الأمين العام نور الدين الطبوبي. تونس، 16 جوان 2022

وقف عاشور في شرفة مكتبه بمقر الاتحاد، ملوحا بيديه للجماهير المتجمعة في بطحاء محمد علي، دقائق قبل تحوُّل المقر إلى هدف للقنابل المسيلة للدموع، وقبل يومين من الإضراب العام الذي أقره الاتحاد والذي واجهته حكومة الهادي نويرة بقمع وحشي أسقط قتلى وجرحى. كانت إشارة الحبيب عاشور بيده إلى الجماهير المتجمعة في بطحاء محمد علي محل تحقيق في ذلك العام لإثبات تهمة التسبب في أعمال شغب، وهي ضمن تهم أخرى وجهتها السلطة لعاشور الذي قُبض عليه على خلفية الاضراب العام لسنة 1978 صحبة نحو سبع مائة نقابي آخرين.

يوم 7 جوان 2022، استحضرت صحيفة الشعب شهادة أوتوكريستن أمين عام السيزل خلال محاكمة الحبيب عاشور إثر الاضراب العام، والذي دفع عن زميله وصديقه تهمة إعطاء أوامر بالتخريب أو الشغب ودافع عن شرعية الإضراب الذي واجهته السلطة بالرصاص. أما الآن، فيبدو أن التاريخ قد أعاد خطّ بعض التفاصيل التي وضعت الاتحاد العام التونسي للشغل في مواجهة السلطة، تماما كما حصل في بداية سنة 1978، وهي مواجهة سياسية لا أحد يمكنه التنبؤ بمسارها.

يختبر التونسيون من جديد تجربة اجتماعية واقتصادية وسياسية قاسية، سبق أن عاشها الأبناء والآباء وحتى الأجداد، وهي تجربة مماثلة إلى حد كبير لعقد سبعينات القرن الماضي. ففي تلك الفترة، لم يمض سوى عقدان على استعادة البلاد أرضها من الاستعمار، علق خلالها التونسيون كل آمالهم على الوعود التي أطلقها الرئيس الحبيب بورقيبة آنذاك ببناء دولة تستجيب لانتظاراتهم.كان ذلك في عهد الجمهورية الأولى التي شهدت انتكاسات اقتصادية وسياسية تعززت بإقرار حكم حزب واحد ورئيس واحد، والآن، لا  تفصل التونسيين سوى أيام معدودة على استفتاء يطمح باعثه لاتخاذه نقطة بداية جمهورية ثالثة، تزامناً مع بلوغ الأزمة الاجتماعية والاقتصادية أوجها.