في ندوة صحفية انتظمت صباح أمس بالعاصمة، كشف أعضاء جمعية حماية واحات جمنة عن تفاصيل ملف هنشير ”ستيل“ الذي تشرف الجمعية على تسييره منذ جانفي 2011. وفي هذا السياق بينت الجمعية الجوانب التاريخية المتعلقة بملكية الهنشير منذ الحقبة الاستعمارية إلى اليوم. إضافة إلى الجوانب المالية المتعلقة بالتسيير، إذ طالب رئيس الجمعية، طاهر الطاهري، السلطات بإجراء تدقيق لمصاريف الجمعية، مشيرا في نفس الوقت إلى أن الانجازات التنموية التي راكمتها المنطقة في السنوات الأخيرة تدل على ريادية التجربة، بوصفها منوال اجتماعي جديد.
منذ صدور أول بيان حكومي غرة سبتمبر يمنع جمعية حماية واحات جمنة من إنجاز بتة بيع صابة التمور 2016 لم يتغير موقف كاتب الدولة لاملاك الدولة والشؤون العقارية المتمثل في التفويت في الأراضي الدولية لشركات الإحياء والتنمية الفلاحية بمقتضى عقود تسويغ، ذات معاليم رمزية.في هذا السياق ينشر موقع نواة نسخة من عقد الكراء الذي تسوّغ بموجبه المستثمر السابق جزءا كبيرا من مساحة هنشير ”الستيل“، والتي تقدر بحوالي 111 هكتارا.
يبدو لكم هذا النص، هنا و أنتم تقرؤنه الآن، غريبا. نعم هو كذاك. أعلم. لا بأس. فحتى أنا و عند دخول حدود الكرامة و تجاوزها نحو جمنة لم أستطع ممارسة أي فعل بداية سوى البكاء و البكاء، الرقص و الرقص. ربما لأن قداسة المقام متجاوزة لأي مقال أو كلام. و حتى لا أتطرف و أشطّ في النص و أعلم أني أفعل، كيف يمكن فهم و قراءة جمنة كفعل خارج التوافقات السياسية الكبرى كوعي ممارس و فق مقتضيات مسار 17 ديسمبر 2010.
شكّل إنجاز بتة صابة التمور لسنة 2016 لحظة مفارقة في تاريخ منطقة جمنة (قبلي). حالة احتفاء شعبي يوم الأحد 9 أكتوبر 2016 أسقطت قرار قضائي-سياسي عطّل انجاز البتة في موعدها. طابور طويل من المترجّلين نحو مكان انعقادها: أهالي جمنة، قافلة مساندة قدمت من العاصمة ومن أماكن أخرى، حقوقيون ورجال سياسة وأعضاء من مجلس النواب، فنانون وإعلاميون ونشطاء…روبرتاج فريق نواة.
ذهبت لجمنة لأتضامن معها فتضامنت معي، سمعت الكثير عن منوال الاقتصاد التشاركي أو التضامني، طالعت الكثير عن هذه التجارب ونجاحها في العديد من الأصقاع الأخرى، لكن في تونس لم يكتب النجاح لتجارب مماثلة لأنك لا تسمع عن هذه التجارب إلا وترافقها اعلانات من نوع ”الدولة تسترجع أراضيها التي وقع السطو عليها من قبل مواطنين باستعمال القوة العامة“
يمكن إعتبار تجربة جمعية حماية واحات جمنة أهم تجربة في المسار الثوري الذي عاشته البلاد منذ 17 ديسمبر 2010، نجحت تجربة الاقتصاد الإجتماعي التضامني في تحقيق التنمية الإجتماعية محليا في 5 سنوات و هو ما فشلت فيه الدولة طيلة أكثر من 60 عامًا. ”التشغيل استحقاق يا عصابة السراق“، ”شغل، حرية، كرامة وطنية“ أحد أهم نداءات المنتفضين منذ 17 ديسمبر 2010، في جمنة لم تبقى مجرد شعارات بل أضحت مكسبا
معظم هذه الأراضي تم التفويت فيها لمستثمرين خواص منذ بداية التسعينات، في سياق تفكيك بقايا التجربة التعاضدية وتدعيم برنامج الخوصصة الاقتصادية. وقد كان لهذه السياسة انعكاسات اجتماعية وخيمة على حياة صغار الفلاحين والعمال الفلاحيين، ساهمت الثورة في إبرازها إلى العلن، لتنتظم في شكل حركات احتجاجية مُطالبة بسحب الأراضي من المستثمرين.
مساء يوم السبت، 10 سبتمبر 2016، كانت الحركيّة غير عاديّة في وسط المدينة، بعد أن دعت جمعية حماية واحات جمنة إلى اجتماع شعبي لتدارس إنذارات الدولة بخصوص استرجاع ضيعة المعمّر ومصادرة محصول سنة 2016، وتولّي إدارة البتّة العمومية المزمع عقدها يوم الأحد 18 سبتمبر الجاري، بحضور النائب عن حركة الشعب زهير المغزاوي الذي حضر لمساندة الأهالي.
عقدت مؤسّسة روزا لكسمبورغ بمقرّها في تونس يوم 31 مارس الفارط، الندوة التي استضافت عددا من الباحثين الاقتصاديّين على غرار المفكّر اليساري سلامة كيلة، والأكاديمي والأستاذ الجامعي اللبناني جلبير أشقر، الباحث الاقتصادي والصحفي المصري وائل جمال والأستاذ الجامعي والنائب في مجلس الشعب التونسي فتحي الشامخي إضافة إلى ثلّة من المفكّرين والكتّاب العرب اليساريّين.
شهد ملفّ الفلاحين الصغار المطالبين بإعادة النظر في تقسيم الأراضي الدولية في الفترة الأخيرة تطوّرات توحي بتغير سياسة الدولة تجاهه. إذ تدلّ عدّة مؤشّرات على استعادة زمام المبادرة من قبل المستغلّين الخواص، الذين انتزعت منهم إثر الثورة بعض الضيعات التي تحصّلوا عليها عقب تفكيك عدد من التعاضديات في عهد بن علي. ومن الواضح أنّ هذا التطوّر يشهد دعمًا من الحكومة التي لا تتردّد في استعمال القوّة الأمنية لمناصرة مستأجري هذه الضيعات في مواجهة الفلاحين الصغار والمعطّلين المطالبين بإعادة توزيع الأراضي الدولية.
تُعدُّ قضيّة ما يُعرف بـ”هنشير ستيل” بجمنة مثالاً آخرًا على الأسئلة الصعبة التي نجحت انتفاضة 17 ديسمبر في طرحها، لكن دون أن تستطيع الإجابة عليها. فهنا أيضًا يتعلّق الأمر بصراع على الأرض بين داود وجالوت.