سبع سنوات بعد اصدار القانون عدد 35 لسنة 2016 والمتعلّق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، عاد الجدل مجدّدا حول وظيفة البنك المركزي، خصوصا بعد الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مقّر البنك في 8 سبتمبر الفارط.

حديث رئيس الجمهورية عن واجب البنك المركزي في دعم الميزانية العامة والعمل على مجابهة التضخم و”الانسجام مع سياسات الدولة“ يعيد طرح الأسئلة حول جدوى بتر الذراع المالية للدولة وتقييم آثار هذا القانون على الاقتصاد التونسي خلال السنوات الفارطة.

عودة على سياق مخاض ”الاستقلالية“

كانت جلسة المصادقة على القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 والمتعلّق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي استثنائية إن صحّ التعبير. حيث لم يحضر الجلسة العامة التي انعقدت بتاريخ 11 أفريل 2016، سوى 105 نائبا لا غير للنظر والتصويت على قانون سيغيّر السياسات المالية والاقتصادية للبلاد.

إضافة إلى الشرح المقتضب الذي قدّمه البنك المركزي إلى مجلس نوّاب الشعب، علّل محافظه حينها الشاذلي العياري، هذه الخطوة بأنّ الوقت قد حان ”لتلبية متطلبات الحوكمة النقدية الحديثة“ وتحرير القطاع المالي من ”تأثيرات السياسيين وتوجيهاتهم“. كما كان الحال في الماضي القريب. إلاّ أنّ السبب الحقيقي حينها كان ضغط صندوق النقد الدولي وتعسّر المفاوضات حول قرض جديد مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتعاظم عجز الموازنات العمومية. كانت الحكومة قد بدأت بالفعل في تنفيذ جزء من املاءات صندوق النقد ضمن ما أسمته عملية ”إصلاح“ القطاع المصرفي، من خلال فرض إقرار رسملة البنوك العمومية وتجهيز مشروع قانون إصلاح البنوك والمؤسسات المالية، والذي تمّ إصداره لاحقا في 11 جويلية من نفس السنة.

7 مارس 2016 الشاذلي العياري المحافظ السابق للبنك المركزي أثناء عرضه مشروع قانون استقلالية البنك المركزي على لجنة المالية بالبرلمان – مجلس نواب الشعب

الرغبة المحمومة في تمرير القانون الخاص باستقلالية البنك المركزي للحصول على القرض المنشود، عكسته تطوّر النقاشات صلب لجنة المالية والتعديلات التي طرأت على المسودّة الأولى للقانون. فعلى الرغم من أن هذا المشروع كان من المفترض أن يكون قانونًا أساسيّا، إلا أنّه تمّ اعتماد الصيغة العادية بهدف تسهيل عملية المصادقة عليه. هكذا، يمكن التصويت بأغلبية ثلث الحضور، أو اعتماد الصيغة 50 زائد واحد من الحاضرين. بينما يتطلب تمرير القانون الأساسي على الأقل 109 صوتا. وفعلا، إثر المصادقة على هذا القانون بأربعة أيّام، أصدر صندوق النقد الدولي في 15 أفريل 2016 بيانا يعلن فيه توصّله إلى اتفاق مع تونس مدته أربعة أعوام بقيمة 2.8 مليار دولار في إطار ”تسهيل الصندوق الممدد“.

إلاّ أنّ التوجّه نحو ترسيخ استقلالية البنك المركزي وإعفائه من دوره في تمويل الخزينة العمومية عبر الإقراض أو شراء سندات الدولة، لم يكن سابقة مع هذا القانون. فقد سبق لتونس سنة 2006 أن ألغت الفصل 50 من القانون رقم 90 لسنة 1958 الصادر في 19 سبتمبر 1958، تحت ضغط صندوق النقد. إذ تم استبداله بالفصل 47 مكرر والذي نصّ على عدم إمكانية منح البنك المركزي لصالح الخزينة العمومية أي تسهيلات في شكل كشوفات أو قروض، أو شراء سندات صادرة عن الدولة. يتماشى ذلك تماما مع ما ورد في الفصل 10 من القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 والمتعلّق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي.

السنوات السبع العجاف لحقبة ”الاستقلاليّة“

عربدة البنوك التجاريّة: البنك المركزي محايد أو محيّد

سنة واحدة من إقرار القانون عدد 35 لسنة 2016 كانت كافية لتلجأ الحكومة التونسية إلى البنوك التجارية المحلية كمُنقذ لسدّ احتياجاتها المالية في ظل العجز المستمر لميزانية الدولة. إذ وقّعت الحكومة في 6 جويلية 2017 اتفاقية قرض مع 13 بنكا محليا لتعبئة الموارد المالية بالعملة الأجنبيّة بغاية تمويل ميزانية الدولة لسنة 2017. منذ ذلك التاريخ، دأبت مختلف الحكومات المتتالية على طرق أبواب البنوك التجاريّة لتمويل خزينة الدولة ليبلغ اجماليها 16.5 مليار دينار، 13 مليار دينار منها قروض في شكل سندات خزينة و928 مليون دينار قروض رقاعية وطنية و2.5 مليار دينار قروض مجمعة[1].

يأتي هذا التوجّه الجديد للدولة التونسية كنتيجة حتمية للفصل العاشر من قانون استقلالية البنك المركزي الذي منعه من منح الخزينة العامة أي تسهيلات في شكل كشوفات أو قروض أو أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدولة. بهذا يصبح طوق النجاة الوحيد المتاح هي البنوك التجارية أو المؤسسات المالية الدوليّة. تاليا وجد ”الكارتيل“ المصرفي في تونس ريعا جديدا مغريا انعكس حتّى على القروض الاستهلاكية أو الموجّهة نحو الاستثمار. حيث أصبحت البنوك التجاريّة تفضّل إقراض الدولة بنسب فائدة مرتفعة وبضمانات قويّة تجعلها في أريحية على مستوى ضمان أموالها بأقلّ الأخطار. فعندما تعلن الدولة عن حاجتها للتداين الداخلي، يتم ذلك من خلال إصدار طلب عروض، ما يتيح لكارتيل البنوك التجارية تحديد حجم الإقراض وسعر الفائدة دون وجود منافسة. وهنا، لا يمكن وضع هذه العملية سوى في خانة المداخيل الريعية كونها لا تنبع من عمليات الإنتاج. هذه الريعية تتعزز بفضل البنك المركزي الذي يقوم بشراء السندات التي تحصل عليها البنوك مقابل قروضها للدولة. ما يعني أن البنوك التجارية تُقرض الدولة، وفي المقابل، يضخّ البنك المركزي حجم الإقراض لهذه البنوك من خلال الإصدار النقدي.

عربدة البنوك التجاريّة لا تنحصر في هذه الممارسات فحسب. بل تمتدّ إلى تجاوزات يتعامل البنك المركزي إزاءها بشكل ناعم. حيث يشير التقرير السنوي للرقابة البنكية لسنة 2019 المنشور في مارس 2021، إلى أن 19 مؤسّسة مالية لم تحترم معايير الحذر على مستوى نسبة السيولة المسموح بها (11 مؤسّسة) ونسبة الإقراض الخاضعة لنسبة الودائع (9 مؤسّسات). وفي تجاهل تام لقرار البنك المركزي خلال جائحة الكوفيد في مارس 2020، بتأجيل تسديد أقساط القروض البنكية 3 أشهر، اتفق الكارتيل البنكي على اقتطاع الأقساط المؤجَّلة بعد بضعة أشهر من انتهاء الحجر الشامل بشكل متتالٍ باحتساب سعر الفائدة الجاري خلال فترة الاقتطاع، أي بتوظيف فوائض إضافية دون أي ردّة فعل من الهيكل المشرف على القطاع.

8 سبتمبر 2023 قيس سعيد في زيارة للبنك المركزي يلتقي المحافظ مروان العباسي – رئاسة الجمهورية

انهيار سعر صرف الدينار: البنك المركزي يراقب مكتوف الأيدي

كان اتفاق قرض تسهيل الصندوق الممدّد حجر الأساس في مسار تعويم الدينار التونسي. فبعد استكمال الإصلاح المالي والبنكي، أشار وفد صندوق النقد الدولي صراحة في بيان بتاريخ 17 أفريل 2017، إلى ضرورة ”زيادة مرونة سعر الصرف“. هذه النقطة التي طرحها صندوق النقد الدولي واستجابت لها المؤسسات المالية التونسيّة ومنظومتها السياسيّة، تعني بشكل آخر المضيّ في تخفيض قيمة العملة الوطنيّة وتعويم الدينار التونسي. سياسة ترتكز على مبدأ تحديد قيمة العملة وفقا للعرض والطلب في سوق الصرف، أي أن تكون العملة الوطنيّة بمنأى عن تدخّل الدولة أو ذراعها المالية أي البنك المركزي التونسي، على الرغم من الدور الإيجابي الذي لعبته هذه المؤسسة حين أوقفت سنتي 2013 و2014 انزلاق سعر صرف الدينار بضخّ ما يناهز 2400 مليون دينار، ليستقر سعر الصرف حينها في حدود 1.64 بالنسبة للدولار و2.14 بالنسبة للأورو.

تراجع سعر صرف الدينار التونسي مقابل الدولار من 1.424 سنة 2011 إلى 3.26 سنة 2023، ومقابل الأورو من 1.902 إلى 3.43 خلال نفس الفترة انعكس على جميع المؤشرات المالية والاقتصادية على غرار ارتفاع المديونية لتفوق 100% سنة 2023 وتستمر حالة العجز المزمنة للميزان التجاري. حيث تفاقمت الحصيلة السلبيّة بين سنتي 2020 و2022 من 11667- مليون دينار إلى 23281- مليون دينار، ليبقى القطاع الفلاحي والصناعات الغذائيّة أكبر المتضرّرين، بتطوّر صادرات لم يتجاوز نسبة 15.28%، مقابل ارتفاع في الواردات لتبلغ 36.9% بين سنتي 2020 و2022. هذا إضافة إلى تطوّر واردات الطاقة بنسبة 55.2% خلال نفس الفترة، ليتفاقم العجز الطاقي متجاوزا نسبة 68%، بنسبة 39.5%من العجز التجاري الجملي إلى موفّى نوفمبر 2022[2].

الفشل في مواجهة التضخّم حرب على جيوب المواطنين

دأب البنك المركزي التونسي منذ انفلات نسب التضخّم، منتصف العشرية الفارطة، إلى اعتماد آلية وحيدة وهي الترفيع في نسبة الفائدة المديرية. آلية تعتمد بشكل مبسّط على الترفيع في سعر الفائدة التي تدفعها البنوك التجاريّة للبنك المركزي، بهدف الحصول على السيولة التّي يتمّ توجيهها لاحقا في شكل قروض استهلاكيّة أو بغرض الاستثمار وفق نسب فائدة لا تقل عن سعر الفائدة المديريّة للبنك المركزي. بذلك يُسهم الترفيع في تلك النسبة إلى كبح عمليات الاقتراض وتقليل نسبة السيولة في السوق الماليّة، مما يؤدي نظريّا إلى خفض نسبة التضخّم. وقد ارتفعت نسبة الفائدة المديرية بين سنوات 2016 و2023 من 4.25% إلى 8%[3]. لكن وفي مقابل هذا الاجراء الوحيد، واصلت نسبة التضخّم ارتفاعها الجنوني خلال نفس الفترة من 4.2% إلى 10.4%[4]. وقد كان لمجموعة المواد الغذائيّة والمشروبات غير الكحولية نصيب الأسد من المساهمة في المستوى العام للتضخّم سنة 2022 بنسبة 39.8%، بزيادة تفوق 10% مقارنة بالسنة السابقة، تليها مجموعة السكن والطاقة المنزلية بنسبة 12.9% ثمّ مجموعة النقل بنسبة 11.1% وصولا إلى مجموعة الملابس والأحذية بنسبة 8.1%. أي ببساطة، طالت أعلى نسب التضخّم أهّم ما يستهلكه التونسيون.

فيفري 2023 آخر لقاء لنجلاء بودن رئيسة الحكومة السابقة والمديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستينا جورجييفا على هامش أشغال القمة العالمية للحكومات بدبي – رئاسة الحكومة

 فشل هذه السياسة المعتمدة من قبل البنك المركزي، يرجع إلى تراكم الإجراءات الكابحة لتطور النشاط الاقتصادي (رفع نسبة الفائدة المديرية أحد أسبابها) وانكماش الاستثمار الخاص والعمومي وانهيار سعر صرف الدينار الذي يرفع من قيمة الواردات إضافة إلى حالة عدم الانسجام بين السياسات النقدية والسياسات المالية للدولة.

إن كان نقد رئيس الجمهوريّة لاستقلالية البنك المركزي ظاهريا في محلّه، إلاّ أن تجربة سنتين من حقبة ما بعد 25 جويلية على الصعيد الاقتصادي، أكدت أن خطابات الرئيس ونقده لمختلف أوجه الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد لم يترجم أبدا على أرض الواقع إلى إجراءات فعّالة أو تصوّرات بديلة ذات أسس علمية حقيقيّة. حيث لم تخرج من منطق التوظيف السياسي الشعبوي ودغدغة مشاعر مواطنين طحنتهم إملاءات المؤسسات المالية الدولية وانبطاح من حكموهم لها.


[1] قروض بالعملة الصعبة

[2] تقرير ميزانية الدولة لسنة 2023

[3] البنك المركزي التونسي

[4] المعهد الوطني للاحصاء