أثار فيديو الجريمة العنصرية بصفاقس استفهامات حول السياسة الاتصالية للسلطة. بين إنكار أولي، وتخفيف لاحق، وبحث عن تحويل وجهة الرأي العام نحو المؤامرات.. ما يحيلنا على اسلوب متكرر لازم البيانات الرسمية رغم اختلاف الرؤساء والحكومات.
أثار فيديو الجريمة العنصرية بصفاقس استفهامات حول السياسة الاتصالية للسلطة. بين إنكار أولي، وتخفيف لاحق، وبحث عن تحويل وجهة الرأي العام نحو المؤامرات.. ما يحيلنا على اسلوب متكرر لازم البيانات الرسمية رغم اختلاف الرؤساء والحكومات.
لم يعد غياب سعيّد مجرّد حدث عابر، بل تحوّل إلى أداة اتصالية تُربك المشهد وتفتح باب التكهنات والفتاوى والخيال في وقت مواجهة أزمة مركبة نتيجة سياسات فاشلة. لكن مع كل “إطلالة”، يُعاد ترتيب الأولويات، ويتراجع سقف الجدل حول القضايا لصالح لحظة الظهور وما تخلّفه من ضجيج.
في وقت يتصاعد فيه غضب التونسيين من غلاء الأسعار واستفحال العبث السياسي، اختارت الحكومة إرسال ترسانة من الوزراء إلى الحج، في مشهد أثار موجة واسعة من السخرية والانتقاد. بين أزمة ارتفاع أسعار للأضاحي غير مسبوقة وأزمات تتراكم بلا حلول بدا المشهد عنوانا لمزيد انفصال السلطة عن واقع شعب يوما بعد آخر بينما تكتفي هي بالبحث عن سرديات المؤامرات والغرف المظلمة.
خروج رئيس بلدية الزهراء السابق ريان الحمزاوي من السجن لم يكن مجرد حدث قضائي، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي لافت. استقبال شعبي واسع لشخص أُدين منذ 2023 بتهم “التآمر”، مقابل فتور واضح لتحركات أنصار السلطة. بين الزهراء وأسواق تونس، بدا جليّا أن خطاب المؤامرة والتخوين يفقد تأثيره أمام الغلاء والقمع والأزمة التي تخنق التونسيين.
لم تكن وفاة الطفلة نادين عموري نتيجة حادث عابر، بل ضحية خيار بوليسي، حيث تُنقل المطاردات من الطرقات إلى قلب الأحياء، وتُختزل حياة المدنيين في أضرار جانبية. من نفزة إلى حوادث سابقة، يتكرّر المشهد نفسه: إيقاف التهريب بأي ثمن، والدم هامش على الاسفلت.
تواصل السلطة خطتها لتكميم الافواه واخضاع المجتمع تدريجيا لعبث التسلط، فبعد التخلص من الاحزاب و العمل على تركيع النقابات الوازنة، تسعى السلطة لاخماد صوت الجمعيات على مراحل مدروسة. خطة سبق أن صرح بها سعيّد منذ سنة 2012 مستغلا مناخ الحريات بالبلاد، اعتمادا على المرسوم 88، بتغليف رغبات سياسية بغطاء قانوني قضائي وتقديم الجمعيات الجادة ككبش فداء لجحافل المتشنجين، بغاية صرفهم عن القضايا الاساسية للبلاد.
في الذكرى 70 لعيد قوات الأمن الداخلي، لم يكتف رئيس الجمهورية بتلميع صورة البوليس، بل اتهم من يفضح انتهاكاته بالعمالة والخيانة، في تواصل لخطاب وزيرة عدله ووزير داخليته في إنكار التنكيل بالمحتجّين والمساجين. سرديّة وإنكار يزيد من نكأ جراح الضحايا والأمّهات الثكلى وترسيخ التغوّل البوليسي والإفلات من العقاب.
بعد سنة من فاجعة المزونة التي لم يكفها وفاة 3 من تلاميذها تحت ركام سور مدرستهم، بل وقُمع أهاليها عند احتجاجهم على المأساة، ما تزال السلطة تُهرول في الاتجاه الخطأ باحثة عن حلول لتحسين برامج التعليم في بلد صارت فيه بعض المدارس خطرا على حياة مرتاديها.
في مواجهة الغلاء، عادت حملات وزارة الداخلية لمراقبة الأسعار بشعاراتها المهترئة ولازماتها السياسية واجراءاتها الهزيلة. لكنّ الأرقام تكشف هشاشة المشهد: فعبر إيقافات محدودة وحجز رمزي تسعى السلطة إلى انقاذ سوق ينهار يوميّا تحت موجة غلاء متصاعدة. والنتيجة: الفلاح يغرق في الديون، القدرة الشرائية تنهار، بينما تحارب الدولة أزمة كانت أحد أسبابها.
رغم التجييش الالكتروني لنشر خطاب الكراهية ومحالات لوي عنق المنطق بتقديم العنصرية على انها حب للوطن، لم يمثل تجمّع “ترحيل الأفارقة” بالعاصمة يوم 28 مارس سوى محاولة فاشلة أخرى للهروب من الواقع. واقع يكشف فشلا ذريعا في ادارة ملف الهجرة وبحثا عن أكباش فداء لتحميلهم مسؤولية تحويل تونس المتسامحة إلى فخ للمهاجرين المستضعفين.
خلال عطلة العيد والأيام التي سبقتها، عاد الجهل العنصري ليغزو مجموعات وصفحات تونسية على شبكات التواصل. و كأن الأمر يتعلّق بضغط على زر للتلاعب بالرأي العام ليخاف على تركيبته الديمغرافية، كما كان يتم التلاعب به وتخويفه قبل سنوات على هويته. حملة تحريض وكراهية تتزامن مع حكم بدلالات واضحة بسجن سعدية مصباح رئيسة جمعية منامتي لمناهضة العنصرية.
كل مرة يتعرض فيها نشطاء للسجن، تُغرق جحافل السلطة منصات التواصل شماتة وتشفّ. نشطاء أسطول الصمود الذين تم إيقافهم، كانوا آخر ضحايا قرف الشماتة. في المقابل يعمل المساندون على تجاوز اختلافاتهم ومساندة نشطاء شرّفوا البلاد بحراك تاريخي إسنادا للقضية الفلسطينية.
بعد الزخم الشعبي الذي راكمته تجارب قافلة وأسطول الصمود والتسهيلات الكبيرة التي وفرتها السلطة، انقلبت الصورة رأسا على عقب بعد الاعلان عن تنظيم أسطول آخر لكسر الحصار. فالاسناد الجماهيري تحوّل إلى سحل الكتروني وشيطنة، أما تسهيلات ودعم السلطة فانقلبت إيقافات واختطاف قيادات وتهديد بتوسيع دائرة الموقوفين، لتنجح السلطة في تحطيم الصورة الاعتبارية لاسناد القضية الفلسطينية باعتماد الاتهامات المعتادة للفساد المالي
رغم التقارب الديبلوماسي بين تونس وطهران، في ظل المقاربات الجديدة التي ستغير العالم، مثّل الموقف الرسمي المعلن لتونس من العدوان الصهيو-أمريكي على إيران خيبة لأنصار الموقف المشرّف. صمت تونسي يذكّرنا بالصمت الرسمي على استهداف أسطول الصمود بميناء سيدي بوسعيد ويؤكد أن الشعارات الحماسية تبقى موجّهة للاستهلاك الداخلي ولا تلزم إلا من يصدقها.
بعد قرابة 10 أشهر داخل السجن، استعاد أحمد صواب حرّيته بعد الإفراج عنه في 23 فيفري 2026 وتخفيض الحكم إلى سنتين مع تأجيل التنفيذ. حريّة اقتلعها صواب بفضل ثباته على موقفه وبفضل شارع لم يُهادن الاستبداد ولم يُسلّم منذ لحظة اعتقال “سيد أحمد” ليُثبت أنّ الظُلم لا يتواصل إلا اذا قبل المظلوم به.
الدولة لا تُدار بالفيسبوك، عبارة كرّرها سعيّد أكثر من مرّة، لكن الواقع شيئ آخر. فبينما تتآكل الثقة في المؤسسات، يتصاعد نفوذ الصفحات حيث يبحث المواطن عن حلول في الفضاء الأزرق تعجز سلطة الأمر الواقع عن تنفيذها. هكذا تتشكّل ”جمهورية الفيسبوك“: فضاء يضغط ويُربك منظومة شعبوية تقول إنها لا تُدار به، لكنها تستجيب له خوفا من غضب جماهير طبّعت مع اتهامات التخوين وخطاب المؤامرات.
بعد إيقاف النائب المثير للجدل أحمد السعيداني عقاباً على تدوينة ساخرة من الرئيس، انبرت الأقلام رفضاً وتبريرا، تعاطفا وشماتة..في حادثة أوضحت أن الحكم المطلق لا يقبل غير التصفيق الحار.
نشر عشرات النشطاء عريضة مواطنية “دفاعا عن حرية التعبير ومن أجل صحافة مستقلة وصحفيين أحرار” مطالبة باحترام حرية التعبير واستقلالية وسائل الإعلام وإلغاء المرسوم 54 ووقف محاكمات الرأي والملاحقات القضائية على خلفية العمل الصحفي. تأتي هذه العريضة في سياق يُحرم فيه الصحفيون والصحفيات من بطاقة الصحفي المحترف منذ سنتين، تماشيا مع طبيعة نظام لا يقوى على سماع غير صدى صوته المتشنج.