تتواصل الأزمة التي يعيشها الإتحاد العام التونسي للشغل لتأخذ ابعادا أكثر تعقيدا وتركيبا، سواء تعلّق ذلك بالأزمة الداخلية أو بمساعي السلطة للتخلّص منه، مما جعل مثلا التخلي عن تنفيذ الإضراب العام الذي كان مقررا ليوم 21 جانفي، بطريقة لم تعهدها المنظمة على مرّ تاريخها، يتحوّل إلى حدث هامشيّ غطّت عليه مستجدّات أخرى، على رأسها إيقاف العمل بالاقتطاع الآلي أو الطوعي من أجور العاملين في الوظيفة العمومية والقطاع العام، للانخراط في المنظمة النقابية الأولى بالبلاد.
عودة الأمين العام للمنظمة نور الدين الطبوبي عن استقالته في 14 جانفي الماضي، إثر تجاوز الآجال القانونية لإمضائه برقية التنبيه بالإضراب العام، صاحبها تأكيد بأن الهيئة الإدارية ليوم 22 جانفي الماضي، ستثبّت له تاريخا جديدا، لكنها رحّلت الملفّ للمؤتمر الاستثنائي المقرّر عقده أيام 25 و26 و27 مارس 2026 بالمنستير. استقالة فتراجع لم يصاحبه توضيح رسمي من المنظمة، بل اكتفت مجموعة التسعة داخل المكتب التنفيذي، بإصدار بيان في 13 جانفي الماضي أشار إلى أن تعطّل إصدار برقية التنبيه بالإضراب في موعدها سببه استقالة الأمين العام ”المفاجئة“.
وكان من الواضح أن تحميل الطبوبي مسؤولية تأجيل الإضراب العام أو ”العبث بالمواعيد“، وفق تعبير مجموعة التسعة، إشارة بأن الأزمة الداخليّة والخلاف على عقد المؤتمر الاستثنائي ألقى بظلاله على تنفيذ الإضراب العام في تاريخه المُحدّد وجعله محلّ مقايضة، بالإضافة إلى المُعطى الأهمّ والمتمثّل في تأكيد غير مُباشر بأن الطبوبي غيّر موقفه وموقعه من الأزمة الدّاخليّة بالتحوّل من رافض لعقد مؤتمر استثنائي إلى تبنّي موقف عقد مؤتمر إنتخابي قبل موعده.

تغيير كلّي في موقف الطبوبي بعد أكثر من سنة من رفضه لطرح مُغادرته لمنصبه قبل انتهاء عُهدته، يبدو أنه يعود إلى رغبة الرّجل في الخروج الآمن خاصة في ظل الوضع السياسي العام المُتّسم بالانغلاق وتهديدات قيس سعيد المتكررة، بالإضافة إلى الانسداد الحاصل داخل المركزية النقابية طيلة أكثر من سنة ممّا جعل إمكانية مواصلة القيادة الحالية لعهدتها غير ممكن عمليّا بعد فقدانها للحدّ الأدنى من التجانس.
تجدر الإشارة إلى أن مجموعة التسعة تظمّ كل من سامي الطاهري وفاروق العياري وحفيظ حفيظ ومحمد الشابي ومحسن اليوسفي وعبد الله العشي وسمير الشفي وهادية العرفاوي وسهام بوستة، فيما تظم مجموعة الأربعة كل من أنور بن قدور وصلاح الدين السالمي وعثمان جلولي والطاهر المزّي، مع الإشارة إلى أن تسميتهم منذ اندلاع الأزمة كان مجموعة الخمسة لتواجد منعم عميرة معهم قبل وفاته، لتتغيّر تسميتهم بعد ذلك إلى مجموعة الأربعة.
الاقتطاع والأزمة المالية
في الفترة التي تلت إمضاء العقد الاجتماعي بين السلطة واتحادي العمال والأعراف، طرحت الحكومات المتعاقبة تركيز المجلس الوطني للحوار الاجتماعي من خلال أمر حكومي، لكن أمين عام المنظمة حسين العباسي رفض قطعيّا مطالبا بالتوصّل إلى قانون أساسي يُحدث المجلس على ضوءه، عوضا عن احداثه بأمر حكومي سريع وبالتالي تجنب تحويله إلى ورقة مساومة وضغط بيد السلطة. فرغم أن المجلس حاليّا مجمّد أو معطّل بسبب عدم تعيين الحكومة لممثليها فيه، إلا أنه لا يزال قائم الذات ويُمكن استئناف مهامه في أي وقت خلافا لما كان سيحلّ به لو كان مّحدثا وفق أمر حكومي.
فكل ما يحدث بأمر حكومي يمكن التراجع عنه بأمر حكومي آخر مثال ذلك ما حصل في قضية الاقتطاع المباشر للانخراط باتحاد الشغل، فالاقتطاع أو الخصم لا ينظّمه أو يفرضه أي نصّ قانوني تونسي واضح، حيث يمكن تصنيفه كعُرف دارج أو آليّة مُحبّذة لتسهيل عمل النقابات، وتُستمدّ أساسا من الاتفاقيتين الدوليتين عدد 87 و151 اللتان تنصان على تقديم تسهيلات للنقابات بما فيها الاقتطاع الآلي المباشر من الأجور، ليقتصر تنفيذ تلك الآلية على منشور حكومي يصدر مطلع كلّ سنة عن رئاسة الحكومة ويُوجه لكل الهياكل والإدارات التابعة للدولة، وهو ما خالفته حكومة الزعفراني مع بداية 2026 بأمر من سعيّد، وصفته قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل بأنه إجراء عقابي لا يخرج عن دائرة محاولات إلغاء المنظمة ومحاصرتها بكل الطّرق.
فبعد سنوات من الإشاعات التي تتزامن مع فترة إصدار منشور الاقتطاع الآلي، والتي تفيد بإمكانية قطعه مع الترويج لفكرة الانسلاخ عن المنظمة، اختار سعيّد التوقيت المناسب للعب ورقة قطع مداخيل الانخراط الآلي لمزيد تعميق أزمة اتحاد الشغل وادخاله في أزمة ماليّة تنضاف إلى الأزمة المركّبة التي يعيشها داخليّا، والتي لا يُمكن التنبّؤ بمآلاتها.

في تعليقه على هذا الإجراء، اعتبر الناطق الرسمي للمنظمة سامي الطاهري، أن قرار إيقاف العمل بآلية الخصم المباشر من أجور الموظفين بعنوان الانخراط النقابي ”إجراء سياسي عقابي“، مشيرا إلى أن هذا الإجراء العقابي ليس الأوّل حيث لجأت إليه حكومة محمد مزالي قبل الشروع فيما اُطلق عليه حينها بـ ”الإصلاح الهيكلي“ لضرب الإتحاد، كما أضاف الطاهري، ”هذا الإجراء يهدف إلى إضعاف قدرة النقابة على العمل وانتهاك الحق النقابي وهذه الخطوة تندرج ضمن سلسلة من التضييقات شملت إلغاء التفرغ النقابي، غلق باب التفاوض، والتراجع عن الاتفاقيات المبرمة، وصولاً إلى محاكمة النقابيين“.
حلول للأزمة الماليّة
كحلّ للأزمة المالية التي ترتّبت عن إيقاف العمل بالاقتطاع الآلي، أقرت الهيئة الإدارية الأخيرة لاتحاد الشغل، المنعقدة في 10 فيفري 2026، اعتماد آليات أخرى لتوزيع بطاقات الانخراط عبر هياكل المنظمة بمختلف درجاتها، وتكون الانخراطات سنوية بمبلغ 36 دينارا لأعوان الوظيفة العمومية والقطاع العام بعد أن كان الاقتطاع شهريّا، و10 دنانير للمتقاعدين، ويتم ذلك عبر التواصل مع الهياكل المعنية أو عبر تحويل بنكي لحسابات المنظمة في انتظار تركيز منصّة خاصة، فيما بقيت الإنخراطات في القطاع الخاصّ على حالها باعتبار أن تمكين منخرطي القطاع الخاصّ من بطاقاتهم يكون بصفة سنوية ومن طرف الإتحاد الجهوي للشغل التابعين له ترابيّا، وبمبلغ 15 دينارا سنويّا.
بالإضافة إلى ما سبق ذكره، تعيش المنظمة الشغيلة على وقع أزمة ماليّة سبقت حتى القرار العقابي، ما دفع إلى تخصيص حيّز كبير من الهيئة الإدارية الوطنية المنعقدة في 10 فيفري، إلى توضيح الوضعية المالية للمنظمة والحلول المقترحة لتجاوزها خاصّة أنه في حال تواصل الوضع على ما هو عليه فإن تمكين موظفي الإتحاد من أجورهم لن يكون مؤكّدا، وعليه تم طرح بيع مقرّ المنظمة بجهة حيّ الخضراء بالعاصمة بمبلغ يُناهز الـ50 مليون دينار خاصة في ظل عدم استغلاله لارتفاع تكاليف صيانته، فيما تمثّل الطرح الثاني في بيع أسهم الإتحاد في إحدى شركات التأمين مع تداول مبلغ مقترح في حدود الـ30 مليون دينار، وفق مصادرنا داخل الهيئة الإدارية الوطنية دون أن تأكيد رسمي من الاتحاد أو حتى الإشارة إلى المقترحات المذكورة في البيان الصادر عن الهيئة الإدارية.
حالّيا لا يزال اتحاد الشغل في مرحلة التحسيس والتوعية بأهمية الانخراط الطوعي، والتي انطلقت منذ حوالي الأسبوعين عبر عدد من الآليات بما فيها الاتصال المُباشر بالعمال من طرف النقابات الأساسية والجهوية، في انتظار فتح باب الإنخراطات بالصيغ التي أقرتها الهيئة الإدارية الوطنية كبديل عن الاقتطاع الطوعي أو الآلي من الأجور الذي كان بقيمة تبلغ حوالي 3 دنانير شهريّا.

عناصر مُشتركة لكل الأزمات وخصوصيات كل منها
الباحث في تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل، رضا مقني يرى، من خلال حديثه لنواة، أن الاتحاد عاش منذ سنة 1956 عدة أزمات تتقاطع في عنصر هجوم النظام على العمل النقابي من خلال تغذية الصراعات والانشقاقات أو محاصرة النشاط النقابي مع وجود خصوصيّات لكل أزمة، وارتباط كل الأزمات بمحاور تتمثل في استقلالية المنظمة السياسية والتنظيمية عن الحزب الحاكم والسلطة ونضالية المنظمة ومدى تجاوبها مع مطالب الشغالين المادية والمعنوية، بالإضافة إلى ديمقراطية العمل النقابي ومدى احترام القيادة لقوانين المنظمة والآراء المخالفة لتوجهاتها وأسلوبها في معالجة الصراعات الداخلية عبر العودة للأطر والحسم الديمقراطي أو اعتماد الطرق الانقلابية، وفق تعبيره.
واعتبر مقني أن هناك ثلاث عوامل مؤثرة في التطورات الداخلية صلب المنظمة، شهدت بدورها تطورات حسب الظرف التاريخي، وتتلخّص في الوضع الداخلي للاتحاد وعلاقة القيادة النقابية بالأجنحة المتصارعة داخل النظام وخيارات السلطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى تزايد تأثير المعارضة النقابية داخل الإتحاد مند السبعينات مع انتقال عدة عناصر من الحركة الطلابية لليسار إلى مواقع العمل في قطاعات التعليم في مرحلة أولى ثم الصحة والسكك والبريد والكيمياء والنفط في الثمانينات، ودورها الفاعل في جانفي 1978 وصولا إلى مؤتمر جربة سنة 2002 ومؤتمر طبرقة سنة 2011.
ويوضح محدثنا أن سقوط نظام بن علي وسّع من نفوذ الإتحاد، ولكن انخراط المنظمة فيما وصفه بلعبة صراع الأجنحة داخل السلطة منذ عام 2011 وصولا إلى تزكية إجراءات 25 جويلية في البداية واستغلال القيادة النقابية للوضع لتنقيح الفصل 20، جعلها عاجزة أو غير مُهتمة بتطوير العمل النقابي وفق رؤية تتوافق مع التطورات الجديدة، كما أنها لم تستوعب خطر ما ينتظرها من قبل سلطة رذّلت العمل السياسي والبرلماني والجمعياتي. واقع يعتبره مقني سببا في عجز الاتحاد على مواجهة السلطة، مشيرا إلى أن مقارعة السلطة يتطلب مدرسة نقابية جديدة برؤية جديدة تقطع مع خط نقابي هيمن على الاتحاد طيلة خمس عشريات.
تحصين المؤتمر
خلال اجتماع الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل بعد تراجع الطبوبي عن استقالته، وبعد تثبيت أيام 25 و26 و27 مارس 2026 كموعد لعقد المؤتمر الاستثنائي بالمنستير، طالب الأمين العام المساعد صلاح الدين السالمي، المحسوب على شق الأربعة، بضرورة سحب الثقة من أعضاء المكتب التنفيذي من طرف المجلس الوطني كإجراء شكلي يجب استكماله قبل موعد المؤتمر، ليُصبح بذلك عقد المؤتمر الاستثنائي مُحصّنا من الطعن وتعطيل الأشغال، لقطع الطريق على عدد من الرافضين الذين لوّحوا بالتوجه إلى القضاء، أو على من ستأمرهم السلطة بالطعن في صحة الإجراءات أو الشكليّات القانونية للمؤتمر الاستثنائي.
فالمعلوم أن المسار القانوني لعقد مؤتمر استثنائي لاتحاد الشغل، مجانب لما تسلكه المنظمة حاليا، حتى وإن أقرّه مجلسها الوطني، وهو ما وَضّحته نتيجة الاستشارة التي كانت في وثيقة مطوّلة تضبط بدقّة المسار القانوني السليم لعقد مؤتمر استثنائي لا يكون ورقة جديدة في يد السلطة لتصفية المنظمة ووضع يدها عليها.
حيث أفرزت استشارة قانونية قام بها الأمين العام لاتحاد الشغل، لدى 4 محامين، وهم كلّ من عميد المحامين الحالي بوبكر بالثابت والعميد السابق فاضل محفوظ وعبد الجبار نصيري اليوسفي وعبد السلام النصيري، عن إمكانية الطعن لدى القضاء في السلامة الإجرائية لعقد المؤتمر قبل موعده العادي، خاصة أنه انتخابي. ما يجعل البديل لكل هذه التعقيدات وفق نص الإجابة على الاستشارة القانونية، متمثل في وضعيّة شغور لأغلبية أعضاء المركزية النقابية الذي يُنتج فراغا يفرض عقد مؤتمر انتخابي قبل موعده، عبر تقديم استقالة جماعية أو سحب الثقة من المكتب التنفيذي من طرف أعضاء المجلس الوطني.
وبطبيعة الحال لا يبدو أن شقّ التسعة مستعدّون لتقديم استقالاتهم، على الأقلّ إلى حدود الساعة، وهو ما يجعل الطعن في صحة المؤتمر تهديدا مفترضا خاصة أمام سلطة تعودت استعمال أجهزة الدولة، بالطريقة التي تريدها، لتصفية خصومها ومعارضيها وحتى أنصارها في بعض الاحيان.

تشكيل القائمة وتوازنات الترشح
لمن يعلم تقاليد الإتحاد في تشكيل القائمة ”الرسمية“، يعرف أن الأمين العام المتخلّي هو من يقود النقاشات للخروج بقائمة توافقية، غالبا ما تكتسح المؤتمر وتحصد كل المقاعد أو أغلبيتها المريحة. تقليد يغيب هذه المرة عن الكواليس، لكن فلسفة ومحددات تشكيل تلك القائمة بقيت هي ذاتها خلال نقاشات تشكيل قائمة يُمكن تسميتها بقائمة شقّ الأربعة ومسانديهم، في ظل غياب شبه كلّي لشقّ التسعة عن التحضير للمؤتمر الاستثنائي في جانبه الانتخابي وعدم رغبة أغلبهم في الترشّح من جديد لعضوية المكتب التنفيذي.
مجموعة الأربعة، وعلى رأسها أنور بن قدور ومسانديهم من الجهات بدرجة أساسية خاصة جهتي تونس وصفاقس، قادت مشاورات واجتماعات مُتتالية لتشكيل قائمة توازن بين مُحددات التصويت وضمان أصوات أكبر عدد من نواب المؤتمر، خاصة في ظل وجود عوائق تحدّ من هامش تحقيق التوازن المطلوب وضرورات قانونية على رأسها عدد المتقاعدين في المركزية النقابية التي يفرضها القانون الأساسي.
حيث يفرض القانون الأساسي للاتحاد، عدم تجاوز عدد المتقاعدين في المكتب التنفيذي للثلث، أي خمس مقاعد من جملة 15 عضوا، ما يجعل المنافسة على تلك المقاعد على أشدّه، خاصة أن القيادات النقابية التي تقود مشاورات تشكيل القائمة الأكثر حظوظا في الفوز في انتخابات المؤتمر الاستثنائي، تم إحالتها على التقاعد خلال الفترة القليلة الماضية، كجبران بوراوي وجلولي والسالمي والمزي وغيرهم.
ووفق ما كشفته مصادر نقابية لـنواة، فالمشاورات أفضت مبدئيّا إلى قائمة تظمّ ثلاث أعضاء من المركزية النقابية، وهم كل من الطاهر المزي وعثمان جلولي وصلاح الدين السالمي، مع تأكيدات بأن أنور بن قدور لن يترشّح، بالإضافة إلى عدد من الكُتاب العامين للاتحادات الجهوية وعلى رأسهم الكاتب العام لجهة تونس جبران بوراوي والكاتب العام السابق لجهة صفاقس يوسف العوادني، وبتلك الأسماء يقع استيفاء عدد المتقاعدين الأقصى باعتبارهم 5 متقاعدين.
كما أفضت نقاشات تشكيل قائمة شقّ الأربعة مبدئيّا، إلى تواجد عضو نقابة متفقدي التعليم العالي زكية الضيفاوي، وكذلك الكاتب العام لجامعة البنوك أحمد الجزيري وعضو جامعة التعليم الثانوي مبروك التومي وكاتب عام جامعة النفط والمواد الكيميائية سلوان السميري وكاتب عام جهة نابل حاتم بن رمضان وجهة منوبة حسان العرفاوي والكاتب العام للجامعة العامة للبناء والأشغال العمومية الطيب البحري.
تحركات ونقاشات القائمات والترشحات لم تغب عنها طبعا خطّة الأمانة العامة التي لا يقع التصويت لها من طرف النواب باعتبار أن الانتخابات تتم على القائمات، ما يجعل الشخصية التي ستتولى القيادة يكون مُتفقا عليها خلال مشاورات تشكيل القائمة قبل المؤتمر الانتخابي، والذي عادة ما يكون منتميا لما يُعرف بالخطّ العاشوري داخل اتحاد الشغل.
وخلال المشاورات والنقاشات التي يقوم بها مجموعة الأربعة، تشبّثت جهة صفاقس المؤثرة أن تعود الأمانة العامة لها بترشيح عضو المركزية السابق عبد الكريم جراد لتولي المنصب، لكنه اعتذر عن الترشح، لتطرح الجهة كاتبها العام السابق يوسف العوادني كأمين عام مُقبل للاتحاد بالتوازي مع طرح جبران بوراوي نفسه كأمين عام كذلك، وهو نفس الأمر لصلاح الدين السالمي وعثمان جلولي، في انتظار الحسم النهائي خلال الفترة القليلة المُقبلة.
المعارضات النقابية
على نقيض كل تلك الصراعات والخلافات الداخلية، تطرح المعارضة النقابية مواقف وحلولا مختلفة كاعتبار أن تنقيح الفصل 20 وتجاوز الامانة العامة عتبة العهدتين النيابيتين، هو أحد أهم أسباب الأزمة بالإضافة إلى انفصال القيادة النقابية عن العمَال وتركيز الاهتمام على المصالح الشخصية التي جعلت القيادة لا شرعية في نظرها.
معارضات نفذت إحداها وقفة احتجاجية أمام المقر المركزي لاتحاد الشغل يوم الخميس 5 فيفري الماضي، فيما نفّذ تيار معارض آخر وقفته الاحتجاجية بعد يومين، أي يوم السبت 7 فيفري لرفع مطالب لا تختلف في بعض جوانبها وخطوطها العريضة، مثل إصلاح المنظمة النقابية وإخراجها من الأزمة التي تعيش على وقعها خلال الفترة الاخيرة، بصفة تشاركية ونقاشات وحوار بين القيادات النقابية داخل هياكل الإتحاد وخارجها.
قاسم عفية عضو المكتب التنفيذي السابق وأحد وجوه المعارضة النقابية اليوم، يرى أنّ المخرج من الازمة يمر عبر تشكيل لجنة مشتركة، من داخل هياكل المنظمة وخارجها، لإعادة هيكلة الاتحاد وتنقيح قوانينه قبل عقد مؤتمر استثنائي، لا يكون في صيغة وشكل مؤتمر مارس الذي لن يحل الأزمة في تقديره فهي عميقة وقديمة ولا يمكن تجاوزها بتغيير الأشخاص، بل عبر مسار إصلاحي يعيد الشرعية والإشعاع للعمل النقابي ويُنهي حالة الانقسام، ويعيد القيادات النقابية والنقابيين إلى المنظمة بإلغاء جميع العقوبات المسلّطة عليهم بسبب الخلافات مع المركزية النقابية أو الاتحادات الجهوية.
وفي هذا السياق قال الباحث رضا مقني أن ”طرح ما يدعى بالمعارضة النقابية بتكوين لجنة تسييرية تشرف على مؤتمر عام بتنسيق مع القيادة النقابية غير عملية وتنم عن نزعة انقلابية لا تحترم وحدة المنظمة وهياكلها، كما أن هذه المعارضة تهادن سلطة 25 جويلية في عدة مسائل، في إشارة إلى التيار النقابي المعارض الذي يظم قاسم عفية بدرجة أولى، إضافة لضعف تمثيلية هذه المعارضة وانقسامها وسقوطها في شخصنة مفرطة“، ويضيف ”العديد منهم يتحمل مسؤولية صمته على تمرير التمثيلية النسبية في النظام الداخلي ودعم البعض منهم لقيادة إسماعيل السحباني في التسعينات ودوره في تمرير نظام التأمين على المرض وتنقيح مجلة الشغل ومهازل المؤتمرات آنذاك…“.
تحرّكات مُنتظرة بالتوازي مع المؤتمر
لا تزال المعارضة النقابية الديمقراطية، تعتبر أن كلّ ما يصدر عن القيادة النقابية الحالية غير شرعي بما فيها المؤتمر الاستثنائي، وترى أن حل الأزمة الداخلية كضرورة لمواجهة تهديدات السلطة يمر ضرورة عبر رحيل كل القيادات النقابية الحالية بداية من المكتب التنفيذي مرورا بالهياكل الجهوية والقطاعية التي أشرف على انتخابها المكتب التنفيذي الحالي قبل تشكيل لجنة تُشرف على إعادة بناء المنظمة من الأسفل إلى الأعلى، أي من النقابات الأساسية والهياكل المحلية والجهوية والقطاعية وصولا إلى المكتب التنفيذي الوطني.
رغم مواقفها الرّاديكالية لا تنوي المعارضة النقابية الديمقراطية التوجه للقضاء في أي حال من الأحوال بما فيها الطعن في صحة المؤتمر الاستثنائي، وفق ما أكده القيادي السابق في قطاع البريد وأحد قيادات المعارضة النقابية الديمقراطية الحبيب التليلي في حديث مع نواة، حيث أكد أن المعارضة الديمقراطية النقابية ستعمل على التصدي للمؤتمر بكل الآليات المُتاحة أمامها.
كما كشف الحبيب التليلي، أن التيار المعارض الذي ينتمي إليه يناقش تنفيذ تحركات احتجاجية بالتوازي مع انعقاد المؤتمر الاستثنائي في المنستير أو قبيله، بعد التخلي عن تنفيذ اعتصام رمزي ببطحاء محمد علي خلال الفترة التي تزامنت مع استقالة الطبوبي، بعد الاعتصام المفتوح الذي نفذته المعارضة النقابية الديمقراطية بين 25 جانفي و21 فيفري سنة 2025، والذي وضع المعارضة النقابية ككل على خارطة المشهد النقابي وعرّف بها.
قد يمثل المؤتمر العام الاستثنائي حلا لأزمة الاتحاد الداخلية إن غلّب أبناء حشاد مصلحة الطبقة الشغيلة على حسابات الأطراف السياسية التي ينتمون لها أو يتقربون منها. والاهم من ذلك أن تقتنع المنظمة انها إزاء سلطة يرعبها التنظم، نقابيا او سياسيا كان، سلطة ألقت فطرها داخل بطحاء محمد علي ولم تتوان عن إطلاق ميليشياتها لمهاجمة المقر المركزي ورفع شعارات فاشية خطيرة تنادي بحل كل النقابات والأحزاب لفائدة سلطة رئاسية مطلقة، وفتح السجون والمعتقلات في وجه كل من يجرأ على معارضة ذلك. إلا أن استعادة الاتحاد لقوته تمر حتما عبر الاعتراف بالأخطاء خاصة فيما يتعلق بالديمقراطية الداخلية في تسيير المنظمة والتخلي عن ممارسات العزل والتجريد للأصوات المخالفة للقيادة، والتصدي للخيارات الحكومية اللاشعبية المتسببة في غلاء الأسعار والتدهور المحير للقدرة الشرائية للتونسيات والتونسيين.







iThere are no comments
Add yours