dehiba-tunisie-frontiere-violence-police

في مشهد لم تتغيّر فيه سوى الأسماء وبعض التفاصيل، من سليانة في نوفمبر 2012، إلى الذهيبة في فيفري 2015، يبدو أنّ قدر المناطق الأكثر فقرا وتهميشا في البلاد أن تدفع ضريبة الدمّ والمعاناة والقمع حتّى تتصدّر المشهد الإعلاميّ وتسيل لعاب السياسيّين لتصبح ورقة للمزايدة وتصفية الحسابات.

نواة انتقلت إلى معتمديّة الذهيبة لترصد الوضع الاقتصادي والاجتماعيّ المزري للمنطقة ولتسلّط الضوء على الأحداث الدامية التي عرفتها تلك البلدة خلال الأيّام الماضية، والأهمّ لتنقل انفعالات الأهالي ومواقفهم ممّا حدث بعيدا عن بلاتوهات التحليل النظريّ وأسواق المزاد السياسيّ.

الرواية الرسميّة: التهريب والإرهاب والعنف ثلاثيّ التبريرات الحكوميّة

عقب سقوط الشهيد الأوّل صابر المليان، وارتفاع عدد الجرحى من أهالي الذهيبة خلال المواجهات مع قوّات الأمن، تعاقبت الروايات الرسميّة لتبرّر العنف المستخدم ضدّ المحتجيّن بروايات تمحورت أغلبها حول دفاع رجال الأمن عن أنفسهم ومراكزهم لتتشعّب القصّة وتتراكم التحليلات حول دور من أسمتهم الحكومة ب”بارونات التهريب” الذّين يغذّون أحداث العنف وصلة المهرّبين بالإرهابيّين ولتصل إلى حدّ اتهام “فجر ليبيا” بالوقوف وراء أحداث الذهيبة للضغط على الحكومة التونسيّة للاعتراف بهم.

وفي ذات السياق كان تصريح الناطق الرسميّ باسم وزارة الداخليّة، السيد محمد علي العروي، الذّي اعتبر ردّة فعل الأمنيين طبيعيّة بعد أن تمّ حرق مركز الحرس الوطني في الذهيبة بالإضافة إلى منازل بعض الأمنيّين ومهاجمة نقطة حدوديّة متقدّمة. وقد اعتبر هذا الأخير أنّ الوضع في تلك المعتمديّة شائك للغاية حيث تتداخل مصالح المهرّبين والاضطرابات الإقليميّة كما أنّ العديد من الأطراف تحاول استغلال تلك التحرّكات لمصلحتها الخاصّة.

قد تبدو الرواية الرسميّة مغرية للكثيرين خصوصا بعد تطعيمها بالحرب على الإرهاب وارتباط هذا الأخير بالتهريب. ولكن وخلال التحقيق الذي أجرته نواة على عين المكان، اتضّح أنّ المشكلة أعقد وأكثر تجذّرا من تحليلات الجهات الرسميّة إذ يتنافى تماما مع الرواية التي روّجت لها وزارة الداخليّة.

لا للتهريب، لا للتنمية، لا للإحتجاج …

المشاهد الأولى التي رصدتها كاميرا نواة خلال دخولها معتمديّة الذهيبة كانت كافية لتعبّر عن الواقع الاقتصادي والاجتماعيّ لأهالي تلك المنطقة الحدوديّة، بلدة على تخوم واحدة من أسخن بؤر التوتّر في العالم سقطت منذ عقود من مخطّطات التنمية الحكوميّة ومن خرائط الحملات الانتخابيّة ليجد أهاليها أنفسهم في مواجهة الفقر والتهميش والبطالة وحرب معقدّة وارض مفتوحة في الشرق حاولوا أن يستلّوا منها ما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة. هكذا عبّر احد الأهالي الذين التقيناهم خلال جولتنا عن معضلة التهريب التي تتصدّر النشرات الإخباريّة والتقارير الاقتصاديّة. ليؤكّد محدّثنا أن ما يتم تهريبه وتداوله في المنطقة من سلع مهرّبة لا يتجاوز الخمسين ألفا أو الستين ألف دينار، بما يكفي لتوفير الحد الأدنى من المتطلّبات المعيشيّة لأهل المنطقة المنسيّة. وقد تساءل هذا الأخير عن السبب وراء غضّ النظر عن بارونات التهريب الحقيقيّين في الموانئ الكبرى للبلاد كميناء رادس وغيرها، حيث تتجاوز قيمة المواد المهرّبة مئات الملايين من الدينارات، في حين يتمّ تصوير عمليات التهريب البسيطة والاضطرارية التي يمارسها أهالي الذهيبة على أنّها الخطر الأكبر المحدق باقتصاد بالبلاد.

أما عن حالة الغضب والاحتقان التي شهدتها البلدة خلال الأيّام الماضية، فيؤكّد معظم من تحدّثوا إلى فريق نواة أنها وليدة تراكمات عقود من التهميش الاقتصاديّ والقرارات المسقطة، كقرار الآداء الجمركيّ الذي زاد في معاناة أهالي المنطقة في ظلّ غياب بدائل أو مخطّطات تنمويّة حكوميّة أو خاصّة تعوّض الناس عن عائدات التهريب.

في وسط المدينة، كانت الساحة الرئيسيّة التي غيّر الأهالي اسمها إلى ساحة الشهيد صابر المليان، شاهدة على ما تعرّض له الأهالي من عنف و سوء معاملة من قبل قوّات الأمن التي لم تدّخر نوعا من الذخائر إلاّ واستعملته لإسكات الأصوات المحتجّة على تواصل سياسة التهميش والتفقير لمعتمديّة الذهيبة. تلك الساحة التي ازدانت بصورة الشهيد الذي لم يتجاوز الواحد والعشرين ربيعا بالإضافة إلى أسماء وصور الجرحى، كانت نقطة البداية في رحلة بحثنا عن المشهد المغيّب عن الشاشات الرسميّة خلال الأيام الماضية.

بدء من قنابل الغاز المسيّل للدموع مرورا بخراطيش الرشّ وصولا إلى الرصاص الحيّ، جمع الأهالي عيّنات من ردّ الحكومة على مطالبهم واحتجاجتهم لعرضها أمام الكاميرا وهم يروون تفاصيل الأيّام الصعبة التي عايشوها خلال المواجهات مع قوّات الأمن. تلك البلدة التي لا يتجاوز عدد سكانها الستّة آلاف كانت مسرحا لتعزيزات أمنية وعسكريّة هائلة جنّدت لقمعهم والتنكيل بهم حسب رواية أحد المواطنين الذي تحدّث عن ممارسات لا أخلاقية تتنافى وعادات وتقاليد تلك المنطقة المحافظة في عمليّة استفزازيّة واضحة لمشاعر الأهالي ومسّا من قيمهم.

في ما أكّد آخر أنّ الرواية الرسميّة لوزارة الداخليّة حول حرق المراكز ومنازل الأمنيّين لم تكن سوى للتغطية وتبرير حجم العنف المسلّط على الأهالي، بل واتّهم الأمنيين أنفسهم بحرق مراكزهم وافتعال المواجهات للتنكيل بالمحتجّين دون مراعاة للضوابط والقوانين المنظّمة لعمليات التصدّي للاحتجاجات ودون الرجوع إلى السلطات العليا ممّا فتح الباب أمام موجة لا نظير لها من الانتهاكات تراوحت بين إطلاق النار العشوائيّ واستهداف المنازل والتجمّعات بالغاز والرصاص دون موجب.

أهالي الذهيبة كانوا مذهولين من ردّة الفعل الأمنيّة تجاه مطالبهم المشروعة وقد عبر الذّين حدّثونا عن تضحيات الأهالي خلال الأيّام التي أعقبت 14 جانفي 2011 وانسحاب قوات الأمن والحرس ووقوفهم للدفاع عن المراكز الحدوديّة وتأمين المدينة، بل وكان السكّان يشاركون في الدوريات الأمنيّة ويدعمون جهود الأمنيّين بتوفير البنزين المهرّب للدوريّات والخروج بسيّاراتهم الخاصّة لتأمين الحدود.

اليوم يبدو أن الحسابات تغيّرت ولكن الأسلوب واحد، قرار مسقط وارتجاليّ، ردّة فعل شعبيّة فحملة أمنيّة وحشيّة بدعوى الدفاع عن النفس وحفظ الاستقرار وهيبة الدولة.
a