بقلم رشيد مشارك،

شكرا سي الباجي وفيت بعهدك

مصدر الصورة: صحفة الباجي قايد السبسي، بتصرف

هذا ما يتداول على صفحات الشبكة العنكبوتية طيلة هذه الأيام ونستطيع القول دون الخوف من السقوط في المبالغة أن هذه الخواطر يتقاسمها كل التونسيون ومن المؤكد في كل الحالات أن جزءا هاما من الرأي العام الديمقراطي في بلادنا يقدر تماما الدور الحاسم والتاريخي الذي قام به السيد الباجي قايد السبسي بصفته الوزير الأول في الحكومة التي أدارت المسار الانتقالي في مرحلته الأولى و أوصلت البلاد إلى بر الأمان من ناحية الشرعية الدستورية عن طريق انتخابات شفافة ونزيهة و لها حد أنى من المصداقية رغم ما رافقها من تجاوزات وإخلالات ويبقى على المجلس الوطني التأسيسي الذي أفرزته هذه الانتخابات الوصول بالبلاد إلى بر الأمان من الناحية السياسية لإتمام المرحلة الثانية من المسار الانتقالي الذي تمر فيه بلادنا.

إذا أردنا أن نقيم الانجازات السياسية لحكومة السيد الباجي قائد السبسي علينا أن نستحضر ما كان عليه الوضع الوطني عشية تكليفه بمهام الوزارة الأولى وما تميز من الانفلات الأمني والإعلامي والاضطراب الاجتماعي و التهور السياسي والإعلامي الذي كان متواطئا وفي تلك الفترة بالذات مع الاضطرابات الأمنية والاعتصام الفوضوي وأعمال العنف والتخريب التي هزت البلاد يومي 26 و27 فيفري والتي بلغت حد محاولات اقتحام مقر وزارة الداخلية و خلفت خمسة قتلى و كادت هذه الأحداث أن تؤدي بالمسار الانتقالي إلى ما لا تحمد نتائجه إضافة إلى الوضع السياسي المهتز والوضع الاقتصادي المتدهور الذي كان سائدا ونضرنا إلى ما هي عليه البلاد الآن نكون قد أدركنا أهمية المجهودات التي بذلتها حكومة السيد الباجي قائد السبسي ويجب هنا أن نشير مباشرة إلى أن هذا العمل الهائل ما كان ممكنا لولا تماسك وخبرة الإدارة التونسية وقياداتها الشريفة ومسيريها الأكفاء في مختلف قطاعات الأمن والاقتصاد والخدمات والذين تعرضوا خلال كامل المرحلة الانتقالية إلى شتى أنواع التهجم والتشويه تحت عناوين ” القطع مع رموز العهد البائد” و “تطهير الإدارة من الفساد” و هي مطالب حق أريد توظيفها باطلا.

علينا كذلك الوقوف عند أهم الإجراءات التي اتخذتها حكومة السيد محمد الغنوشي بتشكيلتيها الأولى والثانية والتي أقرتها حكومة السيد قائد السبسي وساعدتها على تهيئة المناخ السياسي لانجاز مهامها وهي تتمثل إلى جانب الإجراءات الاجتماعية في قرارات سياسية أهمها : بعث لجنة للإصلاح السياسي برئاسة السيد عياض بن عاشور ولجنة لتقصي الحقائق حول التجاوزات الأمنية برئاسة السيد توفيق بودر بالة ولجنة تقصي الحقائق في مسائل الرشوة والفساد برئاسة السيد عبد الفتاح عمر – إطلاق سراح كل المساجين والموقوفين السياسيين والشروع في إعداد قانون العفو التشريعي العام – رفع الحضر على نشاط كل من الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الشرعية لجمعية القضاة – فصل الدولة عن الأحزاب السياسية – حل التجمع الدستوري الديمقراطي ومصادرة أملاكه – إلغاء الأمن الجامعي وإقرار طريقة الانتخاب المباشر لمديري المؤسسات الجامعية وعمداء الكليات.

هذه الإجراءات رغم أهميتها وانسجامها تماما مع أهداف الثورة كان ينقصها خارطة طريق تحدد المسار الانتقالي وتضع له محطات واضحة وهذا ما جاءت به حكومة الباجي قائد السبسي.

كما تجدر الإشارة إليه هو أنه رغم التحفظات التي أستقبل بها عند اختياره لرئاسة الحكومة بعد استقالة السيد محمد الغنوشي والمعارضات وحتى” النبزيات” الصادرة عن مختلف القيادات السياسية والنقابية التي كانت طرفا نشيطا في خلق التوترات السياسية والاضطرابات الاجتماعية التي كانت تهدف إلى عرقلة حكومة السيد الغنوشي و تعطيل عملها عن طريق عرقلة مؤسسات الدولة وتعطيل المرفق العام استطاع وبسهولة تلفت الانتباه تهدئة الخواطر و الحصول على وفاق واسع حوله وحول حكومته وهو ما مكنه من معالجة الصعوبات الاقتصادية والحاجيات الاجتماعية بشيء من الانسجام والحوار بين الأطراف و مكنه هذا الوفاق كذلك من تهيئة المناخ السياسي الملائم لعمل الهيئات الثلاث بعد أن تمكن أيضا من الحصول على توافق حاسم حول تركيبة ومهام لجنة الإصلاح السياسي لتصبح الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي والتي أنجزت عملا عظيما في تأمين التأطير السياسي والقانوني والإجرائي للمسار الانتقالي.

بعد تسلمه مهام الوزارة الأولى أعلن في ندوة صحفية يوم 4 مارس أن البلاد أصبحت على شفى حفرة و أن “الخطة المستقبلية للحكومة تتمثل في إرجاع هيبة الدولة” وتعهد بأن تجري الانتخابات للمجلس الوطني التأسيسي ” ولأول مرة في تاريخ تونس في كنف المصداقية والشفافية” فكان ذلك برنامجا كاملا يحتوي التشخيص الصحيح والعلاج المناسب.

أن مفهوم هيبة الدولة الذي جعل منه السيد قائد السبسي برنامجا حكوميا هدفه استرجاع الثقة في السلط العمومية واستتباب الأمن أعاد للأذهان ضرورة التمييز بين أركان الدولة التي يجب أن تستمر ونظام الفساد والاستبداد الذي يجب أن ينقطع . وعندما نأخذ في الحسبان كم هو صعب تفعيل هيبة الدولة ونظامها وليس له أية شرعية غير شرعية التوافق وفي مرحلة انهارت فيها كل السلطات نكون قد قدرنا حق قدره أهمية المجهود الذي بذلته حكومته وأعطى نتائج ملموسة.

كذلك في مرحلة الإنتقال إلى بناء الديمقراطية كان يجب على بلادنا الاعتماد على رجل دولة من المدرسة البورقيبية وقام بذلك على أحسن الوجوه وبأقل التكاليف معتمدا ترتيب الأولويات وتقديم الأهم على المهم وعندما فسحت الثورة المجال واسعا لكل القوى السياسية مهما كانت مرجعياتهم الفكرية للمساهمة في هذا التأسيس الديمقراطي فذلك يعني وضع المسار الانتقالي برمته في سياق مواصلة بناء الدولة الحديثة وفي اتجاه المسار التاريخي الذي توجهت فيه بلادنا منذ الاستقلال وهذا ما فهمه سي الباجي وفق مقاربة براغماتية ساعدته على تفعيلها المكاسب المدنية التي يزخر بها مجتمعنا. هذه المقاربة العقلانية في تناول الشؤون الوطنية والتي أظهر تطور الأوضاع الحالية لدى إخواننا وجيراننا أن هذه من بين ما تمتاز بها بلادنا وأنها أصبحت متأصلة في الفكر السياسي التونسي الحديث و هي وبالضبط من ثمار تلك المدرسة التي نهل منها سي الباجي و في ذلك المعنى فليتذكر المتذكرون وهل يدرك ذلك كل من أعلنوا ومازالوا يعلنون معارضتهم الفكرية وتنكرهم العقائدي لهذا التراث الوطني ؟

لم ترى بلادنا حكومة عملت في إطار من الشفافية ونظافة اليد بمثل ما كانت عليه حكومة قائد السبسي فقد ورثت روح البذل والشعور الحاد بالمسؤولية و الكفاءات التي كانت تعج بها الحكومة السابقة ولكن.

هل هناك تقصير في عمل هذه الحكومة؟ هذا سؤال وجيه والإجابة عنه تقتضي تسجيل الانطباع السائد لدى الرأي العام في أن هناك بطء غير مبرر في معالجة قضايا الفساد والاستبداد وفي كونها لم تتناول الملفات الهامة مثل إصلاح القضاء والمنظومة الأمنية والعدالة الانتقالية.

وعندما نستحضر ما أعلنه السيد الطيب البكوش في الثالث من أفريل من أن (الحكومة الوقتية تحتاج إلى قرار سياسي لتأمين ارساء العدالة الانتقالية) يتأكد لدينا أن السيد قائد السبسي قد اختار عدم تناول هذه الملفات التي تحتاج إلى تهيئة سياسية ونفسية تدفع إلى المصالحة الوطنية وهو ما لم يكن متوفرا وحدد مهمة حكومته كما أعلنها عند تسلم مقاليدها في (تصريف شؤون البلاد وإنقاذها وتوضيح المسار) وتوفير الظروف الأمنية والسياسية لإجراء(انتخابات حرة وشفافة) ورغم أنه تعهده (بمحاكمة كل من تثبت إدانته بداية بالرئيس السابق الذي اركب الخيانة العظمى) فقد أعلن بوضوح أن (المحاكمات العادلة والمسؤولة تتطلب وقتا وصبرا) و أن القطع مع النظام السابق ليس قضية سهلة.