لم تكن وفاة الطفلة نادين عموري نتيجة حادث عابر، بل ضحية خيار بوليسي، حيث تُنقل المطاردات من الطرقات إلى قلب الأحياء، وتُختزل حياة المدنيين في أضرار جانبية. من نفزة إلى حوادث سابقة، يتكرّر المشهد نفسه: إيقاف التهريب بأي ثمن، والدم هامش على الاسفلت.
لم تكن وفاة الطفلة نادين عموري نتيجة حادث عابر، بل ضحية خيار بوليسي، حيث تُنقل المطاردات من الطرقات إلى قلب الأحياء، وتُختزل حياة المدنيين في أضرار جانبية. من نفزة إلى حوادث سابقة، يتكرّر المشهد نفسه: إيقاف التهريب بأي ثمن، والدم هامش على الاسفلت.
في الذكرى 70 لعيد قوات الأمن الداخلي، لم يكتف رئيس الجمهورية بتلميع صورة البوليس، بل اتهم من يفضح انتهاكاته بالعمالة والخيانة، في تواصل لخطاب وزيرة عدله ووزير داخليته في إنكار التنكيل بالمحتجّين والمساجين. سرديّة وإنكار يزيد من نكأ جراح الضحايا والأمّهات الثكلى وترسيخ التغوّل البوليسي والإفلات من العقاب.
رغم انقضاء جميع أطوار التقاضي في ملف شهيد الملاعب عمر العبيدي، إلا أن القضية مازالت تشغل الرأي العام في تونس خاصة عند اقتراب وحلول يوم 31 مارس من كل سنة، اليوم الذي قُتل فيه عمر إثر مطاردة بوليسية في محيط ملعب رادس انتهت بغرقه في واد من الأوحال، يوم جعلته حملة “تعلّم عوم” يوما وطنيا لمناهضة الإفلات من العقاب في الجرائم البوليسية.
كشف تقرير أعدته جمعية تقاطع بعنوان ”بين الحرية والقمع: التجمع السلمي في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان“ عن تصاعد نسق انتهاكات الحق في التجمع السلمي، بناء على رصد شمل الفترة الممتدة بين مارس وديسمبر 2025، موثّقا 116 حالة انتهاك على خلفية تحركات سلمية ذات مطالب مختلفة. في هذا الإطار، التقت نواة محمد علي الشارني، مساعد باحث في جمعية تقاطع، لبيان تفاصيل هذه الانتهاكات و ما يستخلص منها.
يوم 29 أكتوبر 2025 توفي السجين حاتم العابد بعد أربعة عشر يوما قضاها في غيبوبة، على إثر نقله من السجن إلى المستشفى بعد تعرّضه إلى اعتداء عنيف داخل سجن مرناق ما تسبب له في إصابات قاتلة، وفق رواية العائلة وشهود العيان الذين التقتهم نواة.
قصة حاتم ولوعة عائلته لم تجد حتى الآن غير التجاهل والتعامل البيروقراطي في تطبيع مرعب مع واقع الموت المريب داخل السجون.
أنهت محكمة التعقيب مسار التقاضي في ملف عمر العبيدي بتأييد الحكم الاستئنافي بسنة سجن مع تأجيل التنفيذ في حق أعوان البوليس المتهمين بقتل شهيد الملاعب. افلات الجناة من العقاب لم يكن مفاجئا للمتابعين لقضية عمر العبيدي منذ توجيه تهمة القتل على وجه الخطأ وهرسلة الشهود في القضية، خاصة وأن جل القضايا التي يُتهم فيها أعوان البوليس تستنفر فيها الأجهزة لتحصين أعوانها من العقاب، ولتغييب منطق العدالة لصالح منطق النفوذ البوليسي.
يوم 16 جانفي 2026 توفي السجين عاطف الهمامي بمستشفى شارل نيكول، بعد أيام قضاها في غيبوبة إثر نقله من سجن المرناقية. عائلة الضحية أكدت لنواة أن الوفاة كانت نتيجة عنف شديد تعرّض له ابنها داخل السجن منذ إيداعه يوم 30 ديسمبر 2025 رغم معاناته من مرض نفسي يستوجب الرعاية الطبية. نواة التقت أصدقاء وعائلة الضحية بمنزلهم بحي التضامن لنقل قصة عنف وموت مريب أخر لأحد أبناء الأحياء الشعبية.
توالت خلال عام 2025 حالات الموت المريبة داخل السجون مع تواصل الانتهاكات البوليسية خارجها، حرصت نواة على تلبية نداء الأمهات الثكالى بتوثيق وقائع القهر التي تعرضن لها وتوجيه نداءاتهن إلى رئيس الجمهورية.. توالت نداءات العائلات لكنها بقيت دون مجيب. تذكر نواة في ختام سنة مثقلة بالمآسي والآلام بهذه القصص الانسانية الموجعة، مواصلة رسالتها حتى يرد الاعتبار للضحايا وتسترجع العائلات حقوقها.
يوم 12 ديسمبر توفي الشاب نعيم البريكي بعد ثلاثة أسابيع قضاها في حالة غيبوبة، عقب تعرّضه لاعتداء ومطاردة بوليسية، حسب ما أكدته العائلة ومصادر حقوقية. عائلة وأصدقاء الضحية تحدثوا لنواة مطالبين بالمحاسبة ورافضين للضغوطات التي سلطت عليهم لالتزام الصمت.
بعد معاناة دامت 20 يوما، توفيّ الشاب نعيم البريكي في القيروان يوم 12 ديسمبر متأثّرا بإصابات بليغة بعد دهسه من قبل سيّارة بوليسية واعتداء راكبيها عليه بالركل والضرب المبرح. مأساة تواصلت بإيقاف عشرات الشباب المحتجّين على قتل صديقهم وافلات البوليس الدائم من العقاب، وكأن لا ثورة حصلت، ولا شهداء استشهدوا ولا طاغية رحل ولا دولة بوليس انتهت.
في ظروف مريبة داخل سجن القصرين فارق الشاب وائل الشوالي، ابن حي التضامن بالعاصمة، الحياة يوم 19 سبتمبر 2025 بعد سنوات من المعاناة. والدته، التي أطلقت منذ فترة صيحة فزع لإنقاذ فلذة كبدها من سوء المعاملة وشبهات التعذيب الموثقة على جسده، تروي لنواة ملابسات وفاته لتكشف استمرار شبح الموت الغامض الذي يلاحق المساجين.
منذ نحو سنة ونصف، لفظ أكرم الجمعاوي، محب النادي الإفريقي القادم إلى ملعب رادس من منطقة جبلية بولاية الكاف، أنفاسه الأخيرة داخل سجن المرناقية يوم 17 جوان 2024 في ظروف ما تزال تحيط بها الكثير من الشبهات. تؤكد العائلة تعرضه للتعذيب الموثق في تقرير الطب الشرعي خلال فترة إيقافه وسجنه. نواة التقت الأم لتوثق شهادتها المؤلمة ورحلتها الطويلة بحثا عن العدالة الغائبة.
في فصل جديد من فصول الموت المستراب وراء القضبان توفي يوم 5 أكتوبر جهاد الدريدي، ابن منطقة المروج ببن عروس داخل السجن المدني بمرناق، بعد أسبوعين فقط من إيقافه. عائلة الضحية أفادت بتعرض ابنها إلى التعنيف و تكبيل اليدين والقدمين. نواة التقت والدة الضحية ولسان دفاعه لكشف تفاصيل مهمة تفسر سبب الموت المستراب لجهاد وغيره من ضحايا الإهمال والعنف داخل السجون.
نادرا ما كان الموت داخل السجون ومراكز الإيقاف واقعة طبيعية في سجلات إدارية، بل غالبا ما كان يخفي سرديات مأساوية يتناقلها الشهود وعائلات الضحايا، تُروى بحذر خلف الأبواب المغلقة. وفاة الشاب حازم عمارة ومن بعده محمد أمين الجندوبي، وسيم الجزيري ومنتصر عبد الواحد خلال شهر واحد حطمت جدار الصمت المريب وأعادت قضية ”الموت المستراب“ إلى صدارة المشهد العام رغم صمت القبور الذي تعاملت به السلطة مع هده القضايا.
بعد وفاته المسترابة بالسجن ومحاولة لف قضيته بالنسيان، تحرك أصدقاء الضحية حازم عمارة مساء الأحد 27 جويلية 2025 قرب محكمة قرمبالية حتى لا تغمض العدالة عينيها مرة اخرى. “كورفا سود قرمبالية” التي ينتمي لها الضحية تضم صوتها الى صوت والدة حازم تمسكا بالحقيقة والعدالة ورفضا للخوف والترهيب والنسيان.
مكبّل القدمين على سرير بمستشفى الطاهر المعموري بنابل، توفي الشاب حازم عمارة يوم 9 جويلية، بعد صراع مرير مع المرض استمرّ 20 يومًا داخل اسوار السجن المدني ببلي. نواة التقت والدته الثكلى لتروي قصة مساعيها التي لاقت الاهمال واللامبالاة وانتهت بوفاة فلذة كبدها.
يوم 31 مارس 2018 قتل الشاب عمر العبيدي غرقا في الوحل بعد ان طاردته الشرطة لمئات الأمتار خارج ملعب رادس. ومنذ ذلك التاريخ تكتلت اجهزة الدولة لضمان افلات الجناة من العقاب، وكان لهم ما أرادوا بصدور حكم بالقتل على وجه الخطأ. ومنذ ذلك التاريخ يسعى نشطاء لاعتماده يوما وطنيا لانهاء الافلات من العقاب في الجرائم البوليسية. فلماذا تجاهلتهم السلطة ولماذا تفتح حروب التطهير على الجميع وان كانت كلامية باستثناء جهاز البوليس؟
منذ 14 جانفي 2024 أعلنت سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، دخولها في إضراب عن الطعام داخل سجن منوبة. تعريفا بقضيتها، نفّذ نشطاء احتجاجا، الاربعاء 22 جانفي امام وزارة العدل، للمطالبة بإطلاق سراحها وتتبع من كان وراء سجنها لطمس جرائم التعذيب وافلات المذنبين المذكورين في تقرير الهيئة من العقاب.