لم يكن 26 جانفي 1978 يوما عابِرًا في تاريخ تونس الحديث، إنه استئناف جديد لدورة الكفاح الشتوي في تونس منذ ثورة 18 جانفي 1952.

هذا اليوم الذي يُطلق عليه البعض “الخميس الأسود” تَحوّل من إضراب عام أعلنته قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى حالة شعبية رافضة لسياسات الحكم وخياراته، أمسَى في قراءات المؤرّخين حدثا يختزِل سياقات مرحلة بأكملها من التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد.

رغم انقضاء 38 سنة على الأحداث، فإن الفصول الكاملة للرواية مازالت مَقبورة في الدفاتر السّرية لنظام بورقيبة. و لكن الذاكرة الشعبية والنقابية أفلتت من المعتقلات ومن مَخافر البوليس لتروي -في شهادات وبيانات مُوثقة- عذابات جيل من التونسيين أسقطتهم رصاصات الشرطة والعسكر وتعرّضوا للاعتقال، وتم اقتيادهم إلى محكمة أمن الدولة، وبعضهم لقِي حتفه تحت التعذيب.

الاتحاد وسياسة فك الارتباط

اتصفت الأوضاع الاجتماعية والسياسية أواخر السبعينات بالتدهور الذي بلغ ذروته عند انفجار الأزمة بين الاتحاد العام التونسي للشغل وحكومة الهادي نويرة، وقد بدأت ملامح فك الارتباط بين منظمة الشغالين والحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم تتجلى بوضوح من خلال تصاعد وتيرة الإضرابات العمالية سنة 1977 من بينها المسيرة التي نظمها الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس يوم 9 سبتمبر وإضراب عمال شركة « سوجيتاكس » بقصر هلال يوم 10 أكتوبر وإضراب عمال وموظفي وزارة الفلاحة في 6 جانفي 1977. وقد تُوِّج هذا المسار باستقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الحبيب عاشور من اللجنة المركزية والديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري، وهو ما أذِن بانتهاء الارتباط العضوي بين الاتحاد والحزب الحاكم التي بدأت منذ مؤتمر صفاقس في 15 نوفمبر 1955 .