ما كنت لأكتب هذا المقال الذي يسير ظاهره في اتجاه واحد ، خشية سوء الفهم الذي يقسم الجميع اما مع هذا أو ضد ذاك . ولكن تعليق أمي جعلني اكثر اصرارا. امي العجوز التي قاربت الثمانين وهي تشاهد سكاتشات “التونسية” اليومية ودُماها المشيطنة عندما نطقت بكل تلقائية : ” عيب والله عيب … كيفاش يُسكتولهم على هذه المَسخرة ” …. وامي التي لا تميز بين الاحزاب ، لمّا سألتها عن اداء الحكومة ، قالت ما زلنا ما رٍِينا شيء كان الكلام والبلاد ماشيا توخّرالتالي..”

اما انا فاني ادعي اني سأكون على نفس الموقف الرافض لمنتوج التونسية غير المحترف لو انها كانت تنتقد المعارضة بنفس الشكل…

لقد دخلت قناة التونسية بغير قيود وبدون مقدمات في حملة انتخابية مضادة وغير مسبوقة ضد احزاب الترويكا ، ولعله لاول مرة تتخصص قناة من داخل تراب البلد في شن حملة تحقيرية تهكمية مكثفة وموجعة ومتواصلة وبدون قيود قانونية او حرفية اواخلاقية ضد الحزب الحاكم وحلفاؤه.

يعلم اهل الذكر في ميدان الاعلام ان البث اليومي لبرنامج “لاباس” والقلابس خلال شهر رمضان لعبة مدروسة ومشروعة للاستفادة من تقاليد سوق الاشهار التي تجود بها بركات رمضان .وطبيعي ان يتضمن البرنامج نقدا هزليا وكوميديا للحكومة والقائمين عليها وهذا تلفزيا مطلوب وضروري ضرورة الملح للطعام لتعيش القناة والقائمين عليها بمواكبتها لمزاج الرأي العام. لكن شركة كابتيس صبت كل ما في كيس الملح وسط قدر الطعام وقالت هل من مزيد وتخصصت في سب الحكومة والنهضة والمرزوقي دون سواهما وتهنتيلها عبر مسلسل الشتم والاعتداء الضامر جدا..

ماذا لو اخضع منتوج هذه القناة لدراسة من قبل اخصائيين تححد اتجاه الخطب وبلاغاته باعتماد منهج تحليل المضمون ؟ اننا لسنا في حاجة الى ذلك فيكفي جرد قائمة الضيوف ومَن موضوعا مستمرا للتهكم والسخرية والتشهيير و”تطييح القدر ” و” التهنتيل ” المتواصل . ان الشكل الذي يتم به نقد النهضة والمرزوقي والجبالي دون توقف لا يمكن ان يكون الا سباق في مضمار حملة انتخابية مضادة لاحزاب الترويكا ، ولكن قناة “التونسية ” تسابق نفسها لان الاسلوب المعتمد في النقد ابتكار جديد ويتطلب براءة الاختراع ، فقد عهدنا نقد السياسيين يتم عبر خطاب سياسي وتحاليل ونقد للبرامج والاهداف والممارسات السياسية ولنا في “نسمة ” مثلا..الا ان “التونسية” تكفلت بعروض لا تنتهي لاسكاتشات وقلابس وكوميديا تمعن في التحقير والتهنتيل بلا حدود..ويمكن يكون هذا النمط مشروعا اذا كان مشفوعا بنقاش وآراء محللين ولو سار في اتجاه واحد فلا يمكن باية حال معالجة قضايا السياسة فقط باستباحة اعراض الناس وتصويرهم بشكل مشوه باستمرار ودون رد او تعقيب او عرض حجة او بيان …( قيّد على قوة الضمار )
بالاضافة الى الكوميديا الهجائية المشخصنة يتم اقحام تعمد تشويه النهضة في كل موضوع مهما كان ويتم السخرية من الحكومة وانصارها مع كل ضيف ودائما بما لا علاقة له بالموضوع.

هل يجود اعلام بلا قانون منظم يساوي بين حقوق الناس ويحفظ اعراضهم ؟
الجميع يعلم اننا مقبلون على انتخابات بعد مدة ، فمن اعطى الحق للتونسية في تشويه احزاب معينة لصالح خصومها باسلوب خال من الموضوعية وبعيد عن المنطق السياسي والاعلامي؟ اليس حق الرد مضمونا ؟ فكيف سيرد على هذا الابداع المشط المبتذل غير القائم على وقائع يمكن حصرها؟

الم تؤد المبالغة في النقد وشيطنة النهضة عبر وسائل الاعلام الى دعمها وجعل الناخبين يتعاطفون معها ؟
لقد استطاعت شركة كابتيس منذ تأسيسها ان تفرض على التونسيين حصص زمنية مطولة للاشهار التلفزي غير مسبوقة في العالم . كما تمكنت كابتيس بفضل وطنيتها ان تؤسس لنمط جديد من الدراما في تونس يبيح حصر المشهد التونسي في فٍَلْل فاخرة وقصور وعصابات مخدرات ولغة بذيئة وتعميم الخيانة الزوجية والمعاشرة غير المقيدة على جميع الشخوص وكأن ذلك العهر نمط عيش كل التونسيين…

ووجدت كابتيس باب التلفزة مفتوحا لتأسيس برامج تمكن من نشر الفضائح والوقائع الشاذة والغرائب بشكل استباح خصوصيات الافراد العائلات..

ها هي كابتيس بعد الثورة تؤسس لابتذال النقد السياسي والمعارضة العدوانية وتنتصر لفئة دون اخرى عسى الفساد لا يضيع اجر العابثين.

بقلم محمد يوسف