المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع. فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟

وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق. عجزتَ عن توفير أبسط المواد الأساسية، إذ اختزلتَ الأزمة كلّها في شماعة “الاحتكار”. أنهكَت انقطاعاتُ الكهرباء والمياه الحياة اليومية للناس، بينما بقيتَ أسيرَ أوهام “المؤامرات”. أغرقتَ البلاد في مزيد من المديونية، تحت شعار التعويل على الذات. تدهورت المستشفيات والمدرسة العمومية أكثر من أيّ وقت مضى، وتراجعت كلّ المرافق والخدمات حتى غدا الحصول على أبسط الحقوق معاناةً يومية. وسادت الرداءة في إدارة الشأن العام، وحلّ الولاء محلّ الكفاءة، وأُغلق باب التفاوض الاجتماعي، وبقيت الوعود بلا أثر. ظلّ واقع الناس يتردّى أكثر فأكثر، وأنت تردّد الشعارات وتسوّق للأوهام.

حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية. خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني. وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ. أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة.

أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها. رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب. وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة، جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود. زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.

والأنكى من هذه الحصيلة الكارثية، هو أنّك ألغيت حقّ التونسيين في تصحيح أخطائك وخطاياك. إذ جمعتَ بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظللت ترمي بفشلكَ على عاتق أعداء وهميين. ألغيت كل آليات المشاركة السياسية التي تمكّن التونسيين من التأثير في مستقبلهم، وأغلقت أمامهم كل السبل السلمية لمحاسبتك وتغييرك. فالشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون. والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه. وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن.

ولهذا، فإنّ استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة. لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين والتونسيات، ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها. استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب.

صحيح أنّ الانتقال الديمقراطي لم يحقّق مطالب الثورة كاملة، وشابته أخطاء واختلالات عميقة. لكنّ الديمقراطية تُصلَح بالديمقراطية، لا بالانقلاب عليها. لقد كان باب التغيير مفتوحًا حتى جئت وأغلقته، وصادرت حقّ الشعب في الاختيار والتصويب، وحقّ المجتمع في النقد والمشاركة والتنظّم.

أما المخرج، فليس الفراغ. ليس الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر. المخرج هو استعادة الديمقراطية: دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع.

إنّ الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب.

لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها.

السجين السياسي العياشي الهمامي

سجن المرناقية

تونس