بقلم صابر قرين،

إنتفض أهالي سليانة أطفالا، شبابا، كهولا، نساء، شيوخا و عجائز للمطالبة بنصيبهم الموعود من التنمية التي نفد صبرهم في انتظارها و التي طالما تشدّق بها حكّام تونس الحاليّون أثناء حملاتهم الإنتخابية و اعتبروها ورقة رابحة للتواجد تحت قبة مجلس باردو. إنتفض الأهالي من أجل الشّغل و الكرامة و هي مطالب إجتماعية مشروعة مرتبطة إرتباطا عميقا و عضويّا بروح الثّورة و لا يمكن لعاقل تجريمها أو نفي صفة الشرعيّة عنها. انطلقت الاٍحتجاجات سلميّة و مدنيّة بتأطير محكم من طرف الإتحاد العام التونسي للشّغل الذي كان قد أعلن الإضراب العام في الولاية مساندة للأهالي في مطالبهم و قد كان المطلب الأساسي متمثّلا في إقالة الوالي أحمد الزّين محجوب نظرا لفشله الصارخ في إدارة شؤون الولاية و لرفضه للحوار. يصف أهالي سليانة واليهم بعدم الكفاءة و بعدم الحياد، يردّدون بأنّه لا يمثّلهم و يتّهمونه بتغليب الإنتماء الحزبي الضيق على الإنتماء للولاية التي يشرف على تسيير شؤونها و بخدمة مصالح حزب حركة النهضة على حساب المصالح التنمويّة لولاية سليانة.

عند وصول الإحتجاجات الى أمام مقر الولاية أين تجمهر الآلاف من المحتجّين رافعين شعار Dégage في وجه الوالي للتعبير عن سخطهم عليه و عن ضرورة الإسراع بإقالته، سارعت قوات الأمن المتواجدة هناك لحراسة مقر الولاية بإطلاق القنابل المسيلة للدّموع لتفريق المتظاهرين ممّا أدّى إلى اندلاع مواجهات عنيفة بين القوات الأمنية و المحتجّين الذين لجؤوا إلى رشق الأمنيّين بالحجارة للتّعبير عن تشبّثهم بمطلبهم. كان بالإمكان توقّف الأمر عند هذا الحد عبر اتخاذ قرار يقيل الوالي من مهامّه لتجنيب الولاية ما هو أسوأ. لكن حدث العكس تماما، أطلّ رئيس الحكومة في تصريح تناقلته وسائل الإعلام مفيدا بأنّ الوالي لن يخرج و أنّه سيخرج قبله مشيرا إلى أن عهد Dégage أي إسقاط المسؤولين عبر الإحتجاج قد ولّى و انتهى ظنّا منه بأنّ عزل الوالي في مثل هذه الظّروف يمثّل استضعافا للدّولة و تعدّيا على هيبتها. و لم يفت رئيس الحكومة أيضا الإشارة – بطريقة مضحكة وغير مقنعة لا تستند إلى أيّ أساس موضوعي و لا تفيد سوى التهرّب من المسؤوليّة و الهروب إلى الأمام – إلى تورّط إتحاد الشّغل و الجبهة الشعبية و أزلام النظام السّابق في تأجيج الإحتجاجات و في افتعال الأزمة التي تشهدها سليانة.

إعتبر الأهالي المنتفضون تصريح رئيس الحكومة تحدّيا لإرادتهم و استهتارا بمطالبهم و عدم اكتراث بها فأصرّوا على مواصلة الإحتجاج حتّى تحقيق مطلبهم. أمام إصرار المواطنين و تصميمهم على تتويج احتجاجهم بعزل الوالي المنبوذ، ما كان من رجال الأمن سوى اللّجوء إلى استعمال نوع جديد و غريب من السّلاح لم تعرفه تونس من قبل ألا وهو الرصاص الإنشطاري أو ما يعرف بتسمية “الرش” و هو نوع من الخراطيش التي يقع ملؤها برصاصات كرويّة صغيرة تتناثر عند الإطلاق. تمّ تحريم سلاح “الرش” دوليّا منذ أن وقع استعماله في البحرين لقمع المتظاهرين. يُستعمل “الرش” عادة في الصيد. فهل كان الأمن “الجمهوري” في تونس يصطاد المواطنين الرّافضين لواقع سياسي و إقتصادي و إجتماعي بائس لا يتماشى مع طموحاتهم البسيطة؟!! أسفر إستعمال “الرش” في سليانة على إصابات مأساوية لعدد كبير من المتظاهرين (أكثر من 300 مصاب). طالت الإصابات كامل مناطق الجسد تقريبا: هناك من ثُقِبَ صدره، هناك من أُصيبت ساقاه و هناك خاصّة من سيحمل آثار القمع و الإستعمال المفرط للقوّة ما دام على قيد الحياة. أقصد هنا من أصابهم “الرش” على مستوى العينين ممّا أدّى إلى فقدانهم لنعمة البصر إلى الأبد. هل كان من الضّروري اللّجوء الى “الرش”؟؟ هل كان من الضروري في سليانة أن تعمى عيون “الزوالي” من أجل عيون الوالي؟!!

للأمانة، لم نتعوّد في تونس على مواجهة المظاهرات “بالرّش” في عهدي بورقيبة و بن على فهو سلاح جديد لم يفهم حتّى الأطبّاء الإصابات التي يخلّفها. في هذا الإطار، يردّد الجميع بأنّ “الرّش” مأتاه دويلة قطر و هي إحدى أكثر دول العالم دكتاتورية و استبدادا. يبدو أن أوّل نتائج التعامل مع قطر و التعاون معها لم يثمر عن مشاريع تنمويّة أو استثمارات كما ردّد أعضاء الترويكا و إنّما عن هبة أرسلها “زوج الشيخة موزة” تتمثّل في 74 آليّة و العديد من المعدّات المخصّصة لقمع المظاهرات يسمّونها زورا بوسائل منع الشّغب. فشكرا لقطر على فقدان نعمة البصر!

إستعملت الحكومة سلاح “الرّش” ظنّا منها أنّها بذلك تدافع عن شرعيّتها التي تستمدّها من صناديق الإقتراع. ألا يعلم أعضاء الحكومة أنّ شرعيّتهم مهترئة و ليست مقدّسة ما دمنا في فترة إنتقاليّة قابلة لجميع الإحتمالات؟!! يعتقد صنّاع القرار اليوم خاطئين بأنّ تمتّعهم بهذه الشّرعية النّسبيّة يخوّل لهم فعل ما يشاؤون دون مساءلة أو محاسبة، يريدون التّصرف دون رقيب أو حسيب و يتفنّنون في إعطائنا لدروس في الديمقراطية يركّزون من خلالها فقط على أنّ إسقاط الحكومة لا يتمّ إلّا عبر صناديق الإنتخاب متناسين في الوقت ذاته أنّ “لا صوت يعلو فوق الشعب” و أن الشعب بتحرّكاته العفويّة و المنظّمة أقوى و أعظم من كل النظريّات السياسية. متى تفهم الحكومة و يفهم الشعب التونسي عموما أنّ إسقاط الأنظمة المستبدّة و القمعيّة لا يمكن أن يحصل أبدا عبر صناديق الإقتراع؟!! أيّتها الحكومة، هل سقط نظام بن علي عبر صناديق الإقتراع؟

يُستعمل “الرّش” إذن لفرض شرعيّة مقدّسة مزعومة على النّاس و أكثر ما يقع التعجّب له هو أن يبرّر ممثلو النهضة و بعض أعضاء الحكومة و بكلّ صفاقة و انعدام للمسؤوليّة إستعماله تفاديا لاستعمال الرّصاص الحيّ. هل كان هؤلاء سيتّخذون نفس الموقف لو حصلت هذه الأحداث في عهد حكومة أخرى غير حكومتهم “الشرعيّة جدّا”؟؟