يعود الجدل بدايات شهر أوت للحديث عن مجلة الأحوال الشخصية وطلبات تنقيحها بين التطوير ورغبات الارتداد عن مكاسبها. جدل يصرف الأنظار عن نساء سجينات الرأي والعمل السياسي والمدني أو عائلات المساجين السياسيين ومعاناتهن الاسبوعية امام طوابير السجون.
يعود الجدل بدايات شهر أوت للحديث عن مجلة الأحوال الشخصية وطلبات تنقيحها بين التطوير ورغبات الارتداد عن مكاسبها. جدل يصرف الأنظار عن نساء سجينات الرأي والعمل السياسي والمدني أو عائلات المساجين السياسيين ومعاناتهن الاسبوعية امام طوابير السجون.
عقدت نقابة الصحفيين يوم 31 جويلية جلستها العامة الخاصة بتقييم سنة ونصف من عمل مكتبها التنفيذي. جلسة أكدت تمسك أحرار القطاع بالمقاومة الاعلامية وحق البلاد في إعلام يقطع مع عبث المغالطة والترويج للمؤامرات التي تساهم في نشر الفاشية وتحويل البلاد الى سجن كبير.
مع إطلال أو اقتراب كل أزمة، وان كانت متوقعة الحدوث منذ شهور، يدخل الرئيس وحكومته في حالة من الغياب والصمت، حتى يتحول الحديث من البحث عن أجوبة للأزمة إلى البحث عن سبب اختفاء مسؤولي الدولة ثم يتحول الحدث من إيجاد حلول إلى مجرد العودة إلى الظهور، مع ما تيسر من بث للكراهية والتخوين لكل من يرفض التطبيع مع العبث والرداءة.
الغموض والإيغال في العبث أقسى من القطع المتكرر للماء والكهرباء تزامنا مع اشتداد موجة الحر. تساؤلات وغضب تعاملت معها السلطة كعادتها بالهروب إلى الأمام، ما منح الفرصة لانتشار الشائعات وانعدام الثقة. أزمات كانت المصارحة كفيلة بالتخفيف من وطأتها زادت تشعبا بنشر خطابات التخوين وفسح المجال أمام عبث نظريات المؤامرة.
مع كل صائفة تتجدد الاحتجاجات في مناطق متفرقة من البلاد بسبب الانقطاع المتكرر للماء. انقطاع يتواصل رغم تحسن مخزون السدود بما يعكس فشلا في حوكمة الموارد المائية وغياب رؤية إصلاحية حقيقية لإدارة الأزمة، أما الخطاب الرسمي فلا يكاد يتجاوز التخوين ورمي الاتهامات على الجميع، حتى على موظفين لا يفعلون سوى تطبيق السياسات الرسمية لكبرى مؤسسات الدولة.
منذ توليه الرئاسة زار سعيّد نفس المناطق، شمال غرب العاصمة، زهاء 9 مرات بشكل فجئي ورسمي للاستماع الى شواغل المواطنين. زيارات تكررت دون تحقيق أية نتائج أو تحسن، ما يدفع إلى التساؤل حول الجدوى من هذه الزيارات الليلية.
للمرة الثالثة في ظرف أربع سنوات، يعين الرئيس أعضاء جددا في لجنة الصلح الجزائي ويكلفهم باستعادة “الأموال التي نهبها الفاسدون واعادتها إلى الشعب”، دون أن يتساءل عن أسباب فشل التركيبات السابقة التي عينها بنفسه، مع اجترار خطاب شعبوي يتهم الآخر المجهول بالتآمر وبتعطيل المشاريع.
رغم تعود الجمهور الرياضي على النتائج المتواضعة لمشاركات منتخب كرة القدم في المونديال، إلا ان الخيبة في مونديال 2026 لم يكن لها مثيل فيما سبق من مشاركات. هزائم مذلة كشفت تخبطا وفوضى تسييرية وإدارية لم تنجح السفسطة في حجبها. فشل بعيد عن الرياضة كشف أن الشعبوية العابثة تضرب كل المجالات بلا استثناء، قد لا تخرج طريقة التعاطي معه عن خطاب تخوين متشنج وبحث عن أكباش فداء يلقى بهم في السجون حتى تنسى الجماهير الفضيحة وتنشغل بأخرى.
في المزونة لا تُعالج المآسي بل تتراكم كجرح مفتوح في جسد دولة تصرّ على نكأه. مرّة أخرى تدفع عاملات الفلاحة حياتهن ثمنا لإهمال سلطة تتغاضى عن معاناتهن في شاحنات الموت رغم سيل الوعود والإجراءات التي لم تطبّق. وكعادة منظومة العلو الشاهق لا تحضر السلطة إلاّ حين تصلح المأساة للاستثمار السياسي الشعبوي، وتغيب حين تفضح عجزها.
أثار فيديو الجريمة العنصرية بصفاقس استفهامات حول السياسة الاتصالية للسلطة. بين إنكار أولي، وتخفيف لاحق، وبحث عن تحويل وجهة الرأي العام نحو المؤامرات.. ما يحيلنا على اسلوب متكرر لازم البيانات الرسمية رغم اختلاف الرؤساء والحكومات.
لم يعد غياب سعيّد مجرّد حدث عابر، بل تحوّل إلى أداة اتصالية تُربك المشهد وتفتح باب التكهنات والفتاوى والخيال في وقت مواجهة أزمة مركبة نتيجة سياسات فاشلة. لكن مع كل “إطلالة”، يُعاد ترتيب الأولويات، ويتراجع سقف الجدل حول القضايا لصالح لحظة الظهور وما تخلّفه من ضجيج.
في وقت يتصاعد فيه غضب التونسيين من غلاء الأسعار واستفحال العبث السياسي، اختارت الحكومة إرسال ترسانة من الوزراء إلى الحج، في مشهد أثار موجة واسعة من السخرية والانتقاد. بين أزمة ارتفاع أسعار للأضاحي غير مسبوقة وأزمات تتراكم بلا حلول بدا المشهد عنوانا لمزيد انفصال السلطة عن واقع شعب يوما بعد آخر بينما تكتفي هي بالبحث عن سرديات المؤامرات والغرف المظلمة.
خروج رئيس بلدية الزهراء السابق ريان الحمزاوي من السجن لم يكن مجرد حدث قضائي، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي لافت. استقبال شعبي واسع لشخص أُدين منذ 2023 بتهم “التآمر”، مقابل فتور واضح لتحركات أنصار السلطة. بين الزهراء وأسواق تونس، بدا جليّا أن خطاب المؤامرة والتخوين يفقد تأثيره أمام الغلاء والقمع والأزمة التي تخنق التونسيين.
لم تكن وفاة الطفلة نادين عموري نتيجة حادث عابر، بل ضحية خيار بوليسي، حيث تُنقل المطاردات من الطرقات إلى قلب الأحياء، وتُختزل حياة المدنيين في أضرار جانبية. من نفزة إلى حوادث سابقة، يتكرّر المشهد نفسه: إيقاف التهريب بأي ثمن، والدم هامش على الاسفلت.
تواصل السلطة خطتها لتكميم الافواه واخضاع المجتمع تدريجيا لعبث التسلط، فبعد التخلص من الاحزاب و العمل على تركيع النقابات الوازنة، تسعى السلطة لاخماد صوت الجمعيات على مراحل مدروسة. خطة سبق أن صرح بها سعيّد منذ سنة 2012 مستغلا مناخ الحريات بالبلاد، اعتمادا على المرسوم 88، بتغليف رغبات سياسية بغطاء قانوني قضائي وتقديم الجمعيات الجادة ككبش فداء لجحافل المتشنجين، بغاية صرفهم عن القضايا الاساسية للبلاد.
في الذكرى 70 لعيد قوات الأمن الداخلي، لم يكتف رئيس الجمهورية بتلميع صورة البوليس، بل اتهم من يفضح انتهاكاته بالعمالة والخيانة، في تواصل لخطاب وزيرة عدله ووزير داخليته في إنكار التنكيل بالمحتجّين والمساجين. سرديّة وإنكار يزيد من نكأ جراح الضحايا والأمّهات الثكلى وترسيخ التغوّل البوليسي والإفلات من العقاب.
بعد سنة من فاجعة المزونة التي لم يكفها وفاة 3 من تلاميذها تحت ركام سور مدرستهم، بل وقُمع أهاليها عند احتجاجهم على المأساة، ما تزال السلطة تُهرول في الاتجاه الخطأ باحثة عن حلول لتحسين برامج التعليم في بلد صارت فيه بعض المدارس خطرا على حياة مرتاديها.
في مواجهة الغلاء، عادت حملات وزارة الداخلية لمراقبة الأسعار بشعاراتها المهترئة ولازماتها السياسية واجراءاتها الهزيلة. لكنّ الأرقام تكشف هشاشة المشهد: فعبر إيقافات محدودة وحجز رمزي تسعى السلطة إلى انقاذ سوق ينهار يوميّا تحت موجة غلاء متصاعدة. والنتيجة: الفلاح يغرق في الديون، القدرة الشرائية تنهار، بينما تحارب الدولة أزمة كانت أحد أسبابها.