحدث في اليمن والأردن والجزائر وموريتانيا…)

وهو لا يجد، بناء على ذلك، أي حرج بأن يبرر هجومه على أبناء شعبه بالدبابات والطائرات وقصفها بالقنابل والمدافع بهجوم إسرائيل على حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في قطاع غزة عام 2009م لحماية الصهاينة المحتلين ممن وصفهم بالمتطرفين؛ أو هجوم جورج بوش بجيشه وطائراته على الفلوجة لسحق المقاومين العراقيين وقطع دابر ما سماه بتواجد القاعدة في تلك المدينة، من أجل تنفيذ مشروع تدمير العراق وتقسيمه. ومن ثمّ يشرّع هذا “المناضل العربي” في سبيل نصرة الشعوب، لنفسه ولكل طاغية مثله، أن يواجه شعبه بأي أسلوب قمعي يراه ولو بارتكاب جرائم حرب في حقه وحق الإنسانية إلى حد الإبادة…

وأخيرا يعترف هذا الطاغية المقنع بقناع المنقذ لشعبه وللإنسانية جمعاء، بأنه حليف لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية عدوة الشعوب، ضد الإرهاب. وهو لذلك يستغرب من موقفها إلى جانب الثوار، ولا يخجل من شرح صورة تحالفه معها بلغة دبلوماسية خسيسة متوددة متوسلة، بأن ليبيا بفضله، هي صمام الأمان أمام موجات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا وشريك رئيسي في الحرب على الإرهاب وخطر القاعدة والإسلام المتطرف…

هل هذه هي حقيقتك أيها “القائد الثوري”؟!!

هل قائد ثورة الفاتح وأمين الوحدة العربية وملك ملوك إفريقيا، ما هو في حقيقته، وباعترافه، إلا عميلا صغيرا من عملاء أعداء العرب والعروبة.. ولكن هاهم يرمون به كالقشور عندما حانت ساعته، مثلما فعلوا من قبله بشاه إيران وماركوس رئيس الفلبين المخلوع وغيرهما؟!!ا…

+++

أي قائد “ثائر” هذا؟!!

وأي قومي وحدوي عربي وأي زعيم إفريقي؟!!

بأي صورة سينهي اثنين وأربعين سنة من حكم علق على جداره دائما شعارات الثورة والجماهير؟!!

سوف يذكر التاريخ أن طاووس ثورة القرنين العشرين والواحد والعشرين لم يكن إلا شريكا استراتيجيا مقنعا لأمريكا وبريطانيا والصهاينة، ألد أعداء الشعوب، ضد شعبه وبني جلدته كافة..

سوف يذكر التاريخ أن الملازم المقنع، قائد أكذوبة السلطة للشعب، يبرر قمعه الوحشي لشعبه البطل، بعدوان الصهاينة على الفلسطينيين وقصف المجرم بوش لمدن العراق..

سوف يذكر التاريخ إلى آخر الدهر، أن حفيد الشهيد عمر المختار وجمال عبد الناصر هو في حقيقته، أتفه من أن يستحق هذا النسب..

سوف يذكر التاريخ أن الرجل الذي أثلج صدور العرب بإعلان الحداد على شهيد الأمة العربية صدام حسين، كان يمعن بذلك في التمويه والخداع..

أي قائد “ثائر” هذا؟!!

وأي قومي وحدوي عربي وأي زعيم إفريقي؟!!

كيف لا تخجل من نفسك وأنت تجثو على قدميك وتلحس أقدام أمريكا وأوروبا من أجل أن يدوسوا على جميع حقوق الإنسان والقيم الإنسانية ويدعموا بطشك الإجرامي بشعبك الذي يطالب بحقه في أرضه ووطنه وثروته؟!!

ألهذا الحد يبلغ حب الكرسي بالحاكم العربي؟!!

أي قائد “ثائر”أنت؟!! وأي وحدوي عربي وأي زعيم إفريقي؟!!

أهذه هي حقيقة الحاكم العربي الذي كان يبدو من أكثر الحكام الوطنيين وطنية وثورية؟!!

هل هناك ثائر في الأرض، رفع طوال حياته شعار “السلطة للشعب”، وما أن يقرر هذا الشعب أن يمارس سلطته حتى يرد عليه بالرصاص والإبادة الجماعية؟!!

هل يصل الجحود بالمرء إلى حد التنكر لأبناء شعبه إلى حد سؤالهم: من أنتم؟؟ مطلقا عليهم أقبح الأوصاف؛ فهم جرذان، ومهلوسون، ومغرر بهم؟!!…

فعلا، أيها الملازم، صدق من قال : إذا لم تستح فافعل ما شئت…

أيها الملازم..

إذا قدّر لأرض ليبيا أن تدوسها أقدام جندي أجنبي في تاريخها اليوم، فإن المسؤول الأول والأخير على هذه الخطيئة هو أنت وصبيتك الطائشين بسبب عنادك وبطشك اللذين سيحملان أمريكا وغيرها على التدخل لكف أذاك عن الشعب الليبي الأعزل… ويعلم الله ما ينتظر ليبيا بعد هذا التدخل…

ومهما يحصل فإنك، عاجلا أو آجلا، ستختفي أنت وصبيتك الذين طالما منيتهم بالسلطان والجاه، من حياة هذا الشعب العصي على المعاتيه والطائشين، وسوف ترمون في أرذل ركن من سلة مهملات التاريخ. أما الشعب الليبي فسوف يظل التاريخ يذكر أنه شعب أبي لم يقبل الضيم والهوان وأنه أراد ذات فجر يوم استعادة حريته وكرامته واستقلاله، فكان له ذلك بفضل استماته في طلب حقه وتضحياته الجسام التي سطرها أبناؤه بدمائهم.. وسوف تعتز الأجيال القادمة بهذا الجيل البطل وتفخر بأنها من معدن كريم أصيل…