انطلق مسار “التأسيس الجديد” منذ إعلان قيس سعيد عن خارطة الطريق السياسية للخروج من الحالة الاستثنائية في ديسمبر 2021، وتعهد حينها بتشكيل لجنة تتولى اقتراح مشاريع لإصلاح النظام السياسي “في الأيام القليلة القادمة” حتى يكون لها متسع من الوقت للعمل. لكنّ اللجنة لم تتشكل إلا في 20 ماي 2022 أي قبل شهرين فقط من موعد الاستفتاء.

 

 

وإلى اليوم، لا نعلم مضمون النص الدستوري الذي سيُستفتى عليه الشعب علما وأنه لا يفصلنا سوى شهر واحد عن موعد الاستفتاء. ربما من العبث أن نحاول إقناع الرئيس قيس سعيد بضرورة التحاور مع المشهد السياسي وأن دستور الجمهورية لا يجب أن يُصاغ بهذا الاستعجال وبهذا الارتجال وبسياسة المغالبة وفرض الأمر الواقع على الجميع حتى على أكثر الأطراف مساندة له.

 

 

لكنّ المسار الذي اتخذه سعيد سيعمق الانقسام المجتمعي والسياسي وسيزيد من عزلة تونس، خاصة وأن محطات تاريخية مثل الاستفتاء وصياغة الدساتير تستوجب أكثر ما يمكن من التوافق الوطني والحوار المجتمعي والوحدة الوطنية. لماذا هذه المغالبة وهذا التكتم وهذا الانفراد؟

 

سياسة المغالبة وفرض الأمر الواقع

 

حظيت التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس في 25 جويلية الماضي بدعم شعبي ومدني وسياسي، حتى من أشد معارضيه اليوم، لكن هذا الدعم تحول ، خاصة مع الأمر 117، إلى معارضة شديدة مع مرور الأيام وتتالي المراسيم والإجراءات التي حولت التدابير الاستثنائية إلى حكم فردي مطلق واستئثار بالعملية السياسية وتطويع لأجهزة الدولة من أجل خدمة المشروع الشخصي للرئيس. ولم ينصت سعيد إلى الأصوات الناقدة والمعارضة له بل لجأ إلى أسهل الحلول وهو معجم التخوين لكل من يعارضه، متخذا سبيل المغالبة وفرض الأمر الواقع رغم كل ما رافق خطواته من معارضة القوى السياسية والمدنية والنقابية والحقوقية.

 

 

منذ انطلاق الاستشارة الالكترونية وما رافقها من عزوف واضح عن المشاركة رغم تسخير أجهزة الدولة، دعت أطراف سياسية واجتماعية من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل إلى التعقل والعودة إلى الجادة باعتبار أنه لا يمكن تقرير مصير البلاد انطلاقا من استشارة الكترونية لم يشارك فيها سوى 500 ألف تونسي. لكن قيس سعيد اختار طريق الهروب إلى الأمام واعتمد نتائج “الاستشارة” للترويج لمشروعه الشخصي وتعديل الدستور وفق رؤيته، لا وفق تصورات المجتمع وقواه الحية، وذهب نحو تأسيس اللجان التي ستحقق هذا المشروع الذي أطلق عليه اسم الجمهورية الجديدة.

وكان المرسوم عدد 30 لسنة 2022، المتعلق بإحداث “الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة” نقطة حاسمة في مسار قيس سعيد خاصة بعد إعلان منظمات مثل الاتحاد العام التونسي للشغل وعمداء كليات الحقوق رفضها الزج بها في هيئة حوار دون استشارتها. لكنّ قيس سعيد اختار المرور بقوة مرة أخرى وأصر على الحوار الاستشاري الصوري “بمن حضر” (وفق تصريح الصادق بلعيد رئيس الهيئة الاستشارية).

 

 

النتيجة هي ذلك الخليط من الشخصيات والأحزاب و”الوطنيين الصادقين” والتي لا تمثل أي ثقل سياسي واجتماعي، مهمتها تقديم مقترحات إلى العميد الرئيس ليستعين بها في صياغة مشروع الدستور، قبل أن يقدمه للرئيس قيس سعيد والذي من صلاحياته تعديله أو تغييره حسب ما يريد. فالحوار واللجنة لهما دور استشاري تسويقي لحوار صوري دعا إليه الرئيس في محاولة يائسة لاسترضاء الدول الغربية. في النهاية، لسعيد الوصاية الكاملة على الحوار و”مخرجاته”، وعلى ما سماها الجمهورية الجديدة.

 

حوار “بدعة” ترفضه القوى المدنية والسياسية

 

تكمن المعضلة هنا في أن المصطلحات الصحفية والعلوم السياسية وأبجديات إدارة الشأن العام بما تعنيه من اتصال الأزمات وإدارة المعارك والتصرف في المآزق والتصدي للانقسام المجتمعي وتشريك المجتمع المدني والسياسي في صياغة تصورات حول مستقبل الأجيال القادمة… كل هذا لا قيمة له عند قيس سعيد ومحيطه وتم تعويضه بأشياء أخرى من قبيل “الي حضر يززي” و”ربي وسيدي بلحسن يعرفوا وقتاش” و”اكتبلي رؤيتك لتونس أربعين سنة لقدام وابعثهالي في ظرف نهارين”… لو حدثنا أكثر الناس تشاؤما قبل سنوات وأخبرناه بأن هذه المهزلة المتكونة من الجمل الثلاث يسمونها اليوم حوارا وطنيا لتخلى عن تشاؤمه وتمسك بالمنطق الذي يقول إنه من المستحيل أن تدار شؤون الدولة وأن يُصاغ مستقبل أجيالها بهذه الطريقة. لكن الأمر الواقع واضح وقائم: حوار قيس سعيد بتنفيذ من الصادق بلعيد اقتصر على جلستين يتيمتين، لا معايير لاختيار الأحزاب والشخصيات المشاركة في الحوار سوى الولاء لقيس سعيد، حتى شرط عدم المشاركة في الحكم أثناء “العشرية السوداء” سقط مع مشاركة عماد الحمامي أحد أبرز وزراء النهضة ووزراء سابقين مثل عبيد البريكي وحاتم العشي وغيرهم من الشخصيات التي كانت ضمن تحالفات سابقة حكمت البلاد على امتداد العشرية الماضية، وحتى قبلها مثل أحمد فريعة.

 

 

أمام انفراد قيس سعيد بالسلطة واعتماده مقاربات لا تحظى بإجماع وطني، وأمام فرضه سياسة الأمر الواقع، عبرت مختلف المنظمات والأحزاب عن رفضها لهذا المنحى الخطير وعن تحذيرها من خطورة الخطوات الانفرادية على مستقبل البلاد والأجيال القادمة، حيث ترفض غالبية الأحزاب السياسية (حزب العمال والتيار الديمقراطي والنهضة والجمهوري والتكتل والوطنيين الديمقراطيين والدستوري الحر) والمنظمات الوطنية (اتحاد الشغل ونقابة الصحفيين والنساء الديمقراطيات ومنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية) والشخصيات السياسية والوطنية البارزة هذا التمشي وتدعو إلى حوار مجتمعي حقيقي، لا يشبه حوار التوافقات في 2014 ولا حوار “الوجبة السريعة” الذي أقامه قيس سعيد على عجل. وأمام رفض هذه القوى السياسية والمجتمعية لمسار قيس سعيد سنجد أنفسنا بعد الاستفتاء أمام انقسام سياسي واجتماعي حاد، انقسام قد يعجل بنفاذ رصيد عشرية النهضة التي ينفق منها سعيد، مذكرا في كل اطلالة بعبث من سبقوه، واضعا بذلك شعبيته على المحك. والمعضلة هنا أن قيس سعيد لا تهمه نسب المشاركة في الانتخابات ولا مقبولية الدستور الجديد لدى القوى السياسية والمدنية، بل كل ما يهمه هو المضي في مشروعه الشخصي بموافقة من “الوطنيين الصادقين”.