نفّذ عدد من أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل، صباح 8 جويلية، تحركا احتجاجيا حاشدا بساحة القصبة بالعاصمة مطالبة بحقهم في الشغل والكرامة. وشهد التحرك مناوشات بين المحتجين وقوات الشرطة في ظل حالة من الاحتقان والغضب، ورفع التحرك شعارات تحمّل رئيس الدولة المسؤولية في استمرار أزمة البطالة والمماطلة في الاستجابة لمطالبهم.
في تونس، حيث يعيد التاريخ نفسه في شكل تراجيديا فجّة، لم يكن اعتقال أحمد نجيب الشابي مطلع ديسمبر 2025 مجرد إجراء قضائي في سجل ”التطهير“ المزعوم، بل إعلانا عن مرحلة جديدة من العلاقة المتوترة بين السلطة والمعارضة. الرجل الذي تجاوز الثمانين، والذي أفنى شبابه وكهولته في مقارعة الاستبداد، وجد نفسه مجددا خلف القضبان، يحمل على كاهله حكما بالسجن ل ـ12 عاما بتهمة ”التآمر على أمن الدولة“.
منذ توليه الرئاسة زار سعيّد نفس المناطق، شمال غرب العاصمة، زهاء 9 مرات بشكل فجئي ورسمي للاستماع الى شواغل المواطنين. زيارات تكررت دون تحقيق أية نتائج أو تحسن، ما يدفع إلى التساؤل حول الجدوى من هذه الزيارات الليلية.
أصدرت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي، شهر ماي الماضي، حكما ب 10 سنوات من السجن في حق العميد شوقي الطبيب، الرئيس الأسبق لهيئة مكافحة الفساد، بتهمة التدليس في القضية الشهيرة المتعلقة بتضارب مصالح رئيس الحكومة الأسبق إلياس الفخفاخ. حكم يأتي بعد سنوات من التتبعات والإقامة الجبرية والمنع من السفر، اعتبره دفاع الطبيب حكما سياسيا في زمن تحول فيه القضاء من سلطة إلى وظيفة تطبيقا لتصورات رئيس الدولة.
بمبادرة مواطنية، رُفعت دعوى قضائية ضد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على خلفية تجاوز أربعة من أعضاءها المدة القانونية لعضوية الهيئة والمحددة بأربع سنوات غير قابلة للتجديد، وهو ما يضع شرعية هيئة الانتخابات على المحك. لكن الأمر تجاوز ذلك ليبلغ حد منع القائمين على هذه الدعوى القضائية من عقد ندوة صحفية بنزل بالعاصمة بحجة ضرورة الحصول على ترخيص من والي الجهة، في هذا السياق التقت نواة ربيع قاسم عضو حراك نفس لشرح ما حصل.
للمرة الثالثة في ظرف أربع سنوات، يعين الرئيس أعضاء جددا في لجنة الصلح الجزائي ويكلفهم باستعادة “الأموال التي نهبها الفاسدون واعادتها إلى الشعب”، دون أن يتساءل عن أسباب فشل التركيبات السابقة التي عينها بنفسه، مع اجترار خطاب شعبوي يتهم الآخر المجهول بالتآمر وبتعطيل المشاريع.
إضراب عام بثلاثة أيام، بداية من 23 جوان، في قطاع البنوك وشركات التأمين من أجل المطالبة بتطبيق اتفاقيات الزيادة في الأجور لتغطية الضريبة وارتفاع معدلات التضخم. عمال القطاع البنكي تجمعوا ببطحاء محمد علي بدعوة من الجامعة العامة للبنوك وشركات التأمين للتنديد بتنكر المجلس البنكي والمالي الذي يرفض تطبيق الاتفاقيات الممضاة مع الطرف النقابي، وتنديدا بسياسة الهرسلة والتهديد والتنكيل بالموظفين التي يمارسها أصحاب البنوك، مطالبين بضرورة الجلوس إلى طاولة التفاوض من أجل تجاوز الأزمة وتمكين موظفي القطاع البنكي من حقوقهم عوضا عن التراجع والانقلاب عليها.
قطاع المحاماة في تونس والغضب المتنامي داخله لم يعد مجرّد أزمة قطاعية تخصّ أصحاب الجبّة السوداء، ولا خلافا مهنيا حول ظروف العمل أو المطالب المادية المؤجّلة. ما يحدث اليوم داخل المحاكم وفي محيطها يكشف تحوّلا أعمق يطال طبيعة الدولة نفسها، وعلاقتها بالقانون وبفكرة الدفاع وبالمساحة التي كان يُفترض أن تبقى فيها العدالة مستقلّة عن منطق السلطة.
تأجلت جلسة الاستئناف في قضية الصحفي الموقوف زياد الهاني، الجمعة 12 جوان، بسبب الإرهاق الذي يعانيه داخل السجن وتعذر حضوره في قاعة الجلسة. قضية حُوكم فيها بسنة سجن بسبب كشفه المظلمة التي رافقت سجن الصحفي خليفة القاسمي وموظف الداخلية الذي سجن معه وتوفي قهرا داخل السجن. وشارك زملاء وزميلات زياد الهاني وعائلته في وقفة احتجاجية أمام قصر العدالة رافعين شعارات تطالب بالحرية للهاني ولكافة الصحفيين الموقوفين على خلفية قضايا رأي، والكف عن سجن كل من ينتقد السلطة، خاصة أن سجن الهاني جاء أياما بعد رفعه قضية ضد سعيّد بسبب تجاوز السلطة وتعطيل المحكمة الدستورية.
تزامنا مع دخول الصحفي المسجون مراد الزغيدي وشقيقته وابنته في خامس أيام الاضراب عن الطعام، نظمت نقابة الصحفيين، الاثنين 8 جوان، يوما تضامنيا مع الإعلامي وعائلته، احتجاجا على الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف والقاضي بسجنه ثلاث سنوات ونصف. وأكدت لجنة مساندة مراد الزغيدي على الطابع الكيدي للمحاكمة وتمسكها بإسناد مراد وعائلته حتى زوال هذه المظلمة.
تظاهر مئات التونسيين الجمعة 05 جوان رافعين شعارات تطالب بحرية الصحافة والتعبير والكف عن المحاكمات السياسية وإحالة المواطنين بمقتضى المرسوم 54، مسيرة جابت شوارع العاصمة بدعوة من التحرك المواطني ”نفس“ شارك فيها نشطاء وسياسيون وعائلات معتقلي الرأي. وهتف المتظاهرون ضد المرسوم 54 وضد تطويع الإعلام العمومي واسكات الأصوات المخالفة والناقدة للسلطة، بالإضافة إلى شعارات أخرى ضد غلاء الأسعار والبطالة وفشل السلطة في تحقيق مطالب التونسيين في التنمية والشغل.
لم يعد غياب سعيّد مجرّد حدث عابر، بل تحوّل إلى أداة اتصالية تُربك المشهد وتفتح باب التكهنات والفتاوى والخيال في وقت مواجهة أزمة مركبة نتيجة سياسات فاشلة. لكن مع كل “إطلالة”، يُعاد ترتيب الأولويات، ويتراجع سقف الجدل حول القضايا لصالح لحظة الظهور وما تخلّفه من ضجيج.
في وقت يتصاعد فيه غضب التونسيين من غلاء الأسعار واستفحال العبث السياسي، اختارت الحكومة إرسال ترسانة من الوزراء إلى الحج، في مشهد أثار موجة واسعة من السخرية والانتقاد. بين أزمة ارتفاع أسعار للأضاحي غير مسبوقة وأزمات تتراكم بلا حلول بدا المشهد عنوانا لمزيد انفصال السلطة عن واقع شعب يوما بعد آخر بينما تكتفي هي بالبحث عن سرديات المؤامرات والغرف المظلمة.
خروج رئيس بلدية الزهراء السابق ريان الحمزاوي من السجن لم يكن مجرد حدث قضائي، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي لافت. استقبال شعبي واسع لشخص أُدين منذ 2023 بتهم “التآمر”، مقابل فتور واضح لتحركات أنصار السلطة. بين الزهراء وأسواق تونس، بدا جليّا أن خطاب المؤامرة والتخوين يفقد تأثيره أمام الغلاء والقمع والأزمة التي تخنق التونسيين.
بمناسبة صدور كتاب «قاموس النسويات: تونس، قرن من النسوية»، التقت نواة المؤرخة دلندا لرڤش المشرفة على هذا الكتاب، للعودة إلى رهانات هذا الإصدار وإلى واقع الحركة النسوية التونسية اليوم، بين الإرث التاريخي، والنقاشات الداخلية، وتصاعد الهجمات ضد النسويات، والواقع الذي تعيشه النساء في تونس.
Comment, au bout de quelques années, est-on passé de la propagation de la joie à la propagation de la peur ? Et comment la révolution a cessé d’être un objet de désir ? Soutenir que c’est seulement parce que la sur-répression ne cesse d’augmenter serait un raccourci. Il faut aller par-delà du pouvoir politique et voir la société dans sa complexité, pour saisir les causes d’une telle résignation.
مُنع عز الدين حزڨي، المناضل ووالد السجين السياسي جوهر بن مبارك، من السفر دون تبرير. حيث أعلم بالمطار بانه محل تحجير سفر بسبب قضية تعود إلى سنة 1998، في الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الداخلية ومحكمة صفاقس أن سجله خال من أي منع أو تحجير من السفر. عز الدين الحزڨي يعتبر أن ما تعرض له لا ينفصل عن السياق العام الذي يتعرض فيه المواطنون للتنكيل وخاصة السجناء السياسيين وعائلاتهم، فابنه جوهر بن مبارك يخوض بشكل دوري معركة الأمعاء الخاوية من داخل السجن، واضطُرت ابنته دليلة مبارك إلى المنفى تجنبا لمصير مشابه لمصير شقيقها، فيما يقضي عز الدين أيامه في الطريق إلى السجن لزيارة ابنه من سجن المرناڨية مرورا بسجن بلي وصولا إلى سجن السرس.
تناولتُ بالقراءة كتابَ مولدي القسومي الأخير ”الانتقال المجتمعي المعطل: قراءة في نواظم الاجتماع السياسي المتلِفة“، الصادر في ديسمبر 2025 عن دار الكتاب (648 صفحة)، وذلك مباشرةً عقب الانتهاء من قراءة مؤلَّفه السابق ”الجمهورية الجديدة والتأسيس الذي لا يُبنى عليه“ (541 صفحة)، الصادر في جانفي من العام ذاته. وتهدف هذه الملاحظات إلى تقديم قراءة نقدية في صورة نقاط موجزة، تيسيراً على القارئ وإسهاماً في تكثيف الفائدة في زمن شحّت فيه القراءة. والوصف بالنقدية مقصود، إذ إن كثيراً من مضامين هذا الكتاب تُثير تساؤلات جوهرية، شكلاً ومضموناً، في ضوء راهنية الموضوع وحيويته، ومقتضيات الكتابة العلمية الرصينة، ومكانة صاحبه الأكاديمية.