بالابتعاد قليلا عن رد الفعل العاطفي المنفعل وبعد قرابة أسبوع عن إعلان رئيس الجمهورية تطبيق الفصل 80 من الدستور التونسي يمكن أن نستخلص جملة من العبر والمؤشرات.

قبل البداية وجب الانطلاق أولا بالتذكير بأن كل المتابعين للوضع السياسي ولحدود يوم 24 جويلية 2021 يقرون بكون الانحدار والتعفّن الذي بلغه الوضع السياسي وانسداد الأفق لانعدام وجود حلول قابلة للتحقيق لانفراج الأزمة التي بلغت المحظور بما لا يمكن الخروج منها باعتماد الآليات المعتادة للخلاص.

الأزمة والخلاص

إنّ تنفذّ العصابات والمافيات المتزاوجة مع المنظومة السياسية والحزبية ورأس حربتها النهضة وإخضاعها لمزيد تحصيل الربح الجشع على غير وجه حق، وحصيلة الخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتجته سنوات حكم هذه المنظومة، والمصادقة على القوانين والتشريعات من قبل العصابة-الأذرع البرلمانية المحفّزة لثقافة الافلات من العقاب (قانون المصالحة الإدارية، مشروع قانون مخالفات الصّرف عدد 104 لسنة 2020، الخ) والقاتلة للحلم والناسفة للعدالة الانتقالية واختصارها في التعويضات (على وجاهة المطلب) بدل المساءلة والمحاسبة وجبر الضرر ثم اصلاح المؤسسات فالمصالحة، كل هذا وغيره أدى للعجز عن التفكير في المخارج من هذا السرداب المظلم قبل 25 جويلية 2021.

هو في الحقيقة سرداب الانتقال الديمقراطي الأجوف المنبت والخالي من مطالب الثورة والعدل، وهو كذلك سرداب الديمقراطية الشكلية المعلّبة في الشركات العابرة للقارات والخالية من مقومات العدالة وسيادة القرار الوطني.

ولنا في الديمقراطية الفاسدة مثالا لصعود بابلو إسكوبار أكبر رموز المافيا للبرلمان الكولومبي سنة 1982 ديمقراطيا عبر الصندوق.

فالديمقراطية الحقيقية لا تقام على أسس فاسدة ومشاريع فاسدة وقضاء موالي وفاسد، لأن هذه الديمقراطية ستكون فاسدة تشرّع للسرقة والافلات من العقاب.

إذن قد يكون تطبيق الفصل 80 من الدستور بداية الخلاص والخروج من الأزمة.

بين ”الانقلاب“ و”خديعة الانقلاب“

إن الاقتصار على التأصيل القانوني لتأويل الفصل 80 واعتباره مخالفا للدستور يصل حتى اعتباره انقلابا فيه من الوجاهة لمن يُسرِفُ في اعتبار ما حصل انقلابا، لكن لو سلمنا بكون لهذا التأصيل مشروعية وجب العودة لبدايات المسار الانتقالي انطلاقا من الأحكام الانتقالية وخاصة المحكمة الدستورية التي نص الدستور على ضرورة تشكيلها في أجل أقصاه سنة بعد الانتخابات التشريعية التي تمت في 2014، وهي لم ترَ النور إلى يومنا هذا، وهو ما يعني كون القراءة القانونية الصِّرف تدفعنا لمعاينة الخروج عن الدستور منذ 2015 وليس في 25 جويلية 2021.

وحتى تولّي رئيس البرلمان محمّد الناصر مهامّ رئاسة الجمهورية في جويلية 2019 بعد وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي إثر معاينة الشّغور الدائم بالاعتماد على الفصل 84 من الدستور يعتبر غير قانوني، لكون الاحتكام للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين في معاينة الشغور الدائم بدل المحكمة الدستورية هو إجراء غير دستوري.

إذن فالانطلاق من المقاربة القانونية للتأصيل والمحاججة للبحث في الإجراءات المتخذة في تطبيق الفصل 80 من الدستور وعلى وجاهة التأويل باكتنافها لإخلالات إجرائية تعد تواصلا لثقافة ”التساهل والتغاضي“ في الاحتكام للدستور. وهي مقاربة لم تنطلق يوم 25 جويلية 2021 بل منذ 2015 الى اليوم، وبالتالي وجب تقييم كامل المسار عند معاينة الانحراف كي يكون للتقييم وجاهة ومصداقية.

هذا يدفعنا للتحذير من تواصل هذه الثقافة وهذه العقلية في التعامل مع الدستور لا من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد فقط بل وبأكثر منه من قبل منتقديه ومعارضيه من الذين زكَّوْا المنظومة السياسية وشاركوا فيها بشكل أو بآخر وتغاضوا في أكثر من محطة على عدد من الخروقات المسجلة.

وإن صحّ القول بأن ما فعله قيس سعيد يعتبر انقلابا فيصح توصيفه ”بانقلاب على منظومة المنقلبين على الثورة“.

هاجس انقلاب 1987

جزء من النخبة السياسية التي اعتبرت ما حصل انقلابا على الدستور من جيل اكتوى بأحداث انقلاب بن علي سنة 1987، فكان رد فعلهم المتسرّع على أحداث 25 جويلية 2021 استحضار لتلك الأحداث وربط غير متشابه بين الحدثين، لكن الفرق شاسع وبيّن.

لا يمكن أن نشابه بين إطار أمني أعدّ الدسائس لينقلب على رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة برئيس جمهورية متحصّل على أكثر عدد من الأصوات من 2011 إلى اليوم، وهرع لإيقاف النزيف، فالسياقات والمواقع مختلفة.

هذا الجيل وعن حسن نية أسقط من حساباته ووسائل تحليله جملة التغيرات الحاصلة في العالم وتجاهل الأحداث الميدانية والقوى الشبابية الحيّة التي راكمت تجربتها طيلة 10 سنوات بما يجعلها ضميرا يقظا في مواجهة أي محاولة للانحراف عن تصحيح المسار، ومجتمع مدني ثري وعنيد لن يخضع لو حصل مسّ بالحقوق والحرّيات أو نزوع للتفرد بالسلطة.

لكن اليقظة تبقى مطلوبة.

الطور الثاني من المسار الثوري

المرحلة الحالية يمكن أن تكون بمثابة الفرصة لإحداث الرجّة التاريخية، أو هي الطور الثاني من المسار الثوري الذي وجب أن ينتقل للإصلاح المتعطل من 2011 الى اليوم، فالثورة التي فجّرت البنى الفوقية للمنظومة فشلت أو تمّ إفشالها في تثوير البنى التحتية للمنظومة والتي أعادت التموقع من جديد بالاعتماد على القوى السياسية الوافدة حديثا.

ومن هذا المنطلق وجب التعامل مع تطورات الوضع السياسي في علاقة بتقييم ما بعد 25 جويلية 2021 انطلاقا من تقييم إدارة المرحلة للرئيس قيس سعيد في علاقة بالتحديات التي تحدّث عنها كثيرا، لكننا ولحد الآن لم نر منها إلا النّزر القليل.

حيث لا تكفي الوعود التي قطعها والتصريحات التي أدلى بها للمنظمات الوطنية بكونه لا ينوي الخروج على الدستور أو المسّ من الحريات العامة والخاصة، بل إنه مطالب بإجراءات عملية تضمن هذا التمشي وهذه الوعود.

هذه التحديات التي تنقسم الى قسمين، الأوّل يتمثل في النظام السياسي الذي دافع عنه قيس سعيد قبل حتى ترشحه للانتخابات الرئاسية وخلال حملته التفسيرية في علاقة بالديمقراطية المباشرة التي يرى أنها أنجع من الديمقراطية التمثيلية، وله الحق في ذلك لكن بعد أن يعود للشعب لاستفتائه، وبالتالي وجب أن يحصل حوار مجتمعي واسع للوقوف على نقاط قوة وحدود كلا النظامين.

أما التحدي الثاني وهو الأهم في اعتقادي (على الأقل في المدى القريب) هو مدى قدرة رئيس الجمهورية قيس سعيد على اختراق منظومة الكارتيلات والمافيات (سياسية ومالية) وتقويضها من الداخل، وكبح جماح عصابات الاقتصاد الريعي التي سيطرت على الثروات الوطنية ونسفت الاقتصاد الوطني، والتي سبق وأن أدانها كثيرا في خطاباته إما بالإيحاء أو بالإشارة، لذلك لا أعتقد بكون النائب ياسين العياري أو النائب فيصل التبيني أو حتى النائب سيف الدين مخلوف عنوان لهذه المنظومة الخطيرة.

إيقاف الانهيار وتصحيح المسار

إيقاف الانهيار وتصحيح المسار وجب أن ينطلق أولا بمحاسبة المنظومة الخطيرة التي عانى منها التونسيين طويلا والتي سرقت ونهبت وقتلت ثم أفلتت من العقاب، وهي اليوم تسعى إلى إعادة التموقع من جديد عبر وكلائها من القوى الاقليمية والدولية المهيمنة، كما أعادت سابقا التموقع إثر 2011 (وما بلاغ الغرفة النقابية الوطنية للمساحات التجارية الكبرى بإعلان تخفيض أسعار المواد الاستهلاكية بعد طلب رئيس الجمهورية ذلك إلا محاولة من الحيتان الكبرى والمهرّبين إلا إعادة التموقع من جديد…).

إيقاف الانهيار وتصحيح المسار ينطلق بمراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والمالية الفاشلة.

إيقاف الانهيار وتصحيح المسار ينطلق بمراجعة المنوال التنموي وإيجاد حلول للمديونة المتفاقمة وللارتهان للمؤسسات المالية المانحة.

إيقاف الانهيار وتصحيح المسار ينطلق كذلك من تخليص التونسيين وبشكل سريع من الجائحة بتعميم التلاقيح وإعلان كل الإجراءات التي تحمي المجتمع من تواصل انتشار العدوى.

لرئيس الجمهورية فرصة تاريخية حقيقية لمعاهدة الشعب والوطن والتاريخ لحفظ الأمانة كما كان يصرح دائما، وذلك بتركيزه على محاربة صارمة وجدية للفساد والعصابات التي نخرت الدولة بدل تركيزه على ملفات ثانوية في الاسبوع الأول والثاني من الاجراءات التي اتخذها.

لرئيس الجمهوري أقول: ”حذارِ من النصائح الخادعة للبطانة التي تحاول التقرب منك كما فعلت مع سابقيك، فنفاق جزء منها أصبح مِلْحا في الطعام، تأكل من كل الموائد التي تضمن لها التخمة والشبع، وفي نصائحها دسائس ومكر“.

ما العمل الآن؟

المطلوب من رئيس الجمهورية في المرحلة القادمة وبعد قرابة الأسبوعين من تطبيق الفصل 80 أن ينطلق فورا في وضع خارطة طريق متكاملة للمرحلة الانتقالية، تبدأ بتشكيل حكومة إنقاذ مصغّرة برئاسة شخصية وطنية محل إجماع واسع تستعد للقيام بكل الإصلاحات المالية والاقتصادية المستعجلة، والقيام بمشاورات واسعة لتعديل النظام السياسي والقانون الانتخابي قبل عرضه على الاستفتاء الشعبي ثم تحديد موعد للانتخابات السابقة لأوانها، وضمان محاكمات عادلة لكل من أجرم واستأثر بمقدّرات الدولة في المحاكم المدنية لا في المحاكم العسكرية.

ما دون ذلك فخطر الانحراف عن مسار التصحيح يبقى قائما ومواجهته أمر حتمي.