kasserine-crise-eau-tunisie-big-feat-980-ar

ترجمة سميح الباجي عكاز، تقرير نور الهدى شعبان، تصوير كالوم فرنسيس و سامي بن غربية، تركيب الفيديو سامي بن غربية، طارق شويرف و مالك عبد الرحمان. إشراف و متابعة سامي بن غربية.

تعتبر نسبة الربط بشبكة المياه الصالحة للشراب وشبكة الصرف الصحيّ من أهمّ العوامل المؤثّرة في مؤشّرات التنمية الجهويّة. بعد أن رصدت نواة مشكلة العطش وغياب شبكات التطهير في كل من سجنان شمالا، و القيروان وسط البلاد، توجّه فريقنا إلى القصرين، حيث تقلّ معدّلات الربط بشبكات المياه في مختلف معتمديّات الولاية عن نظيرتها على المستوى الوطنيّ. وهو ما يعمّق من معاناة أهالي هذه الجهة الذّين يضطرّون إلى شرب المياه الملوّثة حين تنعدم السبل للحصول على مياه صالحة للاستهلاك.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=AXDwOrTUXws&w=853&h=480]

تعاني المناطق الريفيّة النائيّة من ولاية القصرين منذ عقود من مشاكل لا تعدّ ولا تحصى نتيجة أزمة الماء الصالح للشراب وغياب شبكات الصرف الصحيّ. إلا أن سنة 2014 كانت استثنائيّة بعد أن شهدت ثلاثة حوادث دراميّة، ففي شهر أكتوبر الفارط تعرّض أهالي منطقة العيون إلى القمع والتعنيف من قبل قوّات الأمن على خلفيّة إحتجاجهم على غياب الماء الصالح للشراب، كما قُطعت المياه في شهر ديسمبر عن مدرسة ابن سينا في منطقة بوزقام خلال شهر كامل. أمّا حيّ الزهور في مدينة القصرين فقد كاد يشهد كارثة صحيّة في شهر جوان المنقضي بعد إختلاط الماء الصالح للشراب بمياه الصرف الصحيّ نتيجة “خطأ في التوزيع” كما جاء في بلاغ الديوان الوطني للتطهير.

موارد هائلة يقابلها سوء في التصرّف والإستغلال

يشير التقرير الصادر مؤخّرا عن المندوبيّة الجهويّة للتنمية الفلاحيّة في القصرين إلى أنّ « المنطقة غنيّة بالموارد المائيّة، حيث تبلغ التقديرات بحسب التقرير إلى 271 مليون متر مكعّب سنويّا بما في ذلك 29 طبقة مائيّة سطحيّة، تشترك مع ولايتي الكاف وسيدي بوزيد في اثنتين منهما، بالإضافة إلى 29 طبقة مائيّة جوفيّة ».

يبلغ معدّل استغلال المياه الجوفيّة في المنطقة 1.3%، ولكنّ التقرير المذكور يشير إلى « حدوث تجاوزات في المنظومة المائيّة خصوصا تلك الخاصّة بمياه الشرب والريّ. وتتمثّل هذه التجاوزات بالأساس في ظاهرة حفر الآبار العشوائيّة التي استنزفت طبقات المياه الجوفيّة في منطقتي سبيبة وفوسانة، بالإضافة إلى كمّ الطلبات الهائل لحفر الآبار العموميّة والخاصّة المخصّصة للريّ ». كما أن الاستغلال المفرط للبحيرات السطحيّة يهدّد بشكل جديّ الموارد المائيّة للجهة.

من جهة أخرى، وحتّى موفى سنة 2013، تشير التقارير إلى أنّ المجمّعات المائيّة لم تستطع تجاوز معدّل 94% في عمليّة توزيع المياه الصالحة للشراب، وهو ما يتعارض مع ما تمّ إعلانه في المخطّط الثاني عشر للتنمية حول المرور من نسبة 93.5% إلى 98% في عشرين معتمديّة في الجهة بما فيها مدينة القصرين.

إلا حد هذه اللحظة، في مشرق شمس، الونايسيّة، الخيمة، الخلايفيّة، السميشات والعيون، تتواصل معاناة الأهالي نتيجة حرمانهم من المياه الصالحة للشراب حتّى في المدارس، في ظلّ تواصل تعسّف الإدارة وجو اللامبالاة.

مشرق شمس

هو إسم واحدة من القرى الصغيرة التي لا تجد لها مكانا في الخرائط الرسميّة، ولكنّ « أهلها البالغ عددهم 1500 نسمة إختاروا لها هذا الإسم الذّي يشير إلى نقطة شروق الشمس من بين الجبال المحيطة بها. وتقع هذه القرية على بعد 300 كم عن العاصمة التونسيّة بين مدينتي سبيطلة والقصرين ».

Masherq-Chams-sondage-eau-crise

خلال حديثنا مع أحد الحرّاس، أعلمنا هذا الأخير أنّ :

نظام الإمداد الوحيد بالماء الصالح للشراب في المنطقة هو برج المياه. حيث تستفيد 700 عائلة عن طريق مضخّات توصل المياه إلى منازلهم. ولكنّ الحقيقة أنّ 500 عائلة فقط هي من تصلها المياه المخزّنة في البرج مباشرة، أما المائتان الباقون فيضطرون إلى اللجوء إلى صهاريج المياه المنقولة عبر الشاحنات بسبب ضعف التدفّق، والتي تتراوح كلفتها بين 15 دينار و25 دينار حسب المسافة المقطوعة.

وتكمن المشكلة بالأساس في غياب صيانة التجهيزات من جهة و في الكلفة المرتفعة لصهاريج المياه من جهة أخرى. ويعود ضعف تدفّق المياه في شبكة التوزيع إلى قدم نظام الضخّ اليدويّ المستعمل لتغذية الخزّان الرئيسيّ. ليضيف محدّثنا قائلا؛ « منذ إنشاء هذا البرج، سنة 1982، لم تكلّف المندوبيّة الجهويّة للتنمية الفلاحيّة نفسها عناء صيانة التجهيزات المرفقة به. ولمعالجة هذا الخلل، عمدت هذه الأخيرة إلى تعويضه بواحد أقلّ حجما وقدرة، ونتيجة لذلك لم أعد قادرا على الحصول على نفس كميّة المياه كما في السابق، وانخفض معدّل التدفّق إلى النصف تقريبا ».

وبالفعل، انخفضت كميّات المياه الموزّعة نتيجة ارتفاع كميّة الإستغلال للموارد المائيّة في الخزّانات. وقد أدّى إنخفاض التدفّق بحسب التقرير الصادر عن المندوبيّة الجهويّة للتنمية الفلاحيّة في القصرين إلى ارتفاع معدّل استغلال ما يناهز الألف بئر ارتوازيّ و 115 بئرا عميقة تمّ حفرها خلال العشريّة السابقة في مختلف جهات الولاية. كما اعتبرت المندوبيّة أنّ استعمال الصهاريج، كان حلاّ مثاليّا يتلاءم مع واقع المنطقة.

وإجابة عن سؤالنا حول جودة المياه، أكدّ الأهالي أن مشكلة التلوّث غير مطروحة وأنّ استعمال الكلور للتطهير هو مجرّد إجراء احترازيّ. ليستطرد أحد سكّان المنطقة قائلا « نمتلك هنا ثروة مائيّة طبيعيّة لا تنضب، ولكنّ ما ينقصنا هو الإدارة الجيّدة وحسن التصرّف في هذه الثروة ».

وقد أعلمنا الحارس أنّ المسؤول عن تعقيم المياه الصالحة للشراب قد أوكل له هذه المهمّة بعد أن لقّنه حول الكميّات الضروريّة من الكلور التي يجب إضافتها للمياه في المخزّنة في البرج. من جهته، يؤكّد رئيس الجمعيّة المائيّة لمشرق شمس عبد الستّار الشهبي قائلا:

لا يمكن إنكار حدوث انقطاع في إمدادات المياه في حال عدم سداد بعض الأهالي لفواتير الإستهلاك، لكنّنا عموما نتغلّب على هذه المشكلة بطريقة أو بأخرى. والأغلبيّة الساحقة من سكّان المنطقة ينتفعون بالمياه الصالحة للشراب عدا قلّة تتراوح بين 60 أو 70 عائلة تقطن بعيدا عن قنوات التوزيع.

وبحسب السيّد الشهبي، يتمّ في الوقت الحاليّ انجاز مشروعين بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدّة للتنمية و سويسرا بهدف إصلاح عمليّة توزيع المياه بصفة دائمة على أهالي مشرق شمس والقرى المجاورة.

من جهة أخرى، وبالتعاون بين جمعيّة مشرق شمس وجمعيّة “Tunisentraide” التونسيّة الكنديّة، تم إطلاق مشروع “الماء هو الحياة” لتأمين حصول أهالي القرية على المياه النقيّة.

الونايسيّة والخيمة

لم يجد أهالي الونايسية والخيمة من بديل سوى اللجوء إلى صهاريج المياه للتزوّد بالماء الصالح للشراب بعد حرمانهم من الربط بشبكات المياه والصرف الصحيّ. ومن المفارقات، أنّ هؤلاء الأهالي يضطرون لدفع مبالغ مرتفعة لقاء نقل الماء إلى مناطقهم عبر الصهاريج المحمولة على الجرّارات في حين يدفع غيرهم من الذّين يتمتّعون بالربط مع شبكات المياه مبالغ اقلّ بكثير. ولكنّ ورغم أنّ السكّان يقتطعون تلك المبالغ المهمّة من مداخيلهم الضعيفة إلاّ أنّ المياه التي يستهلكونها ملوّثة وغير صالحة للاستهلاك، حيث يتلوّث الماء نتيجة نقله في الصهاريج الحديديّة وتفريغه بعد ذلك في الأحواض الإسمنتيّة (الماجل) التي يبنيها الأهالي بمفردهم لتخزين تلك المياه.

سبيبة

وجهتنا التالية كانت معتمديّة سبيبة الواقعة في الشمال الشرقيّ لولاية القصرين، وتحديدا قرية هنشير العسل في منطقة الخلايفيّة حيث تتجلّى بشكل أوضح مشاهد التهميش.

تتمّ عمليّة التزوّد بالماء في هذه القريّة عبر قناة رئيسيّة تتفرّع عنها أنابيب ربط للمنازل التي لا يستطيع سوى المقتدرون من أهالي القرية الحصول عليها. وهو ما شكته لنا أحد القاطنات هناك قائلة: « أنا أرملة، وحالتي الماديّة الضعيفة تمنعني من الحصول على أنبوب الربط بالماء الصالح للشراب. من حسن الحظّ أنّ جيراني يتبرّعون لي بكميّات من الماء من أنابيبهم الخاصّة ».

Khlayfia-kasserine-crise-eau-tunisie

وقد عاين فريق نواة بوصوله للخلايفيّة الأشغال المخصّصة لتوسيع قنوات الربط والتزوّد بالمياه الصالحة للشراب من القناة الرئيسيّة. وقد شرح لنا السيّد صالح ميساوي أمين مال الجمعيّة المائيّة الوضع قائلا أن « المشكلة الرئيسيّة تكمن في تجاهل تطلّعات وطلبات الأهالي. نحن سننقل بأمانة هذه التشكيّات لنحاول التأثير على المسؤولين ».

ويؤكّد سكّان هنشير العسل أنّه يكفي ببساطة أن يتمّ تمديد القنوات 200 مترا إضافيّة ليتمكّنوا من التمتّع
بالمياه الصالحة للشراب. ويتدخّل هنا أحد الأهالي غاضبا:

أحيانا تدفعنا حالة اليأس والغضب من وضعيّتنا المأساوية إلى تحطيم أنابيب الربط لنتمكّن من التزوّد بالمياه.

kasserine-Khlayfia-crise-eau

سميشات

سياسة الإمدادات بالمياه في هذه المنطقة هي نفسها، أحواضا خرسانيّة يتمّ تعبئتها عبر الصهاريج المنقولة على الجرّارات والنتيجة مياه رديئة وتدخّل رسميّ دون المطلوب لإصلاح منظومة التزوّد بالمياه.

وقد عبّر لنا السيّد يوسف السميشي رئيس الجمعيّة المائيّة في القرية عن امتعاضه من الدراسة التي تمّ تقديمها وتنفيذها من قبل مكتب دراسات تمّ إختياره من طرف المندوبيّة الجهويّة للتنمية الفلاحيّة في القصرين. وقد إعتبر محدّثنا هذا الإجراء تعسّفيا نظرا لاستبعاد أعضاء الجمعيّة المائيّة الذّين من المفروض أن يكونوا حاضرين كممثّلين لأهالي المنطقة في هذا المشروع. ويضيف محدّثنا:

لقد تقدّمنا بإحتجاج رسميّ ضد هذه التدخّلات الغير مفهومة والمنقوصة. ولكن كالعادة لم نتلقّى أيّ ردّ حتّى هذه اللحظة. ولا استغرب ذلك فالسياسة الرسميّة للإدارة هي التجاهل. ولكنّني واثق أنّ ثمّة تلاعب وشبهات كثيرة تحوم بالمشروع… لقد فقدنا ثقة الأهالي نتيجة الأخطاء التي ارتكبها مكتب الدراسات. ولكنّنا نحاول بأقصى جهد ممكن أن نقف بالمرصاد لأيّ عمليّات تقنيّة للربط بالشبكة المائيّة تكون دون جدوى حقيقيّة أو لا ينتفع منها أكبر عدد من الأهالي.

العيون، الغورين

في منطقة العيون، المصدر الوحيد للتزوّد بالمياه الصالحة للشراب هي بئر تمّ وصلها بشبكة للتوزيع عبر مضخّة مائيّة. ولكنّ الأهالي لم يخفوا عنّا هواجسهم، إذ أكّدوا لنا أن « قطع المياه دون سابق إنذار هي إمكانية واردة للغاية، وهو ما يدفعنا إلى تخزين المياه في صهاريج كخيار بديل تحسبّا لتلك اللحظة ». ولتوضيح المشكلة، تحدّثنا إلى مدير مدرسة المنطقة حمزة نصراوي والذّي يشغل منصب أمين مال الجمعيّة المائيّة في المنطقة.

نحن نواجه مشكلة تتعلّق بنقص تأطير مندوبيّة التنمية الفلاحيّة بالقصرين. نحن نتمتّع بكيان قانونيّ واستقلاليّة ماليّة تتأتّى من بيع المياه للأهالي كما نقوم بأعمال الصيانة الدوريّة لشبكة التوزيع، ولكنّ مداخيل بيع المياه أقلّ بكثير من تكاليف صيانة المعدّات، ولكنّ ما يثقل كاهلنا هي فواتير الشركة التونسيّة للكهرباء والغاز التي غالبا ما نعجز عن سدادها.

في المدرسة، كنا شاهدين على إشراف المدير شخصيّا على تركيز خزّان مائيّ يستجيب للشروط الصحيّة، والقيام بأعمال الصيانة.

بعد أربع سنوات على الثورة، لا يزال الحصول على المياه الصالحة للشراب هاجس الأهالي الأولّ في المناطق الريفيّة في القصرين. وقد دفع الانقطاع المتكرّر لإمدادات المياه السكّان إلى تحصيل الماء من مصادر ملوثّة وغير صالحة للاستهلاك البشريّ. كما دفع الإهمال وغياب الصيانة عن شبكات الربط والتطهير العديد من سكّان تلك القرى إلى مغادرة مناطقهم بعد أن صارت حياتهم مهدّدة بالتلوّث والأمراض الناتجة عن تلوّث الماء وغياب أدنى المعايير الصحيّة.

villageois-deplaces-crise-eau-kasserine-tunisie

ما تزال السياسات المائيّة تتأخّر في معالجة معاناة تلك المناطق التي سقطت سابقا من حسابات التنمية الإجتماعيّة والإقتصاديّة. أمّا عن معدّلات الربط، فتتراوح في عموم الولاية بين 91% شمالا و94% وسط الجهة و98% جنوب القصرين. وتبدو عمليّة تزويد تلك المناطق صعبة نظرا لعوامل عديدة تتراوح بين التضاريس الوعرة والمناخ القاسي وندرة الموارد الطبيعيّة. أمّا الجمعيّات المائيّة الناشطة في مجال توزيع المياه، فتعاني هي الأخرى من مشاكل ماليّة واجتماعيّة وتقنيّة وإداريّة.

kasserine-attente-eau-crise-tunisie

وهنا وجب التساؤل إن كان مشروع تعديل قانون المياه سيساهم في حلّ معضلة القصرين وتمكين أهلها من حقّهم في الماء الصالح للشراب. ولكن، وحتّى هذه اللحظة، يبدو أنّ نواب الشعب الجدد غير مستعجلين لدراسة هذا المشروع والمصادقة عليه!