بقلم أنيس العاشق ،

قرأت يوم الإثنين 20 جوان في عديد المواقع الإلكترونية خبراً مفاده أن احزاب النهضة والحزب الديمقراطي التقدمي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية (وربما أطراف أخرى في الهيئة العليا لم تذكر) عارضت مناقشة تنظيم تمويل الأحزاب. وبينما كنت انتظر أن تثور عاصف في الرأي العام التونسي على ما حدث ما راعني إلا أن العكس حدث ومر الجميع على هذا الخبر مرور الكرام حتى صفحات الفيسبوك التي عادةً “تعمل من الحبة قبة”. و عوض ذلك انحصر الإهتمام في محاكمة المخلوع ومصونه. وزاد في ذهولي ما قرأته على صفحة الفيسبوك لأحمد نجيب الشابي الذي ينادي صراحةً بمنع أي قيد على تمويل الأحزاب في هذه الفترة التي هي بصدد التنظم فيها.

إن السماح اليوم لرجال الأعمال بضخ عشرات أو مئات آلاف الدينارات في الأحزاب السياسية من شأنه الإخلال بموازين الأحزاب بشكل خطير. فمعنى ذلك أن حزباً يسانده حفنة من رجال الأعمال الباحثين على “إستثمار” في حزب سياسي ستكون له إمكانيات تفوق بكثير حزباً جمع مساندة عشرات أو مئات الآلاف من المواطنين. نحن نريد اليوم أن تكون شعبية الأحزاب مكونةً لإمكانياتها المالية لا أن يكون مال الأحزاب مكوناً لشعبيتها. ومن السذاجة التفكير في أن رجل أعمال أو شركة تدفع المال الطائل لمرشح لحبها لأفكاره النبيلة. إن تفكير الشركات ورجال الأعمال يدور حول محور واحد وهو الربح. و التجارب الديمقراطية في العالم تثبت بما لا شك فيه أنه متى فتح المجال لرؤوس الأموال لقلب الموازين المالية للأحزاب بضخ الأموال الطائلة فيها كلما أفضى ذلك إلى سلطة سياسية منتخبة هي في الحقيقة مدينة للاوليغارشية التي ساندتها أكثر من عامة الشعب. وتبعات ذلك على سياسات تلك السلطة هي كارثية لروح الديمقراطية حيث تمر مصلحة فئة أمام المصلحة العامة.

و من يظن أن شفافية موارد الأحزاب هي كافية لتفادي التجاوزات فهو مخطئ تماماً ولكم في مثال الولايات المتحدة الأمريكية خير دليل حيث أن الشفافية تامة في ما يخص المساهمات الفردية ومساهمات الشركات دون أن يمنع ذلك لوبيات الشركات العملاقة من السيطرة على المشهد السياسي ولكم في مؤلفات ناوم شومسكي و كتب وأفلام مايكل مور أمثلة مفزعة. وأحد هذه الأمثلة التي تحدث عنها مايكل مور مثير للضحك والإشمئزاز في نفس الوقت حيث أن اجرائات الأمن الذي اتخذت في المطارات الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر أصبحت جد صارمة إلى حد منع الملابس الداخلية للنساء إذا كانت فيها قطع معدنية بسيطة ومقابل ذلك تدخل جورج بوش لكي لا تمنع الولاعات التي تمثل خطر حقيقي بسبب ضغط لوبي صانعي السجائر أحد ممولي حملته الإنتخابية والهدف كان تمكين المدخنين من إشعال سيجارتهم حال خروجهم من المطار !

إذاً دعوتي اليوم للجميع بترك مسلسل محاكمة المخلوع ومصونه جانباً والإهتمام بما هو أخطر على مستقبلنا ألا وهو خطر سيطرة كبار رؤوس الأموال على الأحزاب السياسية إذا لم تضبط قواعد تحدد حجم مساهمات الشركات ورجال الأعمال فيها.

و أخيراً و رداً على أحمد نجيب الشابي الذي قال أنه في حالة فرض سقف لتمويل الأحزاب فإن ذلك سيدفع الأحزاب إلى الغش أقول له….بدون تعليق