أجد نفسي اليوم في هذا المنعرج الحاسم من موقعي كمناضل مدني وسياسي وتخصيصا كواحد من مؤسسي المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مدفوعا الي المساهمة أولا في فهم ما يجري ومحاولة تنزيله في سياق التاريخ الاجتماعي والسياسي التونسي المعاصر وثانيا في استشراف مستقبل ممكن في ضلّ السيناريوات المتوّقعة. مدخل هذه المساهمة هو تجربة المنتدى بدءا بسياقات تشكّله ثم تأسيسه وتبلور مشروعه وصولا إلى الأيام العصيبة التي نعيشها، وإذ تتناول هذه الورقة تجربة المنتدى كحالة مخصوصة لها ما يميّزها عن باقي جمعيات المجتمع المدني فإنها تسمح بطرح إشكالات مشتركة تهمّ المجتمع المدني بعد 2011 تتعلق بالنّقلة النوعية التي شهدها وبموقعه في التجربة الديمقراطية الناشئة وعلاقته بالدولة ومستقبل وجوده وفعله.
في البدء كانت الفكرة
يحضر المنتدى، أو ”الفوروم“ كما يسميّه الجميع، بقوة متنامية في المشهد الإعلامي والمدني والسياسي التونسي في السنوات الأخيرة. فهو الفضاء المدني الأول بعد الثورة الذي اتخذ من المسألة الاجتماعية ومن مدخل الجيل الثاني لحقوق الانسان (الحقوق الاقتصادية والاجتماعية) عنوانا رئيسيا لفعله وأثره في الحياة العامة مباشرة بعد 14 جانفي 2011، هذا التموقع جعله ضرورة في المقام الأول ”صدى الهوامش“: مجتمع الثورة الأول فعمره القانوني من عمر الثورة ذاتها. ومدونته وفعله اليومي عمل صبور لحفظ ذاكرتها ونصرة فاعليها المغيبين والمستضعفين.
هو إذن تجلي ممأسس لدّيناميكية مرافقة للثورة التونسية على مدى السّنوات الخمسة عشر السابقة لم تكن محض صدفة ولا مجرد إضافة كمية لأشكال المناصرة الممكنة لحقوق التونسيين الاقتصادية والاجتماعية بقدر ما كان ضربا من التّداخل والتّفاعل المتعدّد الأوجه بين المسارات القانونية والمؤسساتية التي انتجها الانتقال الديمقراطي ومخاضات مجتمع الثورة أي مجتمع الفئات الهشة والجهات الدّاخلية والفقراء والشباب. باختصار كان محاولة تجريبية مدفوعة بحدوسات عميقة لكسر ثنائية الفصل بين النخب والمجتمع التحتي. هذه الولادة القانونية للمنتدى كجمعية ليست هي لحظة نشأة الفكرة فلهذه الأخيرة جذور أبعد ومن المهم اليوم ولو بشكل مختصر ترميم هذه الذاكرة حتى لا يطويها النسيان، فالتاريخ والذاكرة الجماعية للمقاومة الديمقراطية هي أيضا موضوع صراع مع الخطاب الأجوف المهيمن. فكيف تلقّف مؤسسو المنتدى لحظة الثورة للتحوّل من الفكرة الي المشروع لقطع خطوة الي الأمام في تنظيم قوى الصراع الاجتماعي المعنية بالحقوق الاجتماعية والتنمية العادلة والديمقراطية؟
لقد طالبت قبل 2011 عشرات الحركات والتجارب النخبويّة والشعبيّة بالديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة، والمساواة واحترام حقوق الإنسان كان آخرها انتفاضة الحوض المنجمي. وقبل ذلك شهدت عشريّة الثمانينات توتّرا حاسما في تاريخ تونس السياسي المعاصر بين محاولات انفتاح ديمقراطيّ مترددة ومحدودة من جهة وهزات اجتماعية أبرزها انتفاضة الخبز سنة 1984 التي ألغت بعدها دولة بورقيبة المريضة كلّ فرضيّات الدمقرطة ودخلت مع تولي زين العابدين بن علي آخر رئيس حكومة لبورقيبة السلطة في 7 نوفمبر 1987 مرحلة الدولة الأمنية.
وتمحور الصراع السياسي والاجتماعي لاحقاً منذ بداية الألفية حول محورين، رفض التمديد للرئيس زين العابدين بن علي والمطالبة بالتداول على السلطة من جهة والاحتجاج على الكلفة الاجتماعية للسياسات الاقتصادية الليبرالية المتنامية من جهة أخرى، في ظلّ مناخ تسلّطي ضيّق على المعارضين والفضاء العام. ولم تكن التقاطعات بين جمهور المحورين سهلة المنال وكافية مستمرة لإحداث التغيير. بل ساد بينهما سوء التفاهم والتنافر المعطّلين.
فمنذ بداية القرن الحالي تشكلت صلب المجتمع المدني والسياسي المعارض رؤيتان الأولى ليبرالية تذهب إلى حدّ القول بنجاح بن علي في وضع تونس في مجرّة الدول النامية بإدماج اقتصادها في مسار العولمة وتحقيق نسب نمو واعدة والمأمول هو إصلاحات سياسية ليبرالية لا تمسّ جوهر هذا النهج، والثانية اجتماعية راديكالية تنطلق من كلفة العولمة على الاقتصاد الوطني وعلى الفئات الأكثر هشاشة والشباب والطبقات الوسطى. ظلت هذه الحقبة بحكم هذا التشكل الثنائي محكومة بمعادلة الدولة القوية والمجتمع المدني الضعيف.
بالنظر إلى عناوين هذه المراكمة التاريخية وفي ضوء زلزال الثورة التونسية والموجتين اللاحقتين لها في المنطقة العربية انهارت مقولة قوّة الجيوش وأجهزة الأمن والمخابرات وقدرتها على حماية أنظمة استبدادية بجعلها دائمة، تورّث فيها السلطة عائلياً أو تتجدّد من الدّاخل. لقد كانت الدولة في تونس كما في باقي المنطقة العربية منغلقة عن فكرة الإصلاح وكانت النّخب لوحدها دون قاعدة شعبية عاجزة عن فرض انفتاح فعلي رغم جهودها وتضحياتها.
السّقوط المفاجئ لرأس السلطة هو أيضاً وضع مفاجئ للمجتمع أمام مسار سياسي تبين أن أهدافه ليست موضوع اتفاق بين الخصوم. ”حرب الكل ضد الكل“ بعد 2011 وأوهام السّطو الإيديولوجي ”الإسلاموي“ و”الحداثوي“ على ثورة الكرامة أضرّ بالجميع. لقد أسقطت هذه الثورة صورة الزعيم الأوحد وفكرة التحديث الفوقي لتبرير التسلّط وفكرة الحزب الواحد، ووهم الأسلمة في نفس الوقت ووضعَت أسُساً جديدة للصراع بين المجتمع وكلّ نظام حكم في مرحلة ما بعد التسلطية.
مثل هذا الصراع ليس اليوم عند أغلب القوى المدنية والسياسية في تونس مواجهة ضدّ الدولة الوطنية والجمهورية بتاريخها ومكاسبها فحين تكفّ الثورة عن استهداف الدولة الوطنية فإنها تدشّن مرحلة جديدة للإصلاح والبناء الديمقراطي، لا تستطيع أن تتعهّد بها نخب سجينة الماضي وضعيفة الإيمان بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لذلك يبقى السؤال هل كانت ثورة الإسقاط أيضاً ثورة بناء البدائل داخل إطار الدولة؟
وإن جاءت الإجابة غير متفائلة فلماذا نجح الشّعب في الأرحليّة وفشل في أن يؤسس لحكم نفسه بنفسه ولم يحمِ مكاسب ثورته المجيدة ليفسح المجال لعودة الثورة المضادة؟ طبعاً ليست الغاية من طرح هكذا سؤال التوسّع في فرضيات الإجابة عليه الآن بل عدّه رسماً للإحداثيات الكبرى التي يتنزّل ضمنها موضوع اهتمامنا، ونعني بذلك منابت فكرة المنتدى ومسارات تشكّل مشروعه بنجاحاتها وأخطائها والمخاطر التي يواجهها اليوم وشروط إمكان التفكير في رهانات المستقبل.
هكذا نعود إلى السؤال ليصبح أكثر تخصيصاً من أي رحم ولد المنتدى وكيف تطوّر كأداة مقاومة وانتزع اعترافاً واسعاً به من مجتمع الثورة ومن الدولة ذاتها كجسم وسيط قبل أن يشيطن ويحاصر ويستهدف بالحلّ؟
حين تحرّر يوتوبيا العولمة البديلة طاقة المقاومة
لقد فرضت المسألة الاجتماعية مع بداية الألفية نفسها على أجندا الفاعلين ولعوامل عديدة لم تكن النقابات العمالية ولا الأحزاب السياسية اليسارية والتقدمية قادرة لوحدها على ربطها بمطلب الإصلاح والتغيير الديمقراطي زمن النضال ضدّ الاستبداد، وظلت أغلبية نخب الإصلاح السياسي والحقوقي في مجرّاتها الخاصّة كما حاولت الحركة الاجتماعية الصاعدة والراديكالية شق طريقها تقريباً لوحدها في مراحلها الأولى. متاهتان لم ينجح المجتمع المدني حينها في الخروج منهما باقتراح الأرضية والإطار المشتركين.
بصورة مباشرة دفعت هذه الراديكالية الاحتجاجية للعاملات وللعمال المسرّحين في قطاعات متضررة من الاندماج في العولمة والمعطّلين خاصة من أصحاب الشهادات والطّلبة، والفئات الاجتماعية الهشّة، وتونسيو الأعماق والأحياء الشعبية والمتضررين من السياسات العمومية.. لموجات غضب واسعة وتمكنت من خلال تجديد أشكال تعبئة مواردها وتنظّمها عبر الاعتصامات والإضرابات الطويلة وإضرابات الجوع واستخدام الفضاء الافتراضي من رسم خطوط انفلاتها.
هي بتعبير أوضح دورات احتجاج متتالية وحالات مدّ وجزر خلقت رموزها وجمهورها وصاغت مطالبها المخصوصة وانغرست في واقعها المادي وفي سوسيولوجياتها الخاصة. وأقحمت جمهوراً جديداً حاملاً مطالبة إلى حلبة الصراع السياسي.
سرّعت هذه الدوّرات الاحتجاجية ديناميكية ابتكار أشكالاً جديدة وملائمة من المساندة عبر تشبيك فاعلين ونشطاء ومناضلين سياسيين وحقوقيين ونقابيين وفنانين وعبر بعث عدة لجان وطنية لمساندة هذه الحركة الاجتماعية الصاعدة (لجان مساندة عمّال أيكاب، هوتريفا، بحارة صفاقس وطلبة سوسة…). وعبر (عرائض مواطنية وحملات إعلامية تضامنية..).
تواصل هذا التقليد لعدة سنوات وحلّ جزئياً معضلة الضعف التنظيمي والقدرة التعبويّة للأجسام الوسيطة التقليدية. وسمح بوضع أرضية أولى تحت عنوان ”من أجل منتدى اجتماعي تونسي“ حصدت 1000 إمضاء وكانت مدخل مناضلي العولمة البديلة التونسيين للتشبيك مع الدينامية المغاربية وتأسيس المنتدى الاجتماعي المغاربي بالرباط سنة 2003 والمشاركة في اللقاءات الأوروبية والأمريك لاتينية منذ بورتو ألغري 2001 ثم الإفريقية والآسيوية لاحقاً. روح هذه العولمة البديلة شحنت طاقات المقاومة وأحيت الأمل.
مزية هذا الانفتاح مضاعفة، فهي نظرية من جهة تملّك معارف ومفاهيم محيّنة لفهم عالمنا الجديد في ظلّ اقتصاد معولم وعالم مفتوح وهي أيضاً عملية من خلال تطوير أدوات التعبئة والاحتجاج محلياً ومغاربياً وعالمياً. كان أهم انفعال إيجابي يحركنا حينها أننا لم نعد معزولين عن الناس ولم نكن وحدنا وأننا بصدد إحياء الأمل في مقاومة عالمية من أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
نجحت هذه اللجان في أن تكون حلاً ملائماً وبراغماتياً لسدّ الفراغ المؤسساتي غير القادر على التقاط لحظة القطيعة بين المجتمع وحاكميه وعلى ربط المطلب الديمقراطي والحقوقي بالمسألة الاجتماعية. مثل هذه التركيبة المتنوعة للجان المساندة التي ضمت سياسيين متحزبين ونقابيين وحقوقيين في تونس والمهجر وسّعت مجالات الفعل وربطت ولو جزئياً مجرّة النخب بعمق المجتمع.
تجلى كلّ ذلك بوضوح مع منعطف الحوض المنجمي سنة 2008 حيث كانت ”اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض المنجمي“ بتركيبتها والفضاءات المدنية والحزبية والنقابية التي احتضنتها بمثابة التنظيم المؤقت المرافق للحراك دون الحلول محله. بل مكّنت هذه اللّجنة حراك الحوض المنجمي من حزام داعم محلّي ومغاربي ودولي. جعلته يكون حضن الثورة القادمة بعد أشهر. وكانت خطّ فرز بين ديناميكية معارضة ديمقراطية اجتماعية شعبية ممكنة ونخب ظلت متورّطة مع منظومة التّسلط والفساد المأزومة ”لدولة العائلة“ وأيدت تعديل الدستور سنة 2002 لإنهاء تحديد الولايات الرئاسية ورفع سنّ الترشّح ثم أيدت الولاية الرابعة لبن علي سنة 2009.
لقد استخلص عدد من المناضلين الديمقراطيين واليساريين ممن شكلوا نواة صلبة تقريباً لكلّ لجان المساندة مباشرة بعد 2008، معاني تلك التجارب وحقيقة ضعف القوى السياسية التي لم تتمكن من وقف العهدة الرئاسية الرابعة وعملياً عودة الرئاسة مدى الحياة. وقصور البراديغم النقابي التقليدي الذي عمّقت بيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل مأزقه.
وترسّخت القناعة بأن السّاحة النضالية التونسية تحتاج فضاءً جديداً يلائم الوضع المحلي ويستفيد من تجربة المنتديات الاجتماعية العالمية التي بدأت في الظهور منذ بداية الألفية والتي توفرت الفرصة لعدد من نشطاء الدّاخل والمهجر للتعرف عليها عن قرب والاستفادة من دافعيتها الإيجابية ومرجعياتها النظرية. وهو فضاء لم تكن الأحزاب التقليدية والمنظمات النقابية والحقوقية قادرة على بنائه حينها.
في المقابل لم يسمح طبعاً نظام الاستبداد بتطوير جسور متينة بين الحركة الاجتماعية والمدنية التونسية وحركة العولمة البديلة غير أن تلك التجربة الثرية وذلك التقارب ثم الأثر الإيجابي للصمود البطولي لحركة الحوض المنجمي أنضج بصورة نهائية في صائفة 2010 فكرة تأسيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية كمنظمة حقوقية مستقلة وفرضها كأمر واقع حتى دون الحصول على تأشيرة العمل القانوني. خاصة وأن عدة تجارب أخرى رأت النور بنفس الطريقة على غرار ”راد أتاك“ كامتداد لجمعية أتاك الفرنسية، وهو خيار يتخّذ من الجيل الثاني لحقوق الإنسان عنواناً للمواجهة التي انطلقت بين الأوليغارشيا المهيمنة والعائلة الحاكمة بنفوذها الاقتصادي وصلفها وعنفها الأمني وأغلب فئات المجتمع.
هكذا إذن حوّلت الثورة المنتدى من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل وأصبح منذ مارس 2011 منظمة حقوقية قانونية، فالاعتراف القانوني لم يكن بالنسبة للمنتدى هو التأسيس أو البداية بل كان نهاية مرحلة وتتويجاً لمسار طويل وعسير بدأ مع الألفية بالتّموقع في أفق حركة العولمة البديلة ومواجهة سياسات التقشف التي يفرضها توافق واشنطن، أداة الهيمنة المفروضة على شعوب العالم منذ عقد الثمانينات.
المقاومة في سياق انتقال ديمقراطي: المنتدى بين رؤيتين للمجتمع المدني
في أقل من عشريتين رافق المنتدى مخاضات الثورة ومآزقها وانكساراتها لذلك تعدّ ذاكرته نموذجاً للذاكرة النضالية لهذه المرحلة الصاخبة من تاريخنا ولا نقصد بالذاكرة هنا تنضيد أحداث الماضي، بل معين للسردية الديمقراطية الممكنة التي لا تزال في حالة تشكّل. ونستطيع تلخيص هذا المسار الخاص بالمنتدى في ثلاث تحوّلات. بدأت الأولى مع لحظة التأسيس القانوني وصولاً إلى سنة 2016 وهي مرحلة كانت مشبعة بالصراع الإيديولوجي الإسلامي / الحداثي بما لم يسمح بشقّ طريق مخصوص للمنتدى في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية خاصة وأن المركزية النقابية نفسها أجلت الملفات الاجتماعية الكبرى للثورة وانخرطت بدورها في الصراع ثم في إدارة التوافق الوطني دون التّمكن من فتح خطّ مواجهة ساخن حول المسألة الاجتماعية. ربما كان ذلك ضرورة تاريخية غير أن آثاره إلى اليوم سلبية.
لم يكن المنتدى في تلك الفترة إذن لاعباً مؤثراً في الحياة الوطنية ولا الحركات المطلبية محور الانشغال الوطني والإعلامي وأهم ما يحفظه له التاريخ هو احتضانه التنظيمي والسياسي لدورتي المنتدى الاجتماعي العالمي 2013 – 2015 بتعاون مع الحكومات المتعاقبة. وفرّ ذلك لآلاف المشاركين والمتطوعين ونشطاء المجتمع المدني فرصة سياسية للمشاركة والتشبيك ومدّ الجسور مع الدينامكيات الفكرية والنضالية لتيارات العولمة البديلة، التي قرأ العديد من منظّريها الثورة التونسية في سياق صحوة شعوب العالم في وجه ديكتاتورية السوق وسياسات التقشف والحكومات الاستبدادية والهيمنة الإمبراطورية للقوى الاقتصادية والعسكرية الكبرى. محصلة دروس هذه المرحلة تكثفت مع المنتدى الاجتماعي العالمي مارس 2015 أيام قليلة بعد عملية باردو الإرهابية ممّا جعل المنظّمين يغيّرون مسار مسيرة الافتتاح نحو متحف باردو وهو إعلان صريح بأن الحركة الاجتماعية والسياسية التونسية أكرهت على خوض الصراع على واجهتين الأولى ضد التطرف الإسلامي العنيف والثانية ضد سياسات اقتصادية يتمسّك المستفيدون منها في الدّاخل والخارج باستمرارها. وهي الخطوة الأولى نحو تموقع راديكالي للمنتدى على يسار الساحة السياسية.
وهو خطّ نضال غير بديهي في مرحلة هيمنت فيها مقولات الإيديولوجية الوسطية التي تبناها الحداثيون والإسلاميون وكانت مدعاة لرفض أي مواجهة اجتماعية محورها الصراع على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. شعار تلك المرحلة الأبرز هو توافق المعتدلين والوسطيين وإقرار المصالحة بين القديم والجديد ومنهجها استبعاد التطرف الديني وراديكالية المطلبية الاجتماعية. جرّ في سنوات الانتقال الديمقراطي تلك و تحت تأثير هذا الخطّ المهيمن جزء من المجتمع المدني الي مواقف و مواقع ضعيفة سياسيا و أغرق بالتمويلات حتى أنتج من داخله أصواتا مناهضة للسياسة و الأحزاب و انتصرت ضمن صفوفه فكرة المجتمع ”المدني الوديع ” و العقلاني, وهو تمشي دعّمته صراحة النيوليبرالية عالميا منذ بداية الألفية بتمكين المنظمات الغير حكومية المسؤولة أمام مموليها قبل المجتمعات والمتضررين من ملأ الفراغ و تبديد الغضب السياسي و استهجان المقاومة الصدامية بتحوليها إلي مهمة رصينة واقعية يسهر على إدارتها وتنفيذها موظفون ومتفرغون برواتب سخيّة , استفادوا من رأس مال رمزي جديد حوّل بعضهم الي خبراء و بيروقراطيين هاجسهم الأول مسارهم المهني وامتيازاتها .
لم نكن في تونس بمنأى عن هذه المتاهة بعد 2011 فإذا كانت النيوليبرالية ترفع شعار تاتشر ”ليس هناك بديل“ في ضرب صريح لجوهر الفلسفة الليبرالية ذاتها القائمة على الحرية والتعددية ودفعت المنظمات غير الحكومية للعب دورها ضمن هذه الرؤية الأحادية، فإن تياراً كاملاً في المجتمع المدني العلماني واليساري الجديد استبطن قناعة بأنه ”ليس هناك أفق اجتماعي حقيقي للثورة“ وأن مجال الفعل من أجل الديمقراطية اليوم للنخب والطبقات الميسورة. وما إقحام الناس والجمهور والحشود بانفعالاتهم الآن في الفضاء العام إلا تخريباً للمسار الديمقراطي. باختزال قد لا يعجب البعض كان مستقبل الثورة الممكن في أفضل الأحوال لدى حداثيي الطبقات الوسطى والعليا والمدينيّة هو بورقيبية معدّلة. تلك هي الرؤية التي ورّطت جزءاً من المجتمع المدني لسنوات.
في مقابل ذلك دشّن منعرج 2016 حقبة جديدة فمع صعود الحركات الاحتجاجية والاجتماعية كفاعل جديد كان المنتدى قد تشرّب دروس المرحلة الأولى ووضع أرضية جديدة لفعله المدني لدخول مرحلة ثانية تتجاوز مهام المناصرة لتضع آليات تعبئة موارد تضع الفاعلين في موقع متقدّم وهي مقاربة مسكونة بمنح المستضعفين والذاتيات المنسيّة والمغيبّة الكلمة فحين ”يحقّ للتّابع أن يتكلم“ وهو درس 17 ديسمبر الأول يستعيد الفعل النضالي أصالته ويكتسب قدرة خلاّقة مادية ولا مادية. بهذا بدأت هذه الرؤية الثانية للمجتمع المدني تشق طريقها وتعمق قناعاتها ليصبح المنتدى حاملها الأبرز.
بدأت تتضح بموجب هذا التباين بين رؤيتي المجتمع المدني خطوط التّوتّر في أوساط النخب ذاتها من خلال موجات فرز مستمرة داخلها بين من يؤمن بفضاء مدني ونقاش عمومي وديمقراطية لا مكان فيها ”للناس البسطاء“ ومن يؤمن بعكس ذلك.
بابتكار فكرة المؤتمرات الوطنية السنوية للحركات الاجتماعية (الأول في مارس 2016 تحت شعار تنوع – صمود – تضامن والسادس في فيفري 2026 تحت شعار لا عدالة اجتماعية ولا ديمقراطية دون مقاومة مدنية منظمة ومتضامنة) رشّح المنتدى نفسه للعب دور مدني – سياسي صريح.
نضيف إلى ذلك تقارير المرصد الاجتماعي والكراسات الدورية المنشورة وورشات التكوين وورقات المهام الميدانية.. بنت كلّ هذه العناصر رؤية مقاومة لا تفصل بين الشارع والتعبئة الميدانية ومنتجات البحث والتنظير والتوثيق، وهو المنهج الذي مكّن المنتدى من احتلال موقع فريد صلب الحركة الحقوقية والمدنية يقطع مع النخبوية والإصلاح الفوقي ويقترح تشبيك المقاومات التحتية وإنتاج المعرفة بالواقع الاجتماعي والمادي. هي بمعنى ما محاولة لتجاوز معضلة قديمة أقرّها رواد المدرسة التونسية لعلم الاجتماع باعترافهم أن الجيل الأول من الباحثين لم ينتج معرفة كافية بواقع المجتمع العميق وبتمثلات الفاعلين. وبأن إيديولوجيا الدولة أسقطت على المجتمع دون معرفة عميقة به. وهو الخيار الذي تقدّم فيه المنتدى بإنشائه لمجلس علمي في جوان 2024 وهو هيئة واعدة بتركيبتها المتنوعة والمهام التي وضعتها لنفسها.
للمنتدى اليوم بعد هذا الجهد شبكة من الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية قريبة منه ومداخل لميادين البحث فضلاً على فرص للمشاركة والتشبيك مع المقاومات المغاربية والعالمية الغنية بالدّروس، ولا نبالغ حين نقول أنه الفاعل المدني التونسي الأول المنخرط منذ سنوات عربياً وإفريقياً في نضال الشعوب من أجل عالم أفضل. فهو المرجع الأول في رصد الحركات الاحتجاجية شهرياً وسنوياً وتحليلها وفي نقد سياسات الهجرة لدى الاتحاد الأوروبي والعنصرية، وفاعل رئيسي في تسليط الأضواء على فئات هشّة لفّها النسيان (منسيات آلات الخياطة في قطاع النسيج، العاملات الفلاحيات، البرباشة، عمال الحضائر.. صغار الكسبة.. نشطاء الحركة البيئية، ضحايا الإهمال والمحتقرون، مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء..) وهو سند الحملات الشبابية الجديدة (مانيش مسامح، تعلم عوم، الموفما براود..) وصديق الفنانين والمبدعين. بلا مبالغة هو بوصلة للحركة الاجتماعية في مرحلة عاصفة.
بناءً على هذا أسس المنتدى في هذه المرحلة الثانية جمهوره وعقيدته النضالية وأدواته التحليلية والاتصالية وأصبح رقماً صعباً في معادلة ميزان قوى الإرادات بين الدولة والمجتمع.
النقلة الثالثة توضحت ملامحها الجديدة مع الانتخابات المحلية لسنة 2018 ثم النيابية والرئاسية لسنة 2019 ومنعرج 25 جويلية والاستفتاء على دستور سنة 2022 الذي رفضه المنتدى وانتخابات 2024 التي استنكر المنتدى مناخها الغير الديمقراطي ليتحوّل من جمعية متجنبة للسياسة والأحزاب الي مشارك فعلي ومن مواقع متقدمة، وفي الدفع نحو تسييس المطلبية الاجتماعية، وهو ما رشحه للتحول الي مجال فعلي لتنشئة اجتماعية سياسية متعدّدة الأطراف أنتجت أفكارا وروابطا وأهواء وانفعالات وعمقت قناعات ديمقراطية لدى فاعلين شتى ..
المكسب الأهم في هذه الحقبة الثالثة من تجربة المنتدى هو إسهامه النوعي في تلقف الفرصة السياسية المناسبة مرّة أخرى لإنشاء شكل مقاومة ملائم للمهام المطروحة زمن الثورة المضادة، وإن لم تحدد ملامحه التنظيمية بعد مقارنة بأشكال أخرى أفلت فإنه صار هاجس العائلة الديمقراطية واليسارية.
فدوره في مبادرة الحوار الوطني مع الرابطة والاتحاد وعمادة المحامين سنة 2021 نقلته للمرة الأولى منذ تأسيسه إلى موقع المساهم البارز في بناء قوة ضغط على الدولة (مقارنة بدوره سنة 2013) حين بدأت مؤشرات الحكم الفردي تتلاحق، ثم كانت مشاركته في تأسيس شبكة الحقوق والحريات ودوره خاصة في مبادرة المؤتمر الوطني للحقوق والحريات بمعية الرابطة في ماي 2024 والتي طرحت بناء فضاء مدني سياسي جمعياتي وحزبي للدفاع عن الحريات والحقوق.
لم تنتج هذه المرحلة الثالثة حالة وعي مشترك جديد ولا إطاراً تنظيمياً دائماً لعدة أسباب لا بدّ أن نعود عليها يوماً ما، منها ما ارتكبناه فيها من أخطاء. ومع ذلك يبقى أهم استخلاص هو نهاية أفق المجتمع المدني المعادي للسياسة والمزدري للأحزاب وللسياسيين والمناضلين الحزبيين من كلّ الأجيال. قناعة الفاعلين اليوم في كلّ المواقع هي النضال من أجل الديمقراطية بما تعنيه من تعددية حزبية وفضاء مدني حر وإعلام حر ومؤسسات منتخبة وبكل ما تستلزمه من ذاكرة جماعية تربط انخراطنا في نضالات الحاضر والمستقبل بمقاومات الماضي.
”ما تخافوش ما ناش حزب“ عندما ينخرط البعض في قتل السياسة ننخرط نحن في الدفاع عنها
كان شعار حملة عيش تونسي الانتخابية لسنة 2019 ”ما تخافوش ما ناش حزب“ ملخّصاً للتهديد الذي أصبح يمثله المجتمع المدني على الديمقراطية والتعددية، مثل هذه الثقافة المتعالية على الأحزاب والمشككة في دورها كانت والحق يقال سائدة بدرجات مختلفة وساهمت في صعود ثقافة المجتمع المدني المهني الناجع والضعيف فكرياً والمتشكّل حول أشخاص مستفيدين لمحاصرة ثقافة العمل الحزبي وقيم التطوع.
ما ساد بسبب هيمنة هذه الثقافة هو ضرب من ازدراء للأحزاب والمناضلين ودفعهم للانسحاب من هذا ”العالم الجديد“ كما يعرفه أصحابه، الذي شكلّه المال والإعلام وعمّقه غرور أجوف حارب الفكر وروح العطاء.
هذا التشخيص لا يعني إنكار قيمة المهنيين في المجتمع المدني ولا يتجاهل إسهامهم في تطوير عمل الجمعيات فالمجتمع المدني أصبح موفّراً لمواطن شغل فعلية مستحقة ومستفيداً من خبرات وكفاءات طوّرت أداءه وإدارته وأثره في الواقع ولا يعفي التشخيص أيضاً الأحزاب والنخب السياسية من مسؤولية أزمتهم الخاصة. الغاية فقط هي إبراز الحاجة لعودة ثقافة العطاء النضالي تطوّعاً وتثمين ذلك خاصة في مثل هذه الأيام الصّعبة. لأن القلاع حين تكون حصينة لا تؤخذ من الدّاخل. وما دامت المعركة اليوم معركة إرادات نحن فيها أقليات شتى فإننا نحتاج إلى أطول مدة ممكنة لتحمل الضغط.
في مثل هذا الظرف ولكلّ الأسباب التي أتينا عليها سابقاً أصبح المنتدى والمجتمع المدني عموماً والأحزاب السياسية المعارضة منشغلين بنفس المصير فالتسلطية الزاحفة لم تجرّف الحياة السياسية الحزبية لتبقي للمجتمع المدني ”المخملي“ مجالاً للعمل حتى إن تخلى عن هويته ودوره.
بضرب من حيلة العقل حوّلت هذه التّسلطية المجتمع المدني الرّخو والقابل بالانخراط في تنظيم علاقة لا صدامية بين الدولة والمجتمع من حليف ممكن لها ضدّ الأحزاب يحرّض ضدها إلى خصم سياسي مهدد بدوره، وصار يبحث عن مدّ الجسور مع الحركات السّياسية.
بصيغة أخرى يقرّ الفاعلون الجدد بسطحية شعار ”اللاّ تحزب هو الحلّ“. ما هو الأكثر دلالة هو أن أصواتاً عدة من نشطاء الجيل الجديد لا تفوّت كلّ فرصة متاحة لتكشف تشوّقها لمشروع سياسي دون مواربة. السؤال الحارق للكلّ وفي المقام الأول شباب الثورة: كيف تكون السياسة ممكنة على أرض الواقع؟ كيف لا تبقى الأفكار حتى الأكثر ثورية مشدودة إلى السماء؟ أي كيف نربط بين الضغوط الصاعدة من عمق المجتمع وديمومة المؤسسات الديمقراطية؟
محصّلة القول في ضوء هذه الأسئلة: معركة الهيمنة الثقافية من أجل الديمقراطية شرسة ومكلفة لا مفرّ منها ولا بدّ أن نعدّ لمراحلها القادمة.
رهانات المرحلة
لم يعد التخطيط للمرحلة القادمة ولا التفكير في استراتيجية جديدة ومشتركة مرتبطا بنا وحدنا بل رهين هامش الحرية المتبقي والزمن الممكن لذلك فالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يعيش منذ شهر جويلية 2025 الماضي أشهرا صعبة نعيشها كمرحلة استهداف سياسي, بسبب مواقفنا وآرائنا وأفكارنا , ضمن الخطة الشاملة لمنظومة الحكم لمنع العمل المدني وتجريمه وهو ما تجلى من خلال فتح مسارين قضائيين ضد المنتدى الأول يتعلّق بتعليق نشاطه لمدة شهر ثم بإحالته أمام القضاء بغاية حلّه والثاني شمل التدقيق المالي والإداري والجبائي ولا تزل المآلات القضائية للمسارين مفتوحة على كلّ الاحتمالات.
مشكلتنا اليوم مع منظومة الحكم لا تتعلق بمبدأ خضوعنا وخضوع العمل الجمعياتي للمراقبة والمساءلة القانونية من قبل الإدارة والقضاء العادل في كل ما يتعلق بحوكمته المالية والإدارية وندرك أيضاً بأنه علينا ألا نعفي أنفسنا من النقد الذاتي كإيتيقا لا تنفصل عن كلّ التزام نضالي في كلّ الأوقات.
مشكلتنا هي الضجيج المقصود، للتغطية على فارق جوهري بين المساءلة بوصفها أسّاً من أسس دولة القانون والرّفض المعلن لوجود المجتمع المدني والنقابات والتنظير لدولة الفرد ومجتمع الأفراد. نحن مختلفون مع منظومة الحكم في مفهوم الدولة وسلطاتها والمجتمع والمواطنة والحزب والجمعيات ومهام الإعلام.. وهو خلاف فلسفي وسوسيولوجي لنا حق التمّسك بخوضه بحرية. لكل منظومة حكم حقيقتها وللأحرار حقيقتهم يدافعون عنها لكيلا يعيشوا في عالم الكذب الدّائم. ذلك ما علمنا التاريخ.
أياً كانت مآلات التقاضي.. سنصمد في الدفاع عن أنفسنا وعن حقنا القانوني في النشاط المدني كجمعية صارت أمانة تجاوزت مؤسسيها وناشطيها وسنرفض الاستسلام. ويبقى الأهم هو التذكير أن الأفكار لا تموت والأحلام تولد من جديد وأن هذه القوة اللاّمادية للمنتدى هي الصرح الذي لن يهوي.. وهي العهدة التي لن نتركها وندرك أن من يحملها معنا صاروا أكثر عدداً وأرسخ إيماناً وهي مشترك عمومي نضعه على قارعة طريق الثورة على ذمة الجميع.
على خرائط الأفكار للمنتدى اليوم وسيبقى أياً كانت الأوضاع غداً منتج بحثي ونظري عبر مساهمته في جهد تفكير جماعي من أجل نظرية أو نظريات للانعتاق السياسي والاجتماعي لم تعد بديهية مع أزمة البراديغمات الكلاسيكية.. وهي خطوة هامة حتى يكون للمجتمع حاضراً ومستقبلاً إسهاماً في بناء إطار مرجعي لقوة انعتاقه بالفكر وبالمراكمة والتجديد وابتكار البراديغمات الجديدة.
لم تكن في هذا السياق أفكار المنتدى المنتجة والمنشورة تكراراً لمنظومة الأفكار القديمة للثقافة الحقوقية والنسوية واليسارية بل اجتهادات شتى ومغامرات نظرية وهو من جهة ما واحد من مختبرات التفكير الحالية ليسار سياسي ممكن قادم. حتماً أثر الفراشة لا يزول.
أرخبيل المقاومات والاحتجاجات المادية والفعلية هو الخط الموازي لخرائط الأفكار حتى يبقى تقاطع الفعل المدني عامة مع الفاعلين أنفسهم هو النهج الديمقراطي الجديد الذي قطعنا فيه أشواطاً، فقد جعلنا وجوه الفاعلين وأصواتهم ومعيشهم صنواً للمنتدى فهم مراياه المتنوعة دون أن يكونوا منخرطيه ولا قواعده ولم يحتجوا بقرار مركزي منه بل من حرقة أوجاعهم الخاصة وهو مع ذلك فضاؤهم الحميمي وخيمتهم. بغيابه سيخسرون عزيزاً على قلوبهم وسنداً جسوراً لحقوقهم.
هكذا وفّقنا قدر المستطاع في أن يكون ”المعذبون في الأرض“ جزءاً لا يتجزأ من ”نحن“ لا بدّ أن تبنى لتستمر الثورة وتفي بوعودها الديمقراطية. ليست المهمة يسيرة خاصة بعد إتمام مسار 25 جويلية انقلابه على مؤسسات الدولة وهو طريق صاعد ووعر ليس فقط بسبب التضييق على الحريات بل أساساً بسبب التنازع الداخلي صلب الفئات الهشة بين جاذبية الخطاب الشعبوي التّسلطي كعنوان لقوة الدوّلة ورهانهم على وعودها والمشروع الديمقراطي الوطني الشامل وكذلك بسبب تبني نخب ديمقراطية مقولات مشرّعة للاستبداد، وهو ما يحوّل الصراع من أجل الديمقراطية والحرية إلى صراع اجتماعي ومجتمعي عميق يترك الأحكام المسبقة عن الجميع ويخاض على قاعدة المواقف.
مكسب كل المرحلة، هو أن أصبحت الأفقية تجربة معيشة لا فقط موضوع نقاش نظري ومناكفة بين مدافعي التنظيم التقليدي المركزي والهرمي والتنظيم الجديد. في زمن لا يزال فيه من يريد إقناعنا بأن ذهنية النضال الحقوقي من أجل حقوق الإنسان الكونية نخبوية أو لا تكون لا دخل فيها للفقراء والفئات الهشة ممن لم يبلغوا درجة الوعي بهذه الحقوق ولا يزال فيه أيضاً من يؤمن أن ثورة الفقراء والمقصيين دائمة واحتجاج لا يتوقف وليس لها مسارات سياسية وتعرجات مدارها الدولة ومؤسساتها وسياساتها العمومية والبيئة السياسية الملائمة، ولا نزال في زمن يضع فيه البعض قضايا الأمة العربية ونصرة فلسطين فوق النضال الديمقراطي وحتى ضده ليكون المستبدون والجلادون من حكام العرب أقرب لهم من مناضلي حقوق الإنسان والديمقراطية في وطنهم.
في مثل هذا الزمن فكّ المنتدى الطوق عن هذه القارات التي تبدو متباعدة وقطع خطوات جادة نحو رؤية سياسية حقوقية وديمقراطية ومناهضة للاستعمار والعنصرية تقنع يوماً بعد يوم الأجيال الجديدة أكثر من السابقة. لم ننتج نسقاً فكرياً جديداً ولا أعتقد أن ذلك في مستطاعنا ولا هو ممكن بل وضعنا بعضاً من نقاط على بعض من حروف.
تلك هي اليد الخفية للمنتدى التي نقلته من جيل مؤسسيه إلى جيل مريديه ورواده الجدد والمتماهين معه ممن يعرّفون هويتهم الأولى انطلاقاً من حقوقهم وممن يتلمّسون قيمة حقوق غيرهم هو تحوّل عسير أفضى إلى فتح بوابات عدة للمنتدى في وجه كلّ مقموع فمن دخل ”دار المنتدى“ صار آمناً سواء كان مناضل الحقوق الفردية والعامة أو الاجتماعية أو الفلسطينية والديكونيالية أو المناهض للعنصرية.. هذه ليست مجرد فضيلة أخلاقية لقبول التعدد والعيش المشترك بل صورة لعرض سياسي فعلي للمشاركة في بناء فضاء مدني سياسي أصبحت الحاجة إليه معلنة والمطالبين به أكثر عدداً وحماسة من سنوات الثورة الأولى.
القناعة اليوم أقوى من أي وقت بأن ربط الاحتجاج بالجسم السياسي والمؤسسات وبالقوة الانتخابية يوماً ما ضروري لتغيير موازين القوى حتى لا تكون الديمقراطية فقط سلطة الأغلبية بل مجال فعل لا يكلّ للأقليات وهو فعل محدّد في حماية المؤسسات الديمقراطية من الانهيار.
لكلّ هذه الأسباب ولغيرها ربما يستهدف المنتدى لكن لهذه الأسباب ضرورة لا بدّ أن نحميه. لأن تونس التي تعيش أزمة مركبة اقتصادية واجتماعية وسياسية في عالم عاصف تحتاجه.
ما تحتاجه تونس وما هي قادرة عليه هو بناء مجتمع مدني وسياسي تعددي يضمن صيرورة الفاعلين القادرين على تحاشي الخيبة ومقاومة الفظيع. اكتفى المقال بعرض مقدمات أولية بطرح أسئلة ومقترحات تتجاوز تجربة المنتدى وستظلّ مطروحة لمدة أطول سواء استمرت المقاومات المدنية والسياسية في ظل تواصل الانغلاق السياسي أو في حال عدنا لمسار ديمقراطي آمن. المهم حينها ألا ننطلق من فراغ وألا نتجاهل استخلاص الدروس أولها دروس أخطائنا.




iThere are no comments
Add yours