بقلم نادية الهداوي، ترجمه إلى العربية محمد سميح الباجي عكّاز، بالتعاون مع نادية الهداوي.

لم تعد القضيّة خافية على أحد بعد اليوم. فقد اتّضح أنّ العقد الإعلامي الجديد لا يرضي البتّة بعض أصحاب القنوات والإذاعات الخاصّة الذّين يسعون إلى إسقاط الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصريّ “هايكا”. وقد ترجم هؤلاء موقفهم من الإجراءات التعديليّة الحسّاسة بشنّ حرب جنّدوا لها الصحافيّين العاملين في مؤسّساتهم في معركة لن تكون في مصلحة المهنة.

ولكنّ الأخطر، هو ما شهدته هذه الحملة من تضليل ونشر للمعلومات الخاطئة، وهو ما تجسّد بوضوح من خلال “النقاشات” التي نظّمتها قناة “نسمة” والتي ستبقى في تاريخ الصحافة مثالا لفشل الانتقال الإعلامي خلال هذه المرحلة الحاسمة.
والحقيقة أن هذه الضجّة بلغت أوجها على إثر تحديد “الهايكا” أجل نهائيّ، بتاريخ 28 سبتمبر 2014 في تمام منتصف الليل، لفرض العقوبات التي ينصّ عليها القانون على الإذاعات والقنوات التلفزيّة التيّ تبثّ دون إجازة.

في حالة ممارسة نشاطات بث دون إجازة ، تسلط الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري خطايا تتراوح بين عشرين ألف دينار وخمسين ألف دينار و لها أن تأذن بحجز التجهيزات التي تستعمل للقيام بتلك النشاطات.الفصل 30 من المرسوم 116

قبل عدّة أشهر خلت، حذّرت نواة من “الهجمات” التي ستتعرّض لها كلّ من الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات والهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري من الأطراف التي يزعجها عمل الهيئتين. “على الرغم من هشاشتهما، وعمرهما القصير” فإنّ هاتين الهيئتين تضطلعان بمهمّات حيويّة. وقد تساءلت “نواة”، عندما طرحت مخاوفها؛ عمّا إذا كان الرأي العام (تحت ضغط الحملات الإعلامية الكاذبة) قادرا في اللحظة الحاسمة أن يتجنّب الوقوع في فخّ أولئك الساعين لتقويض سلطة هاتين المؤسّستين
“بين صفّين من المدافع”!
بعد الهجوم المنظّم ضدّ كرّاس الشروط، حان الوقت على ما يبدو لتوجيه ضربات أقسى. إذ بالوصول إلى نهاية هذه المهمّة الصعبة، وجدت “الهايكا” نفسها “بين صفين من المدافع”، فمن جهة يحاصرها أرباب المؤسّسات الإعلامية، ومن جهة أخرى يحاصرها السياسيّون، لفرض رؤيتهم الخاصّة لهامش المناورة الذّي يحتاجونه في إدارة معاركهم الانتخابيّة.

وعلى الرغم من أنّ “موزاييك أف أم”، و”جوهرة أف أم”، و”اكسبرس أف أم” و”كاب أف أم” قرّرت في نهاية المطاف الإمضاء على كرّاس الشروط، فإنّ قنوات “نسمة” و”حنبعل” ما زالتا ترفضان تقديم ملفيهما إلى الهيئة العليا المستقلّة
للاتصال السمعيّ البصريّ.

إذ يؤكّد نبيل القروي مدير قناة “نسمة”، من منطلق رفضه المبدئيّ لفكرة تعديل القطاع، ومستغلاّ في الآن نفسه مفهوم “استمراريّة الدولة”، أنّه يتمتّع بترخيص البثّ منذ سنة 2007 خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن عليّ، وأنّ هذا الترخيص يمتدّ حتّى سنة 2019، على الرغم من أنّ القانون الإداريّ لا يعترف بسلطة الترخيص.
وتعتبر بنود الاتفاق بين “قناة نسمة” والنظام السابق بنودا مقيّدة لعمل القناة، إذ تحدّد واجبات جهة البثّ لا غير، في حين تتغاضى عن حقوقها. فالقناة بحسب ذلك الاتفاق، تلتزم بعدم البثّ المباشر، أو نشر الأخبار ولا يحقّ لها إلاّ تقديم البرامج الترفيهيّة من قبيل المنوّعات وبرامج الطهي… ولكنّ الحقيقة الكامنة وراء اتّهام “الهايكا” بممارسة “إغراق السوق” هي خوف القروي من المنافسة في ظلّ استمرار مشاكل قناته الماليّة رغم التمويلات التي تلقّتها منذ سنة 2008 من شركة “كينتا للإعلام ” لطارق بن عمّار وشركة برلسكوني “ميدياست”.

إنّ مقارنة “الهايكا” بالوكالة سيّئة الذكر في عهد بن عليّ (الوكالة التونسيّة للاتصال الخارجي) وبعبد الوهّاب عبد الله, لا معنى لها. والذين يجرؤون على قول ذلك يتناسون أن “قبول الرئيس السابق بفتح مجال السمعي البصري أمام الخوّاص لللإستثمار في القطاع الإعلاميّ سنة 2003، لم يكن الهدف منه إنهاء احتكار الدولة لهذا المجال، بل توزيع التراخيص كامتيازات للعائلة والمقرّبين والأصدقاء الأوفياء للنظام”. وفي هذا الإطار تمتّعت كذلك قناة حنّبعل لمالكها العربي نصرة بهذا الترخيص سنة 2005. ولكن، أليس قلب المعاني والمفاهيم وجها من وجوه الدعاية وتزييف الواقع؟

ونستعرض في ما يلي بعض عبارات هذا القلب التي جاءت على لسان بعض الصحفيّين وأصحاب المؤسّسات الإعلاميّة والسياسيين:

التعديل = الرقابة
الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري = الوكالة التونسيّة للاتصال الخارجي
استمرارية المؤسّسة = بطالة الصحفيّين
تنوّع المشهد الإعلامي = تفقير المشهد الإعلامي
نزاهة = ابتزاز ومساومة
شفافيّة = تواطؤ
حريّة = خارج على القانون
مواطن واع = متفرج ساذج

حريّة الإعلام بمفهوم قناة نسمة!

وفقا لقناة نسمة، فإنّ تعديل الإعلام أسوأ من الرقابة. وعلى هذا الأساس فقد عمدت القناة بمساندة مجموعة من الشخصيات الذين تمّت استضافتهم في استوديوهات القناة الخميس الفارط إلى التشكيك في سلطة الهايكا ومهمّتها التعديليّة للقطاع الإعلاميّ. وقد بدت المنشّطة مريم بالقاضي جاهزة تماما للهجوم، إذ أحاطت نفسها بثلاثة رجال قانون ومدير راديو “أم أف أم” الذّي لم يتحصل على رخصة بث من الهايكا.

وبما أن سلطة الخطاب القانونيّ غالبا ما تحجب حقيقة الأمور، فقد بذل رجال القانون ما في وسعهم من حجج ساعين إلى اقناع المشاهدين بأنّ هيئة التعديل تجاوزت حدودها. وقد صرّح السيّد توفيق بوعشبه الذّي كان حاضرا منذ أشهر في نفس الأستوديو لمناقشة موضوع مماثل، بأنّ المحكمة الإداريّة لم تقل كلمتها بعد بخصوص الدعوى التي رفعتها النقابة التونسيّة لمديري وسائل الإعلام ضدّ الهايكا في شأن تعديل كرّاس الشروط. ولكنّ هذا المتدخّل، اعترف من حيث لا يشعر أنّه لم يتوجّه من قبل إلى “الهايكا” إلاّ بعد أن استنجد به المجتمع المدني (ويقصد هنا بالطبع النقابة التونسيّة لمديري وسائل الإعلام). وهنا لم نفهم لماذا ذكّر السيّد كمال بن مسعود بالمخاض العسير الذي سبق ظهور الهايكا وطابعها الانتقاليّ مستعملا ذلك حجة لضربها. في حين أنّ هذا يثبت أنّه وقع تعطيل انطلاقة الهيئة لأن مهمتها تسبّب الكثير من القلق والريبة لدى العديد من المعارضين لتواجدها.

لقد عمد رجل القانون خلال هذه الحصّة إلى التقليل من أهميّة الهيئة العليا من خلال التركيز على طابعها الوقتيّ وهو ما لا يخول لها غلق مؤسسات إعلامية “ساهمت في نجاح عمليّة الانتقال الديموقراطي” كقناة نسمة مثلا. كما سعى استقالة عضوين مختصيّن في الشؤون القانونيّة داخل الهايكا موضع السؤال للتشكيك في قانونيّة قرارات الهيئة. والمستقيلان هما محسن الرياحي ممثّل النقابة التونسيّة لمديري الوسائل الإعلاميّة والقاضية رجاء شوّاشي ممثّلة جمعية القضاة. ونذكر هنا بأنّ استقالة القاضية كانت موسومة بخلل شكليّ.

ولكنّ الخبير يتناسى أنّ الهايكا هيئة دستوريّة تتمتّع بالسلطات التنفيذيّة والاستشاريّة، وأن ذلك لن يتغير حتّى بعد الاستحقاق الانتخابيّ القادم. إذ أنّ دورها، وفقا للفصل 125 من الدستور، يتمثّل في “العمل على تعزيز الديمقراطيّة”، ولكن ربما يعتقد الأستاذ بن مسعود أنّ الديمقراطيّة فقط قيمة شكليّة. وفي ظل هذه الاتهامات ألا يجب التشكيك كذلك في شهادة هذا القانونيّ الذي لم يمض وقت طويل على استقالته، هو الآخر، من الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، وهي الأخرى هيئة دستوريّة، لأنّ رئاستها لم تؤل أليه؟
من ناحية أخرى فإنّ الفصل 127 من الدستور يأكد على مبدأ “التعدديّة” وكذلك “نزاهة المشهد الإعلاميّ” الذي يجب أن تضمنه “الهايكا” ، وهو ما أشار إليه خبير فرنسي حول “طبيعة العملية التعديليّة التي يجب أن تضمن ما هو مناسب لمجال الإعلام ككلّ وهو ما يختلف تماما عن مراعاة المصالح الفردية للعاملين في المنظومة“.

القول الفصل للخبير

إذا لا وجود لحرية دون احترام القانون الذي ينظم ويحمي القطاع من جميع أنواع الانتهاكات والفساد. في ما يخصّ المدة المحددة لتعويض الأعضاء المستقيلين من الهايكا، وجب التذكير بما جاء في الفصل 47 من المرسوم عدد 116 الذي ينصّ على أن تعيين الأعضاء الجدد يعود إلى رئيس الجمهورية، الذي هو في حد ذاته مؤقّت! وفي هذا السياق، يبدو أن القضاة اختاروا بالفعل بديلا للشواشي ، في حين رفضت نقابة مديري وسائل الإعلام تسمية شخص ليحل محلّ الرياحي، وهو ما لم يقرأ حسابه المرسوم 116.

وقد ذكر الرياحي أن استقالته من الهايكا كانت بمثابة جرس إنذار لكشف غياب الشفافية في معايير الاختيار. وقال أنه ليس من قبيل الصدفة أن هذه المعايير نشرت في أعقاب رحيله، خصوصا وأن هذه المعايير لا تلبّي سوى 20٪ فقط ممّا ورد في كرّاس الشروط. على الرغم من أنّ الرياحي ساهم في وضع هذه المعايير قبل استقالته. كما وجب إثبات مزاعم الرياحي عن الانتهاكات المتعلقة بوضعيّة الحوار التونسي وقناة “فيرست تي في”. فالأولى تحصّلت على رخصة قناة تلفزيّة خاصّة على الرغم من طابعها الجمعياتي. في حين اشترت الثانية شركة العالمية التونسية بعد توقّف نشاطها، وهو ما يمثّل بحدّ ذاته مشكلة كما يقول السيّد الرياحي.

ولكن باتهامهم لأعضاء الهايكا باستغلال السلطة، وانعدام الشفافية، وحتى التواطؤ مع أرباب العمل والأحزاب السياسية، ألا يخشى هؤلاء “الخبراء في قانون القطاع السمعي البصري” من أن يقع التشكيك في المقابل بنزاهتهم؟ فهل إن السيد بن مسعود مثلا شارك كخبير مختصّ، “في الإشادة بلفتة الرئيس زين العابدين بن علي، وقد استقبل فريق برنامج “الحق معاك” في جوان 2010، التي تبرهن عن تشجيع أعلى سلطة في البلاد لقطاع الإعلام وحرية الإعلام”؟

وبدوره، اشتكى مدير “أم أف أم” من قرار الهايكا باستبعاده نظرا لانعدام المعيار المتعلق ب”دراسة الجدوى” في ملفه ، وأيضا بسبب قضايا مرفوعة ضده في الماضي. وقد تبين أن الهيئة، خلال دراسة ملفّات المرشحين، أرست إلى جانب المعايير شروطا إقصائية. فعلى سبيل المثال، رصدت الهيئة عمليات تحميل السجلات المالية من على شبكة الانترنت كما لاحظت أن البعض نسخ برامج ومواد من وسائل إعلاميّة أخرى.

نواب يصوّتون لصالح التعديل وينقلبون ضدّه خلال المرحلة الانتخابيّة!

عشية الموعد المحدد، أطلقت نسمة حملة تعبئة على موقعها على الانترنت وصفحة الفيسبوك، تحت شعار “#نسمة_حرّة #حنّبعل_حرّة #إعلام_حر“. كما سخّرت القناة موارد هائلة في خدمة حملتها عبر برمجة سلسلة من النقاشات والريبورتاجات طوال يوم الأحد. وتتالت الضيوف على بلاتوهات “قناة العائلة” للتعبير عن تضامنهم معها من فنانين، وكوميديين وصحفيين وأمنيّين وكذلك شقيق شكري بلعيد وجوهر بن مبارك وحتّي شقيقة الجندي الشهيد سقراط وغيرهم. ولم يكن لهؤلاء أدنى فكرة عن خفايا الموضوع وأساسيّات المهنة.

كما أجمع المواطنون الذين استجوبتهم نسمة، مع استثناء واحد، على أن الديمقراطية تعتمد على كمية وسائل الإعلام وليس على جودتها.

والغريب أن نوّابا شاركوا في هذا السيرك الإعلامي الكبير. كانت جميع الأطراف السياسية تقريبا حاضرة ومجمعة على الدعوة إلى تقليص دور “الهايكا”. هؤلاء النواب الذين صوتوا لترسيخ هيئة تنظيمية مستقلة سمعية بصرية، كانوا مرة أخرى مثالا في احترام القوانين والمؤسسات. وهل يجب أن نندهش من ذلك حينما نرى أعضاء الحكومة والمجلس التأسيسي هم بدورهم منشغلين بالاستحقاق الانتخابي القادم؟ وقد سبق وأعلن النواب عن نواياهم عندما احتجوا على قرار “الهايكا” بحظر نقل مداولات المجلس التأسيسيّ على المباشر في القنوات التلفزيّة.

الحديث عن القضايا والتحديات ذات الصلة بوسائل الإعلام أثناء الانتخابات، يؤدّي بنا في نهاية المطاف إلى تناول مسألة النظام الديمقراطي نفسه ومساهمة السياسيين في دفع مساره.

وقد استغل زياد لعذاري عن حركة النهضة هذه الفرصة ليقول دون حرج أنّ عهد “الترويكا” لم يشهد رقابة أو صنصرة من أي نوع ضدّ الصحفيّين أو أيّ من وسائل الإعلام المختلفة. وهنا، لم يجرأ احد من صحافيّي نسمة الحاضرين على تكذيبه أو تذكيره، ربما يرجع ذلك إلى سوابق عرفتها القناة حين طردت صحفيّين وتقنيّين دون إشعار أو ضمان اجتماعي، وهي ممارسات يقدم عليها معظم مدراء الوسائل الإعلامية المعادون “للهايكا”.

ولكن ما يثير الدهشة هو أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل، من خلال نقابته الأساسيّة، اتخذّ موقفا مناهضا “للهايكا” بذريعة تعطيل الصحفيين عن العمل. ألم يكن من الأفضل أن تقترح نقابة الإعلام مراجعة الاتفاقية الخاصّة لتحسين الظروف المعيشية للصحفيّين!

في خضّم هذه الأحداث المتتالية، غيّرت قناة الحوار التونسي التابعة للطاهر بن حسين منذ ليلة الأحد الفارط شعارها وذلك بإضافة اللون والشكل الأزرق لقناة “التونسيّة” التي يملكها سليم الرياحي. أهي إشارة إلى القرابة التي تربط المساهمة الجديدة في قناة الحوار التونسي بأحد المساهمين في قناة التونسيّة أم هل أن الطاهر بن حسين قرر دعم قناة “خارجة عن القانون”؟ ما هو رأي “الهايكا”، التي منحته مؤخرا ترخيصا للبث، في ذلك؟