isie-legislatives-elections-tunisie-2014

تصوير كالوم فرنسيس، نواة

لم يكن التكهّن بنتائج الإنتخابات التشريعية في تونس هيّنا بالنسبة للمحللّين السياسيين وللأحزاب المترشحة أيضا. فأيام قليلة قبل يوم الإقتراع الذي كان بتاريخ 26 أكتوبر 2014 حاول مهتمون بالشّأن السياسي توقّع النتائج من خلال حجم الإجتماعات الشعبية للأحزاب وتفاعل النشطاء على المواقع الإجتماعية مع بعض القائمات دون أخرى. ولكن رغم وجود بعض المؤشرات حول إمكانية نجاح بعض الأحزاب وفشل أخرى إلاّ أنّ نتائج الإنتخابات التشريعية فاقت كلّ التوقعات، وقد كان للتسريبات التي انطلقت سويعات بعد انتهاء عملية الإقتراع وقعا صادما سواء للأحزاب الفائزة أو الفاشلة أو التي برز اسمها في المشهد بحصولها على عدد محترم من مقاعد في البرلمان القادم.

النتائج الأولية للإنتخابات، حسب تسريبات مكاتب الفرز وحسب التصريحات الجزئية للهيئة أفرزت تقاربا في النّتائج بين حزبي حركة النّهضة وحزب نداء تونس مع تفوق لهذا الأخير احتلّ من خلاله المرتبة الأولى. وتتنافس قائمات الجبهة الشعبية والحزب الوطني الحر على المرتبتين الثالثة والرّابعة إلى حدّ كتابة هذه الأسطر. هذا في حين تحصّلت قائمات حزب أفاق تونس على مقاعد في البرلمان القادم لم تتجاوز ال 10. نتائج الإنتخابات الأوّلية عرفت أيضا سقوطا مدوّيا لأحزاب كانت من أبرز مكونات الساحة السّياسيّة خلال المرحلة الفارطة ومن بينها حليفي حركة النهضة السابقين المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات وحزب تيار المحبة (العريضة الشعبية سابقا) وحركة وفاء.

أخطاء النهضة في صالح حزب النّداء

قبل سويعات قليلة من الإعلان عن تفوق حزب نداء تونس على حزب حركة النهضة من خلال تسريبات بعض مكاتب الفرز، أكّد القيادي عامر العريّض في تصريح لنواة أنّه لا مجال للتّشكيك في تفوّق حركة النهضة على بقيّة الأحزاب. تفاؤل حركة النّهضة سرعان ما تحوّل إلى تشنّج واستنكار ورفض لنتائج سبر الآراء والتّسريبات من طرف قيادييها على البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزية. غير أنّ هذا التشنّج لم يفلح في تغيير النتائج التي تهاطلت من كل صوب لتثبت جميعها حصول حزب نداء تونس على المرتبة الأولى، الأمر الذي اعتبره الإعلام الوطني والعالمي هزيمة لحركة النهضة التي احتلت المرتبة الثانية.

فحسب النتائج الأولية تتجه حركة النّهضة للحصول على قرابة ال 66 مقعدا في البرلمان علما وأنها بلغت في انتخابات المجلس التأسيسي 89 مقعدا نيابيا. هذا في حين يشارف حزب النداء على بلوغ ال80 مقعدا إلى حد كتابة هذه الأسطر حسب تسريبات غير مؤكّدة من داخل مكاتب الفرز. ويدرس محلّلون سياسيون هذه النتائج الذي اعتبرها البعض متقاربة من منطلق عراقة حزب حركة النهضة الذي تأسس في تونس منذ أكثر من ثلاثة عقود وحداثة حزب النداء الذي أسس منذ قرابة السنتين. غير أنّ بعض الناشطين السياسيين يعتبرون حزب نداء تونس امتدادا لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي وبالتالي فإنّ فوزه يعود لخبرة عدد هام من التجمعيين السابقين في صفوفه بالعمل السياسي.

و قد لعبت الأحداث السياسية التي دارت خلال السنوات الثلاث الفارطة دورا هاما في تحديد نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2014. ففي حين حافظت حركة النهضة على انضباط قواعدها الشعبية التي ما انفكّت تدعمها في كل المراحل فقد خسرت نسبة هامة من النّاخبين التونسيين من غير أنصارها والذين دعموها خلال انتخابات 2011. وبالإضافة إلى حرمان النهضة من ثقة عدد هام من التونسيين فإنّ تصويتا “عقابيا” سلّط ضدّها من طرف فئة أخرى من التونسيين ربطت ما مرّت به تونس من أحداث إرهابية خلال السنوات الفارطة بحكم حركة النهضة الإسلامية وفشلها في فكّ رموز هذه الأحداث أو الحدّ منها أو كشف الجهات التي تقف وراءها.

هذا التصويت ضدّ حركة النهضة لمعاقبتها على الفشل الأمني والإقتصادي والسياسي الذي عرفته تونس طيلة فترة حكمها صحبته أيضا استجابة للدعوات ل”التصويت المفيد” التي أطلقها أنصار حزب نداء تونس لصالح حزبهم بدعوى ضرورة التفاف الجميع حول حزب واحد بإمكانه أن ينقذ البلاد من سيطرة الإسلاميين. هذه الدعوات التي أشعلت المواقع الإجتماعية والمنابر الإعلامية الحوارية أتت أكلها ونجحت في توجيه عدد هام من النّاخبين الذين التقت نواة بعضهم يوم الإقتراع وقد صرّحوا برغبتهم في أن يكون تصويتهم “مفيدا” لفائدة حزب ينقذ تونس من الإرهاب وذلك تجنبا لتشتت الأصوات لفائدة قائمات وأحزاب صغرى لا يمكنها الفوز.

الجبهة الشعبية: انتصار فاق توقعاتها

مفاجأة الإنتخابات التّشريعيّة كانت حصول الجبهة الشّعبية إلى حد كتابة هذه الأسطر على قرابة 16 مقعدا. لم تكن الجبهة الشعبية من الأحزاب التي برزت بشكل جيد خلال الحملة الإنتخابية حتى أنّ بعض وسائل الإعلام تحدّثت عن تنظيم رؤساء قائمات الجبهة لحملاتهم بصفة فردية كلّ حسب ما توفّر لديه من إمكانيات. وقد كان لنواة لقاء مع القيادي بالجبهة الشعبية والأمين العام لحزب العمال حمّة الهمامي، إثر انتهاء عمليات الإقتراع، تحدّث فيه بروح انهزاميّة عن سيطرة المال السياسي على الإنتخابات التشريعية وعن عدم مجاراة الجبهة لقدرة هذه الأحزاب على اختراق تحديد القانون الإنتخابي لسقف التمويل الانتخابي بشكل مفضوح.

غير أنه وإثر الإعلان عن النتائج تدريجيا تبيّن أنّ عددا هاما من قيادات الجبهة الشعبية المعروفة والمؤثرة قد فازوا بمقاعد في البرلمان ممّا شكّل مفاجأة سعيدة لأنصار الجبهة الذين تحدّثوا عن تفاؤلهم بمصير سير البرلمان القادم في ظل وجود كتلة يسارية ستفرض الرقابة على الحزبين المسيطرين عدديّا. ومن بين قيادات الجبهة الذين حصلوا على مقاعد في البرلمان القادم نذكر : المنجي الرحوي، أحمد الصديق، مباركة البراهمي زوجة الشهيد محمد البراهمي، عمار عمروسية، الجيلاني الهمامي وعدنان الحاجي الذي ترشح في قائمة مستقلة واعتبره أنصار الجبهة العشبية ضمن قيادييهم. نذكّر أن الجبهة الشعبية هي تحالف لأحزاب يسارية تأسس إثر انتخابات 2011 ولم يكن لهذه الاحزاب أنذاك سوى 5 مقاعد بالتأسيسي (مقعدين لحزب العمال و3 مقاعد لحركة الشعب).

سليم الرياحي : المال السياسي ينافس ويفوز نسبيّأ

حصل حزب الإتحاد الوطني الحر خلال انتخابات 2011 على مقعد نيابي وحيد إلاّ أنّه استفاد من تشتّت حزب العريضة الشعبيّة ليتمكّن من ضمّ عدد من نوابه المستقيلين بالتأسيسي إلى صفوفه. في الأثناء، عمل رئيس حزب الإتحاد الوطني الحر رجل الأعمال سليم الرّياحي على التموقع في أكثر من مجال ليبرز بشدّة في تونس، فأصبح له مناصرون وأعداء. فإضافة إلى مجال أعماله المجهول لدى الرّاي العام التونسي قام سليم الرّياحي بترأّس فريق النادي الإفريقي كما دخل إلى مجال الإستثمار في مجال الإعلام من خلال علاقته غير الواضحة للعموم إلى حد اللحظة بالقناة الخاصة “التونسية” سابقا (الحوار الوطني حاليا). ورغم حصول حزب الرّياحي خلال الانتخابات التشريعية على مقاعد نيابية يتراوح بين 14 و 17 مقعدا حسب التسريبات وتصريحات هيئة الانتخابات الجزئية فإنّ هذا الرّقم لم يكن بحجم توقعات الرياحي وأنصاره. فبالنّظر إلى كثافة نشاط الرياحي مستعينا بما يملكه من أموال خلال الحملة الإنتخابية كان من المنتظر أن يحصل حزبه على 30 مقعدا على الأقل حسب توقّعات إعلامية لبعض المحللين، غير أنّ سيطرة حركة النهضة وحزب النداء على مجريات الأحداث حال دون حصول حزب الرياحي على نتيجة مرضية بالنسبة له خصوصا أمام فشله الكامل في الحصول على أية مقاعد بالجنوب التونسي كمدنين وتطاوين وصفاقس.

ولكنّ عدد المقاعد التي تحصّل عليها الريّاحي يمكن أن تتحوّل في الأيام القليلة القادمة إلى ورقة ضغط بالنّظر إلى إمكانيات التحالف العديدة المطروحة أمام حزبي النداء والنهضة لبلوغ الأغلبية في البرلمان من أجل التمكن من تشكيل الحكومة.

حزب أفاق تونس : المفاجأة

فاجأ حزب أفاق تونس المراقبين والسياسيين على حد السواء حيث لم يصاحب حملته الإنتخابية أية الة تنظيمية بارزة عكس بعض الأحزاب السياسية التي اعتمدت على المال السياسي أو تاريخها النّضالي. وأنشئ حزب أفاق بعد ثورة 14 جانفي حيث حصل خلال الإنتخابات الفارطة على 5 مقاعد ليندمج إثر ذلك مع الحزب الجمهوري قبل أن ينسلخ عنه ويترشح للانتخابات التشريعية الحالية ب30 قائمة مستقلة. أفاق حصل إلى حد كتابة هذا المقال على 10 مقاعد ومن المرجّح ان ترتفع حصته إلى 12 مقعدا إثر احتساب أكبر البقايا. ويدخل حزب أفاق أيضا خانة الاحزاب المرشحة للعب دور هام في التحالفات البرلمانية القادمة.

التكتل، المؤتمر، الجمهوري، التحالف، يدفعون ثمن أخطائهم

هزيمة مدوّية عرفها حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات، الحليفين السابقين لحركة النهضة في الترويكا الحاكمة. فحزب التكتل الذي حصل خلال انتخابات 2011 على عشرين مقعدا نيابيا فاز خلال 2014 بمقعدين فقط غير مؤكّدين إلى حدّ ثالث أيام الفرز. حزب المؤتمر من أجل الجمهورية حصد نتيجة مشابهة حيث تحصّل على أربعة مقاعد نيابية مؤكّدة فقط خلال انتخابات 2014 في حين كان قد حصل سنة 2011 على 29 مقعدا. هاذين الحزبين الذين اعتبرهما جزء هام من الشعب التونسي المسؤول الأول على ما وصلت إليه الاوضاع في تونس من تردّ جرّاء تحالفهما مع حزب حركة النهضة واستماتتهما في الدفاع عن خياراتها وغياب أي مواقف معارضة لها طيلة سنوات حكم الترويكا. فما اعتبره هاذين الحزبين مكسبا لهما اعتبره تونسيون “خطأ” دفع الحزبين المذكورين ثمنه خلال الإنتخابات الحالية. وهذه الخسارة ليست الوحيدة التي مني بها هاذين الحزبين، فتفكك حزب المؤتمر إلى أحزاب صغرى كحزب وفاء وحزب التيار الديمقراطي وحزب الإقلاع نحو المستقبل، وانسحاب أغلب نواب وقيادات حزب التكتّل كان نتيجة خيارات قياديي هاذين الحزبين، مما مهد لفشلهما الإنتخابي.

الحزب الجمهوري عرف أيضا خلال السنوات الثلاث الماضية انقساما برّره قياديو حزب التحالف الديمقراطي المنبثق عنه بغياب الديمقراطية في تعاطي عائلة الشابي والمقربين منها مع بقية مكونات الحزب. هذا الإنشقاق الذي لم يخدم حزب التحالف الديمقراطي، حيث حصل على مقعد وحيد بولاية بنزرت، لم يكن أيضا في صالح الحزب الجمهوري الذي حصل على مقعد واحد بولاية سليانة. ولئن اعتبر حصول الحزب الجمهوري على 17 مقعدا سنة 2011 هزيمة فإن حصوله على مقعد وحيد سنة 2014 هو بمثابة فشل ذريع لحزب يعتبر قياديوه أن حظوظه في الإنتخابات الرئاسية وافرة.

ودفع حزب تيار المحبّة (العريضة الشعبية سابقا) أيضا ثمن انشقاق نائبيه عنه وانضمامهم إلى أحزاب أخرى. هذا الحزب الذي كان قد مثّل مفاجأة انتخابات 2011 بحصوله على 26 مقعدا نيابيا افتكّ خلال انتخابات 2014 مقعدا وحيدا ممّا دفع رئيسه الهاشمي الحامدي إلى التعبير عن رغبته في الإنسحاب من الإنتخابات الرّئاسيّة.

و في انتظار النّتائج النّهائيّة، احتفل تونسيون بانتصار حزب النّداء الذي رأى فيه بعضهم انتصارا على الإسلاميين وطريقا نحو الحدّ من الإرهاب، وعبّر أخرون عن استيائهم من تراجع حركة النهضة إلى المرتبة الثانية الأمر الذي اعتبروه فوزا لرموز النظام السابق وعودة قويّة لمن أسموهم ب”التّجمعيين”. فئة أخرى احتفلت بصعود قيادات الجبهة الشعبية وعبّرت عن اطمئنانها لإمكانية تشكيلهم كتلة نيابية معارضة قويّة وقادرة على الدفاع عن حقوق الضّعفاء. أغلب التّعبيرات و ردود الأفعال بقيت عاطفيّة انتقاميّة أو متوعّدة بمصير سيء للبلاد أو تفاؤليّة غاب عن جميعها طرح أسئلة جدّية عن البرامج الإقتصادية والبيئية والوعود الإنتخابية لهذا الطرف أو ذاك وكيفيّة تطبيقها على أرض الواقع.