Crédit photo: algerie-focus.com

بقلم الطاهر شقروش
لقد اكتست الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة أهمية خاصة بالنظر ليس فقط للنتائج التي تمخضت عنها وإنما أيضا بالنظر للسياق التاريخي الذي تمت فيها والذي حمّلها رهانات وتحديات جسيمة.لقد جاءت هذه النتائج مغايرة لتوقعات العديد من المتتبعين لشأن العربي والذين كانوا ينتظرون أن تؤكد و تدعم المد الإسلامي المتصاعد ليكتمل القوس الممتد من اسطنبول إلى الرباط ، لكن أمواجه العاتية تكسرت على مرافئ الجزائر.وبقدر ما ولد هذا الفشل مرارة لدى التيارات الإسلامية بقدر ما نشأ عنه تفاؤل حذر لدى الديمقراطيين خاصة وأنه من بين المنتخبين توجد 143 نائبة من مجموع 462 نائبا وهي علامة فارقة مقارنة مع كل الانتخابات التشريعية السابقة. حيث اعتبر ذلك إنصاف للمرأة و تثمين لكفاحها زمن الاستعمار و لمعاناتها سنوات الإرهاب ولإسهامها في بناء الجزائر المستقلة ، وفي المقابل لم ينتخب سوى 58 نائب إسلامي.

لقد كانت الصدمة عنيفة حين كشف الصندوق عن سره خاصة بالنسبة لجماعة “تكتل الجزائر الخضراء ” الذي أعلن قائده أبو جرة سلطاني قبل فرز الأصوات أنه الفائز لا محالة و لفرط ثقته في حظوظه شرع في مشاورات لتشكيل الحكومة التي سيرأسها ، ولم تكن صدمة المراهنين على هذه التكتل أقل… لذلك اعتبروا أن الانتخابات الجزائرية استثناء بالنسبة لمثيلاتها التي جرت في كل من تونس والمغرب ومصر .

يرتكز هذا الموقف على فرضية ضمنية تعتبر أن “الربيع العربي ” شكل فرصة لارتقاء القوى الإسلامية إلى سدة الحكم إثر تنظيم الانتخابات التشريعية. وبما أن النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات التشريعية الجزائرية لم تفضي إلى ارتقاء الاسلاميين الى السلطة على خلاف ما تم في تونس و المغرب ومصر فـان “الربيع العربي ” يعتبر مؤجلا في الجزائر…لا يكمن تفحص هذه الفرضية بدقة دون تحليل الرهانات والتحديات التي كانت تنطوي عليها العملية الانتخابية التشريعية ولا يمكن فهم ذلك دون تحليل السياقات التي تنزلت ضمنها.

فما هو السياقات الذي تنزلت فيها الانتخابات التشريعية الجزائرية و ما هي الرهانات والتحديات التي انطوت عليها ؟

الربيع العربي و تفاقم مؤشرات التدخل الامبريالي

ما من شك أن “الربيع العربي ” مّثل تحولا عميقا نسف أنظمة مستبدة قهرت شعوبها وأذلتها لدرجة جعلتها تتحسر أحيانا عن الهيمنة الاستعمارية التي كابدت خلالها الدونية والقهر… ولكن هذا الربيع لم يحمل كله نسائم الحرية والكرامة للشعوب العربية لذلك يميز المحللون بين “الثورات النظيفة ” التي تمت في كل من تونس ومصر من ناحية و” الثورات الملوثة” التي تمت في ليبيا و البحرين أو التي تتم في سورية وتحمل في طياته مخاطر الهيمنة والاحتلال من ناحية ثانية .

لقد تنبهت الامبريالية العالمية بعد أن فاجأتها الثورة التونسية و المصرية إلى الكارثة التي هزت أركان مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل في المنطقة ، فاستخلصت الدرس بسرعة فائقة فدفعت حليفها النظام الوهابي لإجهاض على الثورة البحرينية وساعدته على محاصرة الثورة اليمنية وإفراغها من مضمونها بل أنها استبقت الثورة الليبية وطوعتها لخدمة أغراضها عبر حليفيها القطري والتركي. وأقدمت على تكرير نفس السيناريو بسوريا.
لقد نجحت الامبريالية العالمية في تمرير مخططاتها بأقل التكاليف . لقد غيرت أدواتها المتهاوية (مبارك، بن علي، عبد الله صلح ) بأدوات جديدة أكثر فاعلية وتم ذلك بسرعة فائقة ووسط ذهول عربي وعالمي كبير .

لقد عمدت إلي تعبئة احتياطها الذي كانت تعده من سنين عديدة لهذا الدور الجديد القديم وبرز هؤلاء الفاعلون الجدد في المنطقة والذين يتشكلون من تحالف أخواني عربي وتركي يسنده أمراء الخليج و الجزيرة والذين تحولوا بقدرة قادر إلى أشد المتحمسين للدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية بل والثورة.

لقد غيرت الامبريالية الغربية أدواتها القديمة بأخرى جديدة أقل كلفة وأكثر نجاعة ومشروعية: عملاء محليون في شكل ثوار يعوضون تدخل جيوشها النظامية تسندهم حماية جوية بإذن من مجلس الأمن وبمباركة من الأمانة العامة للجامعة العربية. و هكذا تمكن هذا التحالف من إخماد وهج الثورة البحرينية ومن تدمير مقدرات الشعب الليبي و إسقاط نظامه الاستبدادي الغبي والزحف على سوريا بالاعتماد على الجماعات الاخوانية وبمشاركة من القاعدة وشيوخ النفط .

وفي خضم هذا الزحف الذي بدا وكأنه لا يقاوم ، حددت الجزائر كهدف قادم وبدأت هذه القوى تتربص بالجزائر و تتوعد ها “إن الدور القادم سيكون عليكم ” هكذا خاطب العراب القطري خلال أحدى اجتماعات الجامعة العربية السيد مراد مدلسي وزير خارجية الجزائر لما أعترض على تدويل المسألة السورية. وتزايدت الضغوط المسلطة على الجزائر لما رفضت طلب الولايات المتحدة مسح أراضيها جوا بدعوى الكشف عن مخابئ أسلحة القاعدة وحدث انقلاب مالي. ولما أقدم تجمع بلدان أفريقا الغربية على محاصرة تداعيات الانقلاب، زحف طوارق مالي مدججين بالأسلحة الواصلة لتوها من مخازن ليبيا واحتلوا شمال مالي وأعلنوا الانفصال وتشكيل دولة الازواد على حدود الجزائر الجنوبية ..

وانطلقت المظاهرات والتجمعات والاعتصامات ولكنها لم تكن بالزخم المنتظر ولا بالانتشار المتطلوب. لقد استوعبت القيادة الجزائرية الدرس الليبي والسوري وقبلهما الدرس العراقي والصربي من هذه الحروب التي تشنها الامبريالية تحت يافطة الديمقراطية وحقوق الإنسان في حين لم تكن تتورع في القرن التاسع عشر على احتلال الصين بتعلة حرية “تجارة الأفيون”. فبقدر ما أبدت القيادة الجزائرية تمسكا بالمبادئ والتوجهات الإستراتيجية بقدر ما كشفت عن مرونة تكتيكية فائقة.

لقد عملت في اتجاهات عديدة لكنها متكاملة، لقد جابهت المظاهرات الشعبية دون عنف مبالغ فيه وأطلقت سراح كل الموقفين في أسرع وقت والأهم أنها استجابت لمطالبهم الاجتماعية المشروعة وذلك بتجميد الأسعار والرفع في الأجور والجرايات… و شرعت في إصلاحات سياسية عديدة شملت مجالات الإعلام وتكوين الجمعيات والأحزاب ومشاركة المرأة في الهيئات التمثيلية وتنظيم الانتخابات و التنظيم الولائي والبلدي الخ … ولئن لم ترتقي هذه الإصلاحات إلى طموحات الجزائريين، فإنها ولاشك كانت خطوة هامة قياسا بما كانت علية الأوضاع مع التأكيد على أن المجلس النيابي الجديد موكول له تحوير الدستور…

كما أبدت القيادة الجزائرية مرونة غير معهودة لحلحت ملفات اقتصادية عالقة منذ سنوات مع شركات كبرى فرنسية (طوطال، رونو و لفارج…) وشركات أمريكية بترولية (تقاضي الجزائر دوليا من أجل فرضها ضريبة على الأرباح الاستثنائية وبمفعول رجعي… ). كما قبلت و لأول مرة استقبال ملاحظين من الاتحاد الأوروبي ومن الأمم المتحدة…لمراقبة نزاهة الانتخابات…فاعتمدت 500 مراقب.

لقد فهم جل الجزائريين أن الرهان الحقيقي في هذه المرحلة الدقيقة هو الدفاع عن استقلال القرار الوطني وذلك عبر الدفع بالإصلاحات السياسية إلى أبعد مدى حتى تكتسي مؤسسات الدولة الشرعية الشعبية التي تعوزها. و تتحسن المقدرة الشرائية للمواطنين حتى يشعروا أنهم أعزاء في وطنهم وأن حقهم كامل في المشاركة في تسيير شؤونه و في التمتع بخيراته.

لقد كانت اللحظة حاسمة والوضع دقيق و عرف بوتفليقة كيف يخاطب الجزائريين. لقد كانت خطبه بليغة في هذا الشأن ، لقد عرف متى يتدخل وعما يركز . لقد اختار مناسبات مفصلية في تاريخ الجزائر الحديثة ليتوجه لشعب الجزائري :عيد تأميم المحروقات ، ذكرى تأسيس اتحاد العمال ، وذكرى مجازر 8 ماي 1945. وأكد خلال خطبه الثلاثة على مسألة واحدة أهمية الاستقلال الوطني و ما قدمه الشعب الجزائري من تضحيات جسام في سبيل استرجاع سيادته على أرضه وثرواتها وبأن جيل الثورة أدى الأمانة وعليه أن ينسحب ليفتح المجال للشباب كما نأى بنفسه عن المنافسة الحزبية دون أن يتنكر لماضيه الحزبي.

و كانت العشرية السوداء وما صاحبها من مآسي ودمار طيلة تلك الفترة حاضرة في أذهان كل جزائري. لقد كان الخيار واحد إنه بين التقدم و التقدم وغير ذلك يكون الانحدار الذي لا قرار له.

ولعل حزب العمال بقيادة السيد لويزة حنون كان أدرى التشكيلات السياسية الجزائرية بتحديات ورهانات المرحلة والمنطقة وقد عملت بكل قواها على الدفع بالإصلاحات السياسية إلى أبعد مدى والضغط على السلطة لتلبية المطالب الشعبية وفي حين أبدت جبهة القوى الاشتراكية الفصيل الوطني والديمقراطي الذي طالما ناصبه النظام العداء تحفزا كبيرا للمشاركة في الانتخابات التشريعية وعيا منه بالتحديات والرهانات التي تحف بالعملية الانتخابية وهو الفصيل الذي قاطع الاستحقاقات السابقة في 2002 و 2007 في الوقت الذي كانت فيه القوى التي تقاسمت معه السلطة منذ 1995 وساندته دون تحفظ تستأسد عليه وتستقرى بالشيوخ والأمراء الخليجيين والأتراك وأسيادهم الامبرياليين.

و ما غاب عن هؤلاء أن الظرفية الدولية بدأت تتغير لغير صالحهم. فالأزمة المالية العالمية قد استفحلت ودفعت بعديد الشركات والبنوك إلى الإفلاس وقد تولد عنها مديونية ضخمة أثقلت كاهل المواطن البسيط ودفعت بجحافل العاطلين إلى الفاقة وتتم هذه التطورات في ظل رأي عام بدأ يضيق ذرعا بالأموال المهدورة في سبيل تحقيق “ثورات عربية ” غير مضمونة العواقب. خاصة وان النظام السوري قد اظهر تماسكا ملحوظا خاصة ولقي دعم متين من التحالف الروسي – الصيني ولم يشكل اعتلاء بوتن سدة الحكم في روسيا نبأ سارا لهذا التحالف المضاد ، إضافة إلى أن سقوط سركوزي المدوي سحب منهم ورقة مهمة . لقد كانت تتم هذه التحولات على الساحة الإقليمية والدولية في الوقت انكشفت فيه ألاعيب شيوخ النفط و دسائس دراويش تركيا ومن ورائهم أسيادهم الأمريكان…

وكان الرهان الأول لهذه الانتخابات التشريعية أن تتم في أجواء هادئة وسلمية وان تكون نسبة المشاركة محترمة ولقد نجح الجزائريون في تحقيق التحدي الأول بإجماع المراقبين والملاحظين وباستثناء بعض الأحداث البسيطة في ولايتين أو ثلاثة جرت الانتخابات في أجواء اتسمت بالهدوء وغياب أي مظاهر للعنف والصدامات وكانت نسبة المشاركة معتبرة حيث بلغت نسبة المشاركة 43.14 %.

لقد حيا نواب أوروبيون في البرلمان الأوروبي ، ببروكسل ،
السير ” الحسن ” للانتخابات التشريعية ليوم 10 ماي…. والتي تمثل ”رسالة إيجابية” لدول المنطقة. واعتبر رئيس الوفد ، السيد أنطونيو بانزيري، خلال اجتماع للوفد المكلف بالعلاقات المغاربية بالبرلمان الأوروبي، أن هذه التشريعات تشكل ”خطوة إلى الأمام نحو الديمقراطية في الجزائر”، مشيرا إلى أن المسار الانتخابي جرى في جو تسوده ” الطمأنينة ” وسمح ببروز مختلف الحساسيات السياسية في البرلمان الجديد. كما سجل ارتفاعا في المشاركة خلال هذه التشريعات بالمقارنة مع التشريعات السابقة.

ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية أن نائب رئيس الوفد البرلماني، السيد دافيد غير، حيا ”التسيير الجيد” لبعثة ملاحظي الاتحاد الأوروبي، متمنيا ”تشجيع الجزائر على الاستمرار على هذا النهج.

وبقدر ما توالت البيانات المنوهة بحسن تنظيم الانتخابات وشفافيتها من الدول الأوروبية والأمريكية بل ومن قطر أيضا بقدر ما تواترت بلاغات الأحزاب الإسلامية المعبرة عن خيبة نتائج الانتخابات والمشكك في حسن سيرها.

التيارات الإسلامية الجزائرية بين الإرهاب والمشاركة في للسلطة

ولما افصحت الانتخابات عن نتائجها كان الخاسر “الأول تكتل الجزائر الخضراء” والقوى الاقليمية والدولية التي توقف وراؤه وتتوعد الجزائر وشعبها. لقد كانت هذه النتائج مخيبة لآمال الاسلاميين الجزائريين المشاركين في الانتخابات التشريعية ، فقد حاز “تكتل الجزائر الخضراء ” على 50 نائب و “جبهة العدالة والتنمية “على 8 نواب و “الحزب الوطني من اجل التضامن والتنمية ” على 4 نواب ، في الوقت الذي حصدت فيه جبهة التحرير الوطني 208 والتجمع الوطني الديمقراطي 68 مقعدا و كل من حزب العمال وجبهة القوى الاشتراكية على 27 مقعد لكل منهما.

لقد كانت الصدمة عنيفة حين كشف الصندوق عن سره خاصة بالنسبة لجماعة “تكتل الجزائر الخضراء ” الذي أعلن قائده أبو جرة سلطاني قبل فرز الأصوات أنه الفائز لا محالة و لفرط ثقته في حظوظه شرع في مشاورات لتشكيل الحكومة التي سيرأسها ، ولم تكن صدمة المراهنين على هذه التكتل أقل… لذلك اعتبروا أن الانتخابات الجزائرية استثناء بالنسبة لمثيلاتها التي جرت في كل من تونس والمغرب ومصر .

يرتكز هذا الموقف على فرضية ضمنية تعتبر أن “الربيع العربي ” شكل فرصة لارتقاء القوى الإسلامية إلى سدة الحكم إثر تنظيم الانتخابات التشريعية. وبما أن النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات التشريعية الجزائرية لم تفضي إلى ارتقاء الاسلاميين الى السلطة على خلاف ما تم في تونس و المغرب ومصر فـان “الربيع العربي ” يعتبر مؤجلا في الجزائر…

تستند هذه الفرضية إلى معطية أساسية لا تعلنها ولكن تعتمدها لتشكل القاعدة التي يرتكز عليها حكمها القطعي الذي تصدره بعلاقة بفشل التيارات الإسلامية المشاركة. وملخص هذه المعطية المسكوت عنها هي التطابق الأساسي إن لم يكن الكلي بين طبيعة وأوضاع القوى الإسلامية في البلدان المذكورة والجزائر أي أن القوى الإسلامية الجزائرية المشاركة في الانتخابات التشريعية هي كمثيلاتها قوى معارضة عانت الأمرين من نظام فاسد و استبدادي بمعنى آخر إن لها من الشرعية النضالية ما يؤهلها لأن تكون بديلا للسلطة الحاكمة .
هل يبقى حكمها قطعي وغير قابل للمراجعة لو فرضنا خلاف ذلك أي لو اعتبرنا أن القوى الإسلامية المشاركة في الانتخابات التشريعية الجزائرية هي حليف للنظام الحاكم لم تعارضه قط بل أنها من توابعه واستفادت من منافع تواجدها في السلطة أزيد من عقدين ؟

هذا الإقرار يثير سؤالا لا بد من الإجابة عنه لماذا إذن تتطاول هذه القوى فجأة على حليف الأمس وتستأ سد عليه وتطرح نفسها بديلا عنه وهي التي كانت خادمته الطيعة ؟

يتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة تفحص مدى تمثيلية القوى الإسلامية المشاركة ووزنها صلب الحركة الإسلامية الجزائرية ؟ والأهم من ذلك تحليل الفرص المتاحة لها ضمن القوى المنافسة لها وذلك على ضوء الرهانات والتحديات التي تنطوي عليها هذه الانتخابات التشريعية.

لقد شكلت “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ” المرجع والرمز لجميع التيارات الاسلامية الإخوانية والسلفية الجهادية بالرغم من إن منتسبي هذه الجمعية كانوا من خريجي جامع الزيتونة والأزهر ومتشبعين بالفكر الإصلاحي الديني الذي نادى به كل من جمال الدين الأفغاني و محمد عبدو والطاهر بن عاشور …لدرجة أن جمعية علماء الجزائر عملت في تحالف وثيق منذ النصف الثاني من الأربعينات مع كل “أنصار البيان الديمقراطي ” ذي التوجه الليبرالي بقيادة فرحات عباس ومع “الحزب الشيوعي الجزائري” بينما فضل “حزب الشعب ” السري وواجهته العلنية “أنصار الحريات الديمقراطية ” بزعامة مصالي الحاج ذي التوجه العربي الإسلامي العمل بمفرده وفي تباين مع الخط السياسي الإصلاحي لهذه التحالف.

ومع انطلاق الثورة التحررية في نوفمبر 1954 وتصلب عودها سنة 1956 التحق أعضاء “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ” بجبهة التحرير الوطني بصورة فردية وحل تنظيمهم كباقي الأحزاب الجزائرية.
لقد نشأت التيارات الإسلامية الجزائرية صلب جبهة التحرير الوطني وترعرعت داخل أجهزة النظام الجزائري على خلاف مثيلاتها المصرية والتونسية. وقد بدأت التيارات الإسلامية ذات التوجه الاخواني تفصح عن ذاتها خلال السبعينات وذلك كرد فعل على التوجهات التقدمية للنظام الجزائري.

إلا ان التغيير ذي المنحى أليبرالي الذي ادخله النظام الجزائري على سياسات الاقتصادية في الثمانينات قابلته معارضة شديد من القوى التقدمية المتواجدة صلب الحركة الطلابية و النقابات العمالية فعمد إلى مواجهتها بتشجيع التيارات الاسلامية الإخوانية. ولم يكن للإسلاميين أثر يذكر في تفجر أحداث 8 أكتوبر 1988 التي أجهضت على نظام الحزب الواحد. لكن عشرية التسعينات كانت إسلامية بامتياز.

فلقد تأسست “جبهة الإنقاذ الإسلامي ” في 18 فيفري 1989 علي يد كل من عباسي مدني وعلي بالحاج وتم اعتمادها من قبل وزارة الداخلية في 6 سبتمبر من نفس السنة. كما أسس محفوظ نحناح “حركة المجتمع الإسلامي” بتاريخ 6 ديسمبر 1990 .

والجدير بالذكر أنه مع مطلع التسعينات انقسمت الحركة الاسلامية الجزائرية الى تيارين متباين كأشد ما يكون التباين:

– تيار القطيعة مع النظام القائم والذي اعتمد العنف منهجا لتغييره وتغيير ما يعتقد انه فساد المجتمع والدولة وذلك بعد إيقاف العملية الانتخابية في 1991 . فكانت نتيجة هذا العنف أن المجتمع كاد يتفكك و الدولة تدمر. و كانت “جبهة الإنقاذ الإسلامي ” والسلفية الجهادية الممثلة في “جماعة الدعوى والقتال ” أهم تعبيرات هذا التوجه.
وبعد عشرية من الإرهاب والخراب قبلت جبهة الإنقاذ بالسلم حسب شروط النظام القائم وتشتت فلول الجماعات السلفية الجهادية التي رفضت المصالحة وبايعت القاعدة.

– تيار تشاركي قبل بالعمل في ظل النظام السائد والواقع الذي تمخض عن إيقاف الانتخابات التشريعية لسنة 1992 وذلك قصد تغييره من الداخل وقد شكلت “حركة المجتمع الإسلامي ” و “حركة النهضة ” و “حركة الإصلاح الوطني ” أهم تعبيرات هذا التيار التشاركي.

لقد تأسست “حركة المجتمع الاسلامي ” “حماس ” سنة 1990 على يد السيد محفوظ نحناح وهي الفرع الجزائري لـ”لتنظيم العالمي للإخوان المسلمين ” وقد غيرت الحركة اسمها ليصبح »حركة مجتمع السلم « “حمس ” تماشيا مع قانون الأحزاب الذي أصبح يمنع تكوين الأحزاب الدينية. و بعد تمثيلها في المجلس الوطني الانتقالي 1994 و مشاركتها في الحكومة منذ 1996 ثم انضمامها إلى الإتلاف الرئاسي في 16 فيفري 2004 إلى غاية 15 ماي 2012 موعد تنظيم الانتخابات التشريعية يمكن الجزم دون خطأ أن حركة حماس تحولت إلى طرف أساسي في السلطة كشريكيها في الإتلاف الرئاسي مع جبهة التحرير الوطني والتجمع الديمقراطي الوطني . وهي بهذه الصفة طرف أساسي في الإتلاف الرئاسي و تتحمل كمثيليهما تبعات تسيير شؤون الدولة بجوانبها الايجابية أو السلبية.

و لعل أحد النتائج المترتبة عن هذه المشاركة في السلطة هي الانشقاقات والانقسامات العديدة التي ترتبت عنها بسبب ما اعتبره منتقديها فقدان لاستقلالية القرار والروح النقدية في علاقتها بأطراف التحالف الرئاسي.
وقد كانت مغادرة عبد المجيد مناصرة (نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي 1994 -1997 ثم وزير الصناعة 1997-2002 ثم عضو بالمجلس النيابي منذ 2002 إلى اليوم) وأنصاره الحركة اثر المؤتمر الرابع في ماي 2008 أهم هذه الانشقاقات وأخطرها. وقد أسس وأنصاره “جبهة الدعوة والتغيير ” في أفريل 2009 والتي اعتمدت تحت مسمى “جبهة التغيير ” في 2012.

أما “حركة النهضة ” فقد تأسست في مارس 1989 على يد السيد عبد الله جاب الله والتي فصل منها سنة 1998 . فأسس ” حركة الإصلاح الوطني ” في 29 جانفي 1999 والتي أصبحت بعد انتخابات 2002 القوة الثانية في البلد. وقد شقت هذه الحركة أيضا تناقضات عميقة موضوعها المشاركة من عدمها في الحكومة وكان السيد عبد الله جاب الله أشد المعارضين لنهج المشاركة. و قد نقلت هذه الخلافات أمام المحاكم التي حسمت الأمر لفائدة خصوم السيد عبد الله جاب الله الذي غادر ” حركة الإصلاح الوطني ” في 2007 و أسس “الجبهة من أجل العدالة والتنمية ” التي وقع اعتمادها سنة 2012.

تلك هي أوضاع الحركة الاسلامية الجزائرية . فما هو موقف كل فصيل من العملية الانتخابية؟

يعتبر “تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي ” السلفي الجهادي الديمقراطية كفر لذا لا يعتبر نفسه معني بهذا الاستحقاق. إن قاموسه السياسي لا يتضمن مثل هذه المصطلحات وأجندته لا تحتوي على هذه الاستحقاقات و هو يستعيض عنها بمصطلحات اخرى كالتكليف الشرعي والبيعة والشورى..الخ.

أما “جبهة الإنقاذ الإسلامي ” التي تتعامل مع الديمقراطية كمجموعة من الإجراءات معزولة عن إطارها القيمي والمبدئي ( ليست نظام حكم يستند إلى فلسفة وقيم للإنسان و للشرعية في الحكم ) وإنما جملة من التراتيب الموصول للحكم بأقل التكاليف- فإنها دعت لمقاطعة الانتخابات التشريعية لكونها لا تزال محظورة من كل نشاط سياسي.

أما باقي التشكيلات الاسلامية التي قررت المشاركة في هذا الاستحقاق فإنها تنتمى كلها للتيار الإسلامي التشاركي… وقد خاضت غمار الانتخابات التشريعية بصورة منفصلة بعضها عن بعض. و يأتي على رئسها ” تكتل الجزائر الخضراء ” وهم تحالف ضم كل من ” حركة مجتمع السلم ” بقيادة أبو جرة سلطاني و”حركة النهضة ” بقيادة فاتح ربيعي و”حركة الإصلاح الوطني ” بقيادة حملاوي عكوشي. إلى جانب كل من :”جبهة التغيير ” بقيادة السيد عبد المجيد مناصرة و”الجبهة من أجل العدالة والتنمية ” بقيادة السيد عبد الله جاب الله . و الجدير بالذكر ان هذين التشكيلات لم يقع اعتمادهما رسميا إلا بعد جانفي 2012.

أن المثير للدهشة والاستغراب هو التبدل المفاجئ الذي طرأ على موقف رئيس “حركة مجتمع السلم ” منذ مطلع 2012 وبشكل خاص على مواقف أمينها العام السيد أبو جرة سلطاني الذي تحول بين عشية وضحاها الى معارض عنيد و صاحب مواقف حاسمة وهو الذي بارك وثمن كل سياسات النظام قبل ذلك التاريخ. فما سر هذا التحول المفاجئ ؟

لما سئل السيد علي بالحاج عن طبيعة تكتل أبو جرة سلطاني أجاب بأنه “تكتل أحزاب الخنوع ” وذكر في سياق آخر “أنه لو أتيح لي أن أختار في الانتخابات القادمة فاني بالتأكيد لن أختار سلطاني بل سأختار لويزة حنون ” . وليس في هذا القول أية مغالاة .

لأنه حين كانت أمينة حزب العمال السيدة لويزة حنون الشيوعية تنادي بإيقاف الأعمال الحربية والتفجيرات و التعذيب وإطلاق سراح الموقفين والعفو العام والإصلاحات السياسية…وتجتمع مع ثلة من خيرة قيادات الجزائر أمثال الزعيم الراحل أحمد بن بلة والأمين العام لجبهة التحرير وقتها السيد عبد الحميد مهري والزعيم التاريخي حسين آيت أحمد في سانت أهدجو بروما في جانفي 1995 للبحث عن صيغ للمصالحة الوطنية تجنب الجزائر الاقتتال- كان سلطاني وحلفائه الاستئصالين يتهمونها وباقي الزعماء الوطنيين بالتواطؤ مع الإرهاب .

أما حلفاؤه من حركتي النهضة والإصلاح الوطني فإنهما من نفس طينته إذ انقلبا كليهما على السيد عبد الله جاب الله المؤسس الحقيقي والفعلي لحركة النهضة ولحركة الإصلاح الوطني. كما ساهم سلطاني بدوره في تغذية هذه الانشقاقات وفي تهميش السيد عبد الله جاب الله لعدم قبوله المشاركة في الحكومة رغم أن عدد ممثلي حركته في البرلمان والمجالس الولائية والبلدية كانت أكثر من حزب سلطاني. لذلك خير السيد عبد الله جاب الله خلال هذه الانتخابات أن ينئ بنفسه عن هذا التحالف ويتقدم بمفرده على أن ينضم إلي تكتل سلطاني الذي طالما توسل له لينظم إليهم وهو الذي اكتوى بنار مؤامراتهم وانقلاباتهم . وكذا فعل السيد عبد المجيد مناصرة الذي انشق عن حركة سلطاني بسبب تبعية للسلطة.

ما الذي دفع إذن السيد أبو جرة سلطاني المهندس الفعلي لـ”تكتل الجزائر الخضراء” إلى إتباع سلوك التصيد مع السلطة ثم الانسحاب من التحالف الرئاسي وهو الذي شهر بالمظاهرات الشعبية التي عرفتها الجزائر في أعقاب الثورة التونسية.

أن المتبع لشأن الجزائري ليلاحظ أنه لم يطرأ جديد بالجزائر يدفع سلطاني أو حزبه لتغيير السياسة التي توخاها منذ ما يقارب عن عقدين وهي سياسة المشاركة في دواليب الحكم دون إبداء تباين واضح.

أن ما تغيير في واقع الأمر هي الأوضاع الإقليمية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين والمغرب وسوريا…بعد 14 جانفي 2011 تلك التغييرات التي أصبح يطلق عليها تسمية الربيع العربي والتي تمخضت في نهاية المطاف على صعود الحركات الاسلامية الاخوانية إلى سدة الحكم . وألقت هذه التحولات بضلالها على الجزائر وأفرزت تهديدات تمس ليس فقط طبيعة النظام الجزائري وإنما أيضا وهذا الأهم سيادة الجزائر واستقلال قرارها الوطني وسيادتها الوطنية على ثرواتها.

وقبل مناقشة توزيع السلطة والثروة لا بد وأن تكون هذه الثروة وهذه السلطة بين من يريدون تقاسمها.

عديدة هي القوى السياسية التي هي غير راضية بالمرة على التوزيع الحالي للسلطة والثروة بالجزائر ولكنها لتغيير هذه المعادلة تعتمد قبل كل شيء على الشعب الجزائري وقواه المناضلة ولا تبحث عنها من وراء البحر عن الأمريكان والفرنسيين وشيوخ النفط لأن ما يهم هؤلاء هو السيطرة على مقدرات الجزائر وإخضاع قرارها الوطني لمشيئتهم.
لقد شكل سلطاني تكتله الأخضر في مارس 2012 أي شهرين قبل تنظيم الانتخابات. و صعد من لهجته لدرجة أنه بشر بفوز تكتله قبل تنظيم الاقتراع وسعى إلى تشكيل حكومة قبل الإعلان عن النتائج. لكن النتائج جاءت مخيبة لآماله وآمال حلفائه في الخارج و الذين تخلوا عنه بسرعة تثير أكثر من سؤال… لقد زار السيد أبو جرة سلطاني تونس بعد شهر أو يزيد عن الثورة وأصدر عنها كتيب ثم زار تونس ثانية بعد فوز النهضة ليهنئها على فوزها في الانتخابات وقد استقبل كل مرة من قبل قيادة النهضة. كما استقبل بدوره السيد راشد الغنوشي عند زيارته للجزائر وصاحبه إلى مدينة البلدية للترحم على قبر صديقه محفوظ نحناح الذي أكرم وفادته عند هروب الى الجزائر.

والمعلوم أن السيد أبو جرة واسمه الحقيقي بوقرة سلطاني يعرف تونس جيدا ، و كان وقيادات حزبه مدمنين أيضا على حضور الندوات التي ينظمها حزب “التجمع الدستوري الديمقراطي” المقبور حول” التغيير و الديمقراطية أو “التحول وحقوق الإنسان” عشية الاحتفالات بـ”السابع من نوفمبر المجيد” كما كان الوزراء المنتمين لحزبه متعودون على استقبال بن علي لهم بقصر قرطاج ، وهو ما كان يثير حفيظة السيد الغنوشي الذي لم يوجه أبدا لومه لإخوته من الاسلاميين الجزائريين بل كان يتهم بن علي بالتعامل بمكيالين مع الاسلاميين حيث يلقي بالتونسيين منهم في غياهب السجون أو المنافي ويستقبل نظائرهم من الوزراء الجزائريين.

إن المحصلة النهائية لانتخابات الجزائر لا بد وأن تقرأ على ضوء الأوضاع الجديدة التي تحف بالمنطقة….و هي بالتأكيد تتطور لغير صالح قوى الهيمنة الدولية والردة الاخوانية …. وأن قوى التقدم الاجتماعي والتحرر الوطني تكسب يوما بعد يوم مواقع جديدة وتعزز مكانتها على الصعيد الدولي والعربي… رغم الانتكاسات الظاهرية… فالقوات الغازية خرجت منهزمة من العراق وهي بصدد الجلاء عن أفغانستان زيادة على تخبطها في أزمات اقتصادية ومالية متتالية لا تنتهي في مقابل صعود قوى جديدة اقتصادية الصين والبرازيل والأرجنتين… وعقدها لتحالفات جديدة فاعلة تتشكل عنصر مهم لمقاومة القطب الواحد وحلفائه …

ومما لاشك فيه ان لهذا الأوضاع انعكاسات على الوطن العربي ومنطقة المغرب العربي …

إن النهوض الجماهيري العربي وتداعي الدكتاتورات التي كانت السند الرئيسي للهيمنة الغرب على الوطن العربي وعربدة إسرائيل في المنطقة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفضي إلى هيمنة جديدة للغرب وللقوى قد تكون أكثر استبداد ورجعية من سابقاتها لان المد الثوري مازال متواصل …لذلك فإن انكسار المد الاخواني على مرافئ الجزائر التي صمدت لأكثر من عقد ضد الارهاب الاسود المدعوم من شيوخ النفط وحلفائهم و في عزلة عربية ودولية تامة وأوضاع تتسم بسيادة القطب الواحد وتراجع المد التحرري والثوري قد تكون له اكثر من دلالة…نعم :انت انتخابات الجزائر استثناء …لكن هذا الاستثناء لم يكن تأجيل للربيع العربي وإنما استعادة لمساره الطبيعي التحريري الاجتماعي والوطني…