أي عمل ارهابي، و أي إجرام وأي نشر للحقد والبغضاء، يفوق الإعتداء على أحد اهم رموز الوحدة الوطنية و أحد أهم ألوية الإنتماء الجغرافي و الحضاري و التاريخي و الانساني و الأخلاقي و المجتمعي، علم البلاد وراية مواطنيها الذي يمثل رابطتهم أينما كانوا و منارة ترشدهم الى شواطئ السلام المعنوي، العلم ليس أحد رموز السيادة السياسية فحسب و ليس لصيقا بالسلطة أيا كانت مرجعيتها و هو يتجاوز مقولات الديمقراطية والتنافس والصراعات الإيديولوجية أو العقائدية، إنه رمز للوحدة و رمز لكل تونسي على حدة في نفس الوقت، و الإعتداء عليه هو اعتداء على كل الشعب التونسي و على تاريخه وشهدائه ومناضليه الذين تبقيهم رفرفته أحياء بيننا يعلوا بهم وتعلوا أسمائهم و ذكراهم به.

إن الحادثة التي جدت بمنوبة وهي الحالة الثانية بعد حادثة مماثلة في جندوبة تم فيها تدني علم الوطن واستبداله بشعار ايديولوجي ديني ( قماش أسود طبعت عليه الشهادتين) قيل أنه علم لدولة الخلافة رغم أن الخلافة خلافات وراياتها متعددة ومتنوعة شكلا ومحتوى و رغم أن الرايات في أول دولة الإسلام لم تكن تعقد بوصفا رمزا سياسيا بقدر ما كانت تعقد لهذا او ذاك من القادة العسكريين في سعيه و غزوه تدليلا على قيادة جيوش المسلمين و هي عموما كانت متنوعة وخاصة بالحملات العسكرية و في حالة الحرب ( والرايات في الإسلام قلت بشانها المراجع وهي مسائل غير محسومة واشكالها غير مقدسة لانها مرتبطة بخيار اهل السلطة في زمنها للتميز عن غيرها من الدول القائمة معها والمتشاركة معها احيانا في الدين و في مسألة حق الخلافة، وقد اتاها مجموعة من الخونة ومثيري الفتن و دعاة التفرقة العنصرية والدينية و ةانصار الارهاب الجماعي والفردي للناس وهم مجموعة من الشبان المغرر بهم عبر عمليات غسيل المخ الديني الذي تقوم به الحركة السلفية العالمية لتطويعهم خدمة لأهدافها في السيطرة على السلطة السياسية عبر استغلال الدين وتطويع التاريخ وتزييف حقائقه واحتكار الدين والسياسة والسلطة بيد اقلية من الجهلة الملتحفين بعبائات المشيخة وهم يحوّلون كل مرة اهتمامات المواطنين من نقاش مسائل الحريات والديمقراطية و المساواة أمام القانون والعدالة الاجتماعية …الخ، الى الصراع والجدل العقيم حول اطالة اللحية و حف الشارب و ختان البنات و تعدد الزوجات …الخ مستعملين في هذا كل مرة سلاح التكفير سهل الاستعمال بالنسبة لهم، ان من قاموا بهذا الجرم و غيره من نفس جنسه جريمة نكراء وان كان مغررا بهم و هو لا يقل خطورة عن حمل السلاح بما يخالف القانون تحت مسمى الجهاد و لا يقل خطورة عن اقامة الامارات هنا و هناك سواءا في تونس او في ليبيا وجب ان يردع بكل صرامة.

كما ان حزب الأكثرية وبعض رموزه ومن خلفهم السلطة السياسية وانصارها يتحملون مسؤولية كبيرة امام تطور هذه المجموعات المتطرفة و مرورها الى مرحلة الدوس على كرامة كل التونسيين و ذلك عبر سماحها لهم و في مثل هذه الظروف بتطوير ممارستهم دون ان تتحمل مسؤوليتها السياسية والتاريخية من أجل صدهم وفق القانون كما انها تمهد لهم الأرضية والطريق عبر تصريحات رموزها اللامسؤولة والمثيرة للخبطة والتي تفتح أمامهم ابواب التمادي انطلاقا من تصريح رئيس الوزراء الحالي حول الخلافة السادسة والاشارات الربانية. والتساهل مع مداخلة شورو حول اقامة الحدود واعتبار جزء من المواطنين اعداءا لله والرسول لانهم احتجوا اجتماعيا وعارضوا الدولة في بعض خياراتها التي تهم لقمة عيشهم مرورا بالتشبث بدمج الدين بالسياسة والإصرار على استعمال الشريعة مطية للتشبث بالسلطة …الخ و للخلاصة عبر اصرارها على استغلال المشاعر الدينية للناس في ادارة التنافس السياسي.

ان هذا الانقلاب على أطروحة الدولة المدنية و الاصرار على تقسيم المجتمع التونسي الى خاضعين لقانون الشريعة الاسلامية وغير خاضعين له أي الى مسلمين وذميين و غير متدينين اضافة الى التمييز بين المسلمين انفسهم نسبة الى المذهب والجنس، انما هو في النهاية تهديد للوحدة الوطنية وتقسيم للمواطنة ويفتح الباب امام عودة أسوأ اشكال التمييز والمراتبية وهو انقلاب صارخ على الديمقراطية، وهي ممارسات وخيارات مثلت وتمثل ارضية خصبة لنمو الحركات الدينية المتطرفة وتغولها حتى تتحول الى خطر ليس على من يوصفون بالعلمانيين والحداثيين والديمقراطيين واليساريين (والذين يعتبرهم أنصار الحركات الاسلامية اعداءا للاسلام) وحسب بل على كل المجتمع والسلم الأهلية وحتى على حركة النهضة التي تعتقد اليوم انها قادرة على تطويعهم وتدجينهم او على استعمالهم لتسوية بعض خلافاتها السياسية و تحسين شروطها التفاوضية مع فرقائها. ان التطرف ليس فزاعة انه امر واقع نشهده كل يوم بكل بشاعته.