يتألّف كتاب ”الانتقال المجتمعي“ من ستة فصول، تسبقها مقدمة وتعقبها خاتمة وقائمة ببليوغرافية. وكما يتجلّى من العنوان، يتناول الكتاب إشكالية ”الانتقال المجتمعي“ من خلال قراءة فيما يعدّه المؤلف منظومات مُعطِّلة للاجتماع السياسي في تونس، وهي منظومات أفرزت ضرباً من العطالة الهيكلية التي يتعذّر معها الحديثُ عن ثورة حقيقية، طالما أن هذه الأخيرة لم تُفضِ إلى تحوّلات جوهرية ملموسة. وقد جاءت المقدمة في صورة تأطير نظري سعى إلى تأصيل مفهوم ”الانتقال المجتمعي“ في حقل علم الاجتماع، عبر استعادة نقدية لإشكاليات التغيير والتغيُّر في المباحث السوسيولوجية. وخلص هذا التأطير إلى أن الانتقال يُعرَّف بوصفه انتقالا ”من مرحلة ما إلى مرحلة أرقى في سلّم التاريخانية“. وبالتواصل مع هذا التأطير النظري، عاد المؤلف في الفصل الأول إلى مفاهيم المجتمع والشعب وشروط الانتقال، مختتماً إياه بتناول مسار تشكُّل ”الذاتية المجتمعية للتونسيين“. أما الفصل الثاني فقد حمل عنوان ”المجتمع التونسي من منظور التشكيلات الاجتماعية والتحليل الطبقي“، وتناول المجتمعَ التونسي من منظور مقولة الطبقات، ليخلص إلى التأكيد على هجانة هذه التشكيلات وتعقيدها، كما يتجلّى ذلك في وضع الطبقة الوسطى. وفي الفصل الثالث، تناول المؤلف إشكالية ”الحداثة المُعطَّلة والمدنية المعطوبة“ من خلال استعراض موجات التحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر، ليخلص إلى أن التحديث ظلّ متأخراً ومتعثّراً وشكليا. وفي الفصل الرابع، اقترب المؤلف من العطب المجتمعي من زاوية العلاقة بين المقدّس والدنيوي، معتبراً أن الصراع السياسي على خلفيّتهما ”يُمثّل أحد أبرز معطّلات المنظومات الانتقالية“. وجاء الفصل الخامس تحت عنوان ”الصفوة والمثقف والطبقة المستنيرة في زمن الشعبوية والنزعة الجماهيرية“، إذ تناول النزعةَ الشعبويةَ في المجتمع والحكم -بما وصفه المؤلف بـ”الكاكيستوقراطية“- فضلاً عن ”اغتراب النخبة وعزلة المثقف وغياب الطبقة المستنيرة“ باعتبارها من أبرز مظاهر ”التلف“ المجتمعي. أما الفصل الأخير فقد خُصِّص للطبقة السياسية، التي يرى المؤلف أنها في طور الأفول أمام صعود ما أسماه ”البوليتيكاريا“، وهي طيف يشمل مختلف التوجهات السياسية، ولا سيما اليسار أو ما سمّاه ”البوليتيكاريا المتلحّفة بالإيديولوجيا“.
هذا عرضٌ موجز لمحتوى الكتاب في مساعيه إلى رصد ما يراه المؤلف من أعطاب مجتمعية بنيوية، حالت دون انتقال المجتمع التونسي من وضعه الراهن إلى ”حالة أرقى في سلّم التاريخانية“، مما يجعله -من الناحية الموضوعية- ”غير مؤهَّل للثورة“ وفق تعبير المؤلف.
ملاحظات نقدية
من حيث المحتوى
– يطرح عنوان الكتاب الرئيسي ”الانتقال المجتمعي المعطل“ جملةً من التساؤلات الجوهرية حول دوافع البحث، وحول دلالة مفهوم الانتقال واتجاهه، بل وحول مشروعية اشتقاق مصطلح ”الانتقال المجتمعي“ الذي يبدو دخيلاً على حقل العلوم الاجتماعية. وتجدر الإشارة ابتداءً إلى أن الفكرة المحورية للكتاب، المتمثلة في عطالة المجتمع وأعطابه الهيكلية بوصفها تفسيراً للإخفاق الديمقراطي في تونس، قد سبق أن وردت في مقال للباحث محمد علي الحلواني بعنوان ”كيف نفهم أن المجتمع التونسي مجتمع معطل؟“، وهو مقال نُشر ضمن مؤلَّف جماعي صدر سنة 2020 تحت عنوان ”حركية المجتمع التونسي في عشرية الثورة“، بإشراف مولدي قسومي. واللافت للانتباه أن الكتاب موضوع الدراسة لا يتضمن أي إحالة على هذا المقال، لا في المتن ولا في قائمته الببليوغرافية، وذلك على الرغم من التشابه الواضح في الموضوع (مع الإشارة إلى أن المحتوى والمنهجية يختلفان، إذ اقتصر الحلواني على الإطار النظري الفلسفي). وقد كتب الحلواني في مستهل مقاله بأنه يتفحّص ”الخلفيات النظرية والتطبيقية لطبيعة المعطّلات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تحول دون تحرّك المجتمع التونسي من أجل تحقيق طموحاته المشروعة في التقدم والنمو والازدهار“ (ص. 199)، وهو ما يقع في صميم إشكالية ”الانتقال المجتمعي المعطّل“ التي يعالجها القسومي. ويمكن رصد أصداء مقال الحلواني في الكتاب من خلال توظيف مفهوم ”المنظومات الاجتماعية المعطّلة“ وفكرة التقدم التاريخي، إذ يُعرّف القسومي الانتقال المجتمعي بأنه ”انتقال المجتمع من مرحلة إلى مرحلة أرقى في سلّم التاريخانية“، دون أن يُقدّم تفسيرا لهذا السلّم ومعاييره. ولا يُجزَم بما إذا كان الحلواني قد استلهم موضوعه من عمل سابق للقسومي أم العكس، غير أن الأمر يستدعي توضيحاً للقارئ، ولا سيما الباحثَ اللاحق.
– وفي سياق التأسيس النظري للموضوع، استعرض الكتاب مفهومَي ”التغيُّر الاجتماعي“ و”التغيير الاجتماعي“، غير أن الانتقال منهما إلى مصطلح ”الانتقال المجتمعي“ جاء مفاجئاً وأقرب إلى الإسقاط المنهجي (ص. 18)، إذ يكاد يعسر العثور على الأرضية المفاهيمية التي مهّدت لهذا الانتقال. ومن جهة أخرى، يبدو مشكوكاً في جدوى استحداث مصطلح ”الانتقال المجتمعي“ بالمعنى الذي فُسِّر به في المقدمة، أي الوصول إلى مرحلة ”تؤهّل“ المجتمع لتبنّي الديمقراطية، لا سيما أن المصطلح السائد في جُلّ الدراسات المتخصصة هو ”التحديث السياسي“. وحتى إن اتُّسع النظر ليشمل المجتمع في مختلف أبعاده، فإن مصطلح ”التحديث الاجتماعي“ أو ”التحديث المجتمعي“ هو المتداول في الأدبيات العلمية. ولعل مصطلح ”الانتقال المجتمعي“ قد استُلهم بالقياس على ”الانتقال الديمقراطي“، إلا أن المجالين يتمايزان رغم ما بينهما من ترابط. والأكثر لفتاً للانتباه أن هذا المصطلح المستحدث بوصفه موضوعاً رئيسياً للكتاب يكاد يغيب تماماً عن الفصول اللاحقة للمقدمة التي أُرسي فيها التأطير النظري له، ولا يعود إلا في عنوان الفصل السادس. بل إن الخاتمة ذاتها، التي كان ينبغي أن تُكرّس وجاهة المصطلح وتؤكد مركزيته، لم توظّفه بصورة مباشرة وصريحة.
– ملاحظة أولى في موضوع الثورة تتعلق بتعريفها (ص. 12-13)، الذي يبدو بعيداً إلى حدٍّ ما عن مقاربات العلوم الاجتماعية. ومن بين الحجج التي استُند إليها لنفي وصف الثورة عن الحدث التونسي، أنها ”لم تحقق منجزا“. غير أن الثورات لا تُقيَّم في ضوء ما يُسمّى ”نتائجها“ كما ورد في الكتاب، ذلك أن الثورة تُفضي إلى وضعية قطيعة ناجمة عن اللحظة الثورية (فترة المواجهة في الشارع بين 17 ديسمبر و14 جانفي)، تنتهي بانتقال السلطة كلياً أو جزئياً. أما عملية البناء اللاحقة واستثمار حالة القطع مع السابق، فتبقى رهينة مدى تماسك الدولة وطاقة المجتمع. إن الثورة هي اللحظة الثورية وحدها، لا سياق ما بعدها، ولا وجود لما يُسمّى ”المسار الثوري“ إلا في الخطاب السياسي. فضلاً عن ذلك، تضعنا مقاربةُ الثورة بالنتائج أمام إشكاليتين منهجيتين: أولاهما، هل يمكن إعادة توصيف الحدث بوصفه ثورة في حال تحقّق انتقال ديمقراطي في مرحلة لاحقة؟ وثانيتهما، إن أخضعنا الثورة لمعيار النتائج، فكيف يمكن الحديث عن الثورة الفرنسية التي أفضت مباشرة إلى ما يشبه الحرب الأهلية، وانتهت بعودة الاستبداد النابليوني ثم بإحياء النظام الملكي لفترة مطوّلة؟ وقد تحدث الكاتب عن غياب ”منطلقات ودوافع ثورية“، لافتاً إلى أن توصيف ”الثورة“ جاء لاحقاً على الحدث، ولائماً الباحثين على ”صمتهم المعرفي المتواطئ“ إزاء هذا الإسقاط. بيد أن ذلك يُوحي وكأن الثورة واقعة محدّدة المعالم قبل أن تُستكمل، بل قبل أن تنطلق، وما على الباحث المتنبّه إلا ”التنبؤ“ بها. غير أن التنبؤ ليس من صميم اختصاص الباحث في علوم الاجتماع. ويُذكّر هذا التصوّر بالتعريف الماركسي-اللينيني للثورة، بما يشترطه من وعي ثوري وبرنامج ثوري وقيادة ثورية، وهو في جوهره تعريف سياسي-إيديولوجي لا سوسيولوجي. والحال أن أغلب الدراسات السوسيولوجية التي عنيت بالسياقات الثورية تؤكد أن الثورة حدث عفوي ومباغت غير متوقع، لا يرسم لنفسه أفقاً منذ البداية، وإلا تحوّلت إلى انقلاب مُدبَّر. بل إن ما أورده القسومي نفسه من أن ما جرى هو ”انفجار اجتماعي كبير أدى إلى سقوط النظام“ يُطابق في حقيقته دلالة الثورة في العلوم الاجتماعية، ولا ينفيها. وتجدر الإشارة إلى أن المؤشرات التي تُشخّص الثورة، أي لحظة الاحتجاج الجماعي والمواجهة كما يُجمع عليها كثير من الدارسين، تتضمن: ازدواج الشرعية، والانقسام داخل السلطة، وانعدام الانتماء القطاعي للمحتجين، ثم الانتقال الجزئي أو الكلي للسلطة، وكلها مؤشرات متوفرة في الحالة التونسية بين 17 ديسمبر و14 جانفي، بل يمكن إضافة مؤشر خامس يتمثل في وجود فضاء رمزي، جسّدته في الحالة التونسية مقرّات الاتحاد العام التونسي للشغل المحلية والجهوية. كان ربما من المفيد الاستناد إلى ما أُنجز في هذا المجال ومناقشته أو دحضه، بدلاً من الاكتفاء بالحديث المبهم عن ”صمت متواطئ“. خلاصة القول، إن الثورة التونسية ثورة بالمعنى السوسيولوجي للمصطلح، وإن كانت لا تستوفي مواصفات الثورة في القاموس السياسي-الثوري.
– إن اتخاذ استبطان المجتمع للحرية مقياساً للثورة أو معياراً ”للارتقاء في سلّم التاريخانية“ ينطوي على تحليل ميكانيكي مباشر يتجاوز الواقع في أبعاده التاريخية والراهنة. وقد تساءل الكاتب (ص. 217-218): ”كيف يمكن أن يكون مجتمعاً حداثياً وهو الذي فرّط في حقوق القدامى وحرياتهم (الحقوق السياسية) التي هي شرط الدخول إلى الزمن السياسي الحديث…“، غير أن هذا التساؤل يصطدم بحقائق مضادة لا يمكن إغفالها: فقد صوّت لهتلر مجتمع يُفترض فيه أنه استبطن قيم الحرية والمواطنة، وصوّت لترامب ناخبون يُقدّمون عظمة الحكم وقوة أمريكا على حساب الحرية، وكذلك الحال في سائر سياقات صعود اليمين المتطرف. وظاهرة التراجع الديمقراطي موثّقة في الأدبيات العلمية (شارلز تيلي نموذجاً). فها هي بولندا تتقهقر عن حق الإجهاض، وعديد الولايات الأمريكية كذلك، في حين يكاد الموضوع يغيب كلياً عن النقاش العام في تونس. إن إشكالية التغيير الاجتماعي أكثر تعقيداً من أن تُختزل في هذه الصورة الميكانيكية. فالتساؤل عن كيفية ”تفريط المجتمع في حريته“ تساؤلٌ انطباعي لا معرفي، يفتقر إلى البرهان والتدقيق، إذ يظل السؤال المنهجي قائماً: كيف يمكن إثبات أن المجتمع قد فرّط فعلاً في حريته؟
– وبمعزل عن هذا المضمون المتعلق بالثورة من حيث المعايير وسواها، فإن نفيها يطرح إشكالية أعمق وأخطر. إذ يتبيّن، بالرجوع إلى أعمال الكاتب السابقة، أن هذا الموقف لا يتّسق مع ما ذهب إليه من قبل. ففي مقال بحثي رصين يحمل عنوان ”الثورة في سيدي بوزيد والقصرين، انهيار معادلات التبادل في سوق سياسية محلية مزيفة“، المنشور ضمن كتاب جماعي بعنوان ”الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية” (2014)، وظّف المؤلف مفهوم الثورة في عنوان المقال ذاته، وتحدّث عن ”انطلاق شرارة الثورة“ وعن تحديد زمني ”قبل الثورة“، دون أي تحفّظ يوحي بالتشكيك في هذا التوصيف أو تنسيب لاستعماله. بل إنه ذهب أبعد من ذلك في خاتمة المقال، إذ أكّد عكس ما جاء به في الكتاب موضوع الدراسة: ”فمن جملة المسائل التي طرحها المحللون بشأن هذه الأحداث هي ما إذا كانت تمثل عملاً ثورياً حقيقياً والحال أنها فاقدة لكل إيديولوجيا مميزة. بيد أنه بقطع النظر عن ضرورة التلازم…فإن عين الباحث لا يمكن لأن تخطئ مظاهر الثورة الاجتماعية العميقة التي جرت في مناطق الاحتجاجات…“. ولعلّ هذا التوجه ذاته قد تجلّى في كتاب ”مجتمع الثورة“ الصادر سنة 2015، وإن تعذّر التحقق من ذلك مباشرةً، استناداً إلى ما أُتيح من مقالات تناولته. وكان من المتعيّن على الكاتب توضيح هذا التحوّل في موقفه، لما له من أهمية في سياق العمل البحثي والأكاديمي؛ والأدلّ على ذلك أن هذا المقال وكتاب 2015 معاً غائبان عن القائمة الببليوغرافية. ويبقى السؤال مطروحاً: هل جاء هذا ”الانتقال المعرفي“ من الإقرار بالثورة إلى نفيها استجابةً للمزاج العام السائد منذ عام 2017 في أعقاب خيبة الأمل التي اجتاحت البلاد؟
– ورد في الكتاب كذلك منذ المقدمة حديث عن مدى أهلية المجتمع بالثورة بمعنى أن المجتمع التونسي لم يكن مؤهلا للثورة أو حتى غير جدير بها (المقدمة والخاتمة خاصة). وهذا إقرار غريب نوعا ما بالنسبة لعلم الاجتماع لأنه يقحمنا في خانة ميتافيزيقا الحدث عوض تحليله كواقع موضوعي. هذا علاوة على التناقض الذي يحيل عليه منطقيا. فإن لم تكن ثورة لم الحديث عن أهلية المجتمع بها من عدمه؟ إنه في النهاية استنتاج انطباعي أكثر منه معرفي.
– في نهاية القسم الأول وفي إطار عودة للتشكل التاريخي للذاتية التونسية وقع الكاتب في استنتاجات متسرعة ومن قبيل الإسقاط التاريخي باستعمال مصطلح ”جيش وطني“ عند الحديث عن الدولة الحفصية وكذلك عن ”انتماء وطني“ والحال أن الوطنية لم تظهر بعد في أي من أنحاء العالم (106). ويعود السبب في ذلك ربما إلى الاقتصار على ما كتب الهادي التيمومي دون سواه وهو ما أسقطه في التحليل الإيديولوجي للتاريخ.
– ويتجلّى هذا المنحى الإيديولوجي المتعارض مع المقاربة السوسيولوجية العلمية في توظيف مصطلحات من قبيل ”نمط الإنتاج“ و”الوعي الطبقي“ و”البنية الفوقية“. بل لعلّ الكتاب يستعيد بصورة غير مباشرة طروحات اليسار الإيديولوجية، من خلال الحديث عن بنية مجتمعية منقوصة ”هجينة ولانمطية“، لا هي في عداد المجتمعات المتقدمة ولا في عداد المجتمعات التقليدية. ويُذكّر ذلك بأطروحة ”شبه الإقطاعي شبه الرأسمالي“ التي روّجت لها تيارات يسارية في حقبة سابقة. وتجدر الإشارة، فضلاً عن ذلك، إلى أن البحث في ”طبيعة المجتمع“ هو في حدّ ذاته مبحث ذو طابع إيديولوجي لا معرفي علمي بالمعنى الدقيق.
– يتجلّى في الفقرة الأخيرة من الصفحة 178 وما يليها نموذج واضح للانزلاق الإيديولوجي الذي وقع فيه الكتاب، إذ يرى المؤلف أن ”جذور التخلف الذي تعيشه تونس اليوم كامنة بنسبة مهمة في صلب نمط الإنتاج المتخلف عن نظيره الرأسمالي المبني أساساً على وجود طبقة برجوازية“. ويترتب على ذلك، في تصوّره، ظهور ”تشكيلات اجتماعية هجينة، لا نمطية ومسيخة غير ثابتة الدعائم…وهو ما أتاح إمكانيات كبرى لبروز طبقة وسطى كنتيجة موضوعية لتخلف نمط الإنتاج وضعف التشكيلات الاجتماعية…لكي تملأ المواقع…التي هي في الأصل إما من اختصاص الطبقة العمالية وشرائحها أو من اختصاص الطبقة البرجوازية وشرائحها“. ثم يضيف (ص. 180): ”…رغم أن الشرط الأساسي الذي يبرر وسطية هذه الشرائح لم يتشكل أيضاً نظراً لعدم اكتمال تكوين طبقة بروليتارية صلبة وطبقة برجوازية متينة متناظرتين في حقل الفعل التاريخي“. ويكشف ذلك بجلاء عمق الانزياح الإيديولوجي في الكتاب، مما أفضى إلى أحكام إشكالية متناقضة. ففي السياق ذاته (ص. 183) ورد: ”فمعلوم أنه لا توجد طبقة وسطى في المجتمعات الرأسمالية، بل توجد فقط طبقتان متناحرتان في سياق علاقات الإنتاج والسيطرة على البنية التحتية…من أجل التحكم في صياغة البنية الفوقية…“. ويبقى غامضاً ما يُقصد بـ”المعلوم“ هنا، لا سيما أن مفاده نفي وجود طبقة وسطى في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة. يُضاف إلى ذلك التناقض الصريح مع ما سبق: فمن جهة يُشترط وجود البروليتاريا والبرجوازية شرطاً لنشوء الطبقة الوسطى، ومن جهة أخرى يُنفى وجود هذه الطبقة في البلدان الرأسمالية ذات البنية الطبقية الثنائية. وثمة تساؤلات منهجية جوهرية أخرى تفرض نفسها حول مدى وجاهة تفسير ”العطب المجتمعي“ بهجانة الطبقة الوسطى وعدم تجانسها، بل باعتبار وجودها في حدّ ذاته مؤشراً على العطب، فضلاً عن تساؤلات تتعلق بالمنهج، إذ تبدو الاستنتاجات المتعلقة بالطبقة الوسطى أقرب إلى التخمين منها إلى الاستدلال العلمي، كونها لا تستند إلى دراسة ميدانية موثّقة بالأرقام (ص. 197). ويُحال المهتمون من الباحثين والقراء الراغبين في التعمق أكثر إلى القسم الرابع من الفصل الثاني لمناقشة هذه المسائل بصورة أوفى.
– ومن بين الاستنتاجات الأشد إشكالية في الكتاب ما ورد في الصفحة 211: ”أما بالنسبة إلى المعارك التي خاضها المجتمع التونسي سابقاً بما فيها معركته ضد الاستعمار، فقد نبّهتنا ”الثورة“ إلى أنها لم تكن معارك من أجل الحرية ولا من أجل التحرر، لأنه كان يخوض صراعاً من أجل استرجاع الحكم وتونسة الاستعمار والاستبداد والظلم والاستغلال والاضطهاد، أي أنه كان يصارع من أجل تونسة قيم ما قبل الحداثة ومقوماتها فكان له ما أراد وأصبح يعيش كل ذلك وغيره مما يؤمن له سمات الرعية في إطار تونسة الاستبداد والتسلط إلى أن فُرضت عليه معركة الحرية فانتكس عنها وحوّلها إلى معركة لا تطلب الحرية بقدر ما تطلب ما يمكن أن تقايض به الحرية“. وتكاد هذه الفقرة تلخّص الكتاب موضوعاً ومنهجاً ولغةً. إذ تنطوي مثل هذه التأكيدات، التي تفتقر إلى سند من الدراسات والمراجع المتخصصة، على تماهٍ مع طروحات بعض التيارات التي برزت في أعقاب الثورة، كالقوميين والإسلاميين، في تشكيكها في الاستقلال واستبداله بمقولة ”تونسة الاستعمار“، وهي مقولة إشكالية لا يُقدّم الكاتب أي تأسيس نظري لها. ولعلّ الفكرة مستمدة من كتاب الصغير الصالحي ”الاستعمار الداخلي“ (الغائب عن الببليوغرافيا)، الذي يتناول مسألة تونسة الاستعمار والمعمّرين. ومن المثير للإشكال أن تُعطى المشروعيةُ الأكاديمية لمقولات تنبع من حساسية إيديولوجية إزاء الدولة تُعبّر عن نفسها بلغة رفض النظام. أما الإشكالية الثانية التي تطرحها الفقرة فتتعلق بإحالة مسؤولية الفشل الديمقراطي وتراجع الحريات على المجتمع برمّته، دون أي تدقيق علمي يُفرّق بين الفاعلين المتباينين في الحقل السياسي: أحزاب الحكم والنخب وعامة المواطنين. ويستوقف القارئَ كذلك تعبير ”فكان له ما أراد“، بما ينطوي عليه من منطق التشفّي، الغريب عن اللغة العلمية والروح الأكاديمية، وهو ضرب من ضروب الشعبوية المضادة التي تستعيض هنا عن ”الشعب“ بـ”المجتمع“.
– إن الجزم بتقليدية المجتمع التونسي وغياب أي تحديث حقيقي فيه سوى على مستوى القشرة ينطوي على قدر كبير من التهافت والاختزال الانطباعي. وكان يقتضي المنهج العلمي الرجوع أولاً إلى ما أنجزه الباحثون التونسيون والأجانب في مجال التحديث المجتمعي التونسي ومناقشته وتفنيده، قبل الخروج باستنتاجات مطلقة غير منسّبة تقوم على خطاب وصفي انطباعي (عبد الحميد هنية، نور الدين الدقي، ”الدولة والثورة والحداثة“…). وكثيراً ما يُخيَّل للقارئ أنه يقرأ عن مجتمعات عربية شديدة المحافظة تهيمن عليها البنيات القبلية، لا عن تونس التي تتميز نسبياً عن سائر بلدان المنطقة. ولعلّ المقارنة مع مجتمعات عربية أخرى كانت ستُقرّب الصورة وتضعها في سياقها الصحيح. وفي السياق ذاته، تناول الكاتب (ص. 274) ما يصفه بـ”بَدْونة“ الحياة السياسية في تونس في أعقاب أحداث 25 جويلية، غير أنه لم يُقدّم أي برهان سوسيولوجي على ذلك، ولا أمثلة ملموسة على عودة البداوة إلى الحياة السياسية. بل إن إسناد فكرة ”بدونة السياسة“ إلى مرحلة قيس سعيد بعد 2021 اعتمد على استنساخ فقرة من كتاب حسن حنفي ”الدين والتحرر الثقافي“ (1976)، وهي فقرة ذات طابع خطابي عام تتمحور حول غياب الحوار ولغة العنف والتخوين والتكفير، ولا صلة لها البتة بمفهوم البدونة الذي لا يوظّفه حنفي في هذا السياق.
– ولا يخلو الفصل الخامس بدوره من مواطن تستدعي التوقف والمساءلة. إذ يرى القسومي أن المرحلة التي أعقبت الثورة قد طغت عليها الصبغة الجماهيرية، وهي التي هيّأت لظهور ”الرئيس-الجمهور“ أي قيس سعيد، و”استبداد الحشود“ أي ”الحشود القيسية“، مُرجعاً ذلك إلى ”ضعف نظام الطبقات“ وهجانة التشكيلات الاجتماعية، فضلاً عن الانهيار المدوّي للطبقة الوسطى (ص. 384-385). بيد أن حضور المواطن العادي في الساحة السياسية والفضاء العام ظاهرة طبيعية في سياقات ما بعد الثورات؛ والإشكال لا يكمن في هذه المشاركة الواسعة للمواطنة في الحقل السياسي، بل في إخفاقات الفاعلين السياسيين، ولا سيما أحزاب الحكم التي كانت تتحكم في مسار الانتقال. ومن جهة أخرى، لا يمكن اختزال تفسير صعود قيس سعيد في مقولة ”عصر الجماهير“، إذ إن الذين صوّتوا له هم أنفسهم الذين يصوّتون اليوم للشعبويات اليمينية في أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة مع ترامب، مما يستدعي تحليلاً أعمق يتناول بالدرس ظاهرة تمدّد الإحباط الاجتماعي. يُضاف إلى ذلك أن توظيف مصطلح ”الحشود“ يطرح إشكالاً منهجياً جوهرياً يتعلق بمدى انطباقه على الواقع؛ إذ كيف يمكن للبحث في علم الاجتماع أن يستند إلى مفهوم الحشود في سياق لا وجود فيه لحشود بالمعنى العلمي الدقيق؟
– خصّص الكاتب القسم الثالث من الفصل الخامس لمعالجة إحدى ”نواظم الاجتماع السياسي المتلفة“، وهي النخبة، محاولاً تحليلها من خلال تموضعها في علاقتها بانقلاب جويلية 2021. وهنا أيضاً تطغى الصبغة الانطباعية على التحليل العلمي الموضوعي، إذ تبرز أحياناً في هيئة إسقاطات مجردة من أي سند أو تأسيس: ”حسبنا أن ننطلق من أن النخب في كل المجالات طيلة المدة المنقضية من سنوات ما بعد 2011، انهمكت في البحث عن النموذج المضلل ودخلت في تسابق بيني على تضليل الشعب إلى أن ظل طريقه، وأخطأ دربه…(ص. 435)“. ويبقى غامضاً مصدر هذا الحكم القاطع والعناصر البرهانية التي تُسنده، والتي من شأنها أن تُفسّر كيف اختارت النخب، طوعا على ما يبدو، أن يكون مشروعها تضليل الشعب. كما يغيب أي تفسير لمحتوى هذه ”النماذج المضلِّلة“ وطبيعتها. وتطرح هذه الفقرة إشكالاً جوهرياً يتمثل في تناقضها الداخلي: فهي تتماهى مع الخطاب الشعبوي ذاته الذي يسعى الكاتب إلى التمايز عنه ونقده. وتحضر فيها عناصر مؤثِّثة للخطاب الشعبوي بامتياز، كاستحضار التقابل بين النخب والشعب مع ترذيل الأولى، والطابع التعميمي الإطلاقي الذي يُريح الجمهور ولا يُقلقه، فضلاً عن الأحكام ذات الطابع الأخلاقوي كمقولة التضليل.
– وامتداداً لهذا المنحى العام في تبخيس النخبة، وجّه القسومي نقده بصورة خاصة إلى النخب الجامعية، مُعمِّماً دعمها لقيس سعيد على كافة أطيافها: ”لقد وجد كل ذلك مساندة صريحة أو بالصمت المتواطئ من النخب وفي مقدمتها النخبة الأكاديمية التي سقطت في كل الاختبارات حول مسؤوليات النخبة في محيطها التاريخي، ولم تثبت جدارتها في القيام بدورها المواطني منذ أن تأسست الجامعة التونسية، وقد باتت تلك حقيقتهم الأبدية انطلاقاً من أن الجامعيين التونسيين هم أقل تأثيراً في الشأن العام…“ (ص. 445). وقد بنى الكاتب هذا التعميم على وثيقة وحيدة، هي بيان 19 أكتوبر 2021 المعنون ”لا، تونس لا تعيش تحت حذاء دكتاتور“. وهذه الانتقائية الموجَّهة تغضّ الطرف عن شواهد دالة في الاتجاه المعاكس، من بينها رسالة الجامعيين التونسيين التي انتقدت الخطاب العنصري لقيس سعيد وانتهاكاته للحريات، والمنشورة في جريدتَي ”لوموند“ و”المغرب“، وكان القسومي نفسه في عداد الموقعين عليها، فضلاً عن مؤلفات من قبيل (Le pouvoir d’un seul). كما أن نقابة التعليم العالي منخرطة بصورة مباشرة في الشأن السياسي انطلاقاً من وضعها المهني والاجتماعي. وقد تواصل هذا الهجوم على الجامعة والجامعيين بالمنحى التعميمي والانتقائي ذاته في القسم الرابع من الفصل نفسه، إذ وُجِّه إليهم اتهام ”عدم الاكتراث من قبل النخبة الأكاديمية بما يسمى الجامعات التونسية (الحديث عن حرب الإبادة في غزة) مقارنةً بجامعات غربية كهارفارد وأكسفورد وكولومبيا (ص. 478)“. وفي هذا الحكم إجحاف بيِّن في حق الجامعة والجامعيين، لا سيما في ضوء ما أصدروه من بيانات ومقالات وأنشطة ميدانية، في إطار نقابة التعليم العالي خاصة. يُضاف إلى ذلك خلطٌ في السياقات: فالسياق المجتمعي التونسي، الذي يتسم بمساندة مطلقة للحق الفلسطيني، لا يماثل السياق الغربي حيث يُحدث مجرد مقال أكاديمي واحد صدىً واسعاً.
– يستعيد الفصل الأخير المخصص للطبقة السياسية والأحزاب المنطق ذاته القائم على الانطباعية والإسقاط والتعميم، موظِّفاً في أحيان كثيرة لغةً حادة الوقع. ويُلاحَظ أولا أن ما ورد في شأن الأحزاب لا يستند إلى مادة ملموسة من وثائق أو مواقف أو برامج، بقدر ما يتضمن استنتاجات عامة مجردة من السند، مطبوعة أحياناً بمسحة إيديولوجية تطغى على البُعد المعرفي. فتصنيف حركة النهضة ضمن اليمين الليبرالي (ص. 502) على غرار حزب نداء تونس مرجعه التحليل الماركسي الإيديولوجي الذي لا يفهم الإسلام السياسي إلا في إطار الصراع الطبقي، في حين أنه يُمثّل في جوهره ثقافةً ما قبل الدولة. ثانياً، يرى القسومي أن التصويت لقيس سعيد ”دون أن يطرح أفكاراً ودون أن يقدم برنامجاً…لا علاقة له بالعمل السياسي…“ (ص. 519) دليلٌ على تفسخ الطبقة السياسية والأحزاب، وعلى الحالة السياسية المشوّهة بوصفها امتداداً لمساخة الانتظام الاجتماعي (طبيعة المجتمع). غير أن في هذا الاستنتاج قدراً من التسرع والاستسهال، لا سيما أن الإشكاليات ذاتها تطرح نفسها في حالات دونالد ترامب وبولسونارو في البرازيل، وفي أغلب سياقات التراجع الديمقراطي على الرغم من وجود أحزاب راسخة. ثالثاً، ورد في الفصل نقد لليسار ولحزب الوطنيين الديمقراطيين تحديداً في نقطتين تعتريهما ضبابية وتناقض داخلي: فالأولى تتحدث عن تحالف ”الوطد“ مع قيس سعيد دون أي إشارة إلى الانقسام الداخلي للحزب، وعدم مساندة جزء منه لقيس سعيد، وهو إغفال لافت ممن كان في صلب هذا الحزب. أما الثانية فتتناول ما سمّاه ”السلفية الفكرية“ لليسار وللوطد بالذات في قراءة الواقع، في حين أن الكتاب موضوع الدراسة نفسه اعتمد على هذه السلفية الإيديولوجية ذاتها في تحليل طبيعة المجتمع.
– ثمة في استنتاجات الخاتمة ما يُثير بدوره جملةً من التساؤلات الجوهرية. من بينها: ”…نرى أن المجتمع التونسي الذي لا يمتلك وعياً ثورياً حقيقياً ولا يحسن التعامل مع الثورات لا يحتاج غير الانخراط الهادئ في مسار الانتقال الذي يؤهله تدريجياً إلى اكتساب كل مقومات الدخول في طور جديد والارتقاء إلى مستوى أرقى…“ (ص. 607). وبمعزل عن الغموض الذي يكتنف مفهوم ”الوعي الثوري“ وإشكالية توظيف مفهوم ”الأهلية“، فإن مثل هذا القول يبدو مستغرَباً في سياق العلوم الاجتماعية، إذ يوحي بأن الشعوب في مقدورها الاختيار بين الثورة (النموذج الفرنسي وفق الكاتب) والإصلاح التدريجي (النموذج الإنجليزي)، أو أن بمقدورها استعادة الزمن لإعادة الاختيار. ويمضي الكاتب أبعد في هذا الاتجاه، إذ يكتب في صيغة استنتاج شامل للكتاب: ”لذلك فإن تفشي وهم الثورة الذي طغى على عموم أفراد المجتمع وفئاته وشرائحه في سياق لا يمكن أن يستجيب لمقومات الثورة، سواء على مستوى المنطلقات أو الأهداف، هو أكبر دليل على أن المجتمع يعيش حالة اجتماع سياسي زائف بكامله، لأنه مجتمع أخطأ طريقه إلى إرساء دعائم الإصلاح فانخرط في حالة انفعال حاد أدت إلى انفجار اجتماعي عجز عن الارتقاء إلى مستوى الثورة، فأعطى نتائج مسيخة على مقاس حالته الهجينة“ (ص. 605). والحقيقة أن هذا خطاب بعيد عن المعرفة العلمية، ولا سيما في ميدان علم الاجتماع. إذ ما المعنى العلمي، من منظور العلوم الاجتماعية، لمقولة إن المجتمع ”أخطأ طريقه“؟ وهل وُضعت أمامه بدائل الإصلاح والثورة فاختار الثورة؟ تبدو هذه الفقرة في مجملها تلخيصاً للنزعة العامة للكتاب، بوصفه نموذجاً للكتابة الانطباعية التي تجاري المزاج السائد، ولا تقل انفعاليةً وتبسيطاً عن ذلك ”الانفعال الجماهيري” الذي يُشخّصه الكاتب ويُقدّمه موضوعاً للنقد.
– على صعيد المضمون، تجدر الإشارة إلى جملة من التناقضات الداخلية التي تعتري الكتاب وتستدعي التأمل والمساءلة النقدية. فقد ورد في الصفحة 214 أن ”لم تقبل تلك الدوائر (مراكز القرار الدولية) ‘الثورة التونسية’ لأنها بدأت في صياغة فكر جديد وبراديغم جديد ومنوال جديد لفهم التاريخ، وابتكرت آلية جديدة لصياغة مفهوم الحرية…من خارج الفضاء البرجوازي النموذجي الذي صاغ فكرة التمركز الثقافي الغربي“، وهو ما يُفضي إلى رفض صريح للنموذج البرجوازي. غير أن المؤلف يعود في مواضع أخرى إلى اعتبار هذا النموذج ذاته معيارًا محوريًا للانتقال المجتمعي، إذ يرى أن وضوح التشكّل الاجتماعي القائم على ثنائية البرجوازية والبروليتاريا هو الشرط الأساسي لذلك الانتقال، وأن غيابه في السياق التونسي يُفسّر تعثّر المجتمع أو ما يُسمّيه ”مساخة المجتمع“. ويتجلى في ذلك جمع متناقض بين منظور يُعيد إنتاج المركزية الأوروبية بصيغتها الماركسية، ومنطق ديكولونيالي يناقضه جوهريًا. فضلًا عن ذلك، يُستفاد من هذه الصفحة ذاتها أن الثورة أسهمت في صياغة معايير محلية للحرية، وهو ما يتعارض مع التقييم السابق القاضي بأن الثورة لم تُفضِ إلى أي إنجاز يُذكر. وتزداد الإشكالية تعقيدًا حين يجمع الكتاب بين نفي الثورة والتسليم بها في آنٍ واحد، وذلك بالاستشهاد بإخفاق الغرب لها دليلًا على وقوعها. يُضاف إلى ذلك أن الحديث عن سعي مراكز القرار الدولية إلى إجهاض الثورة التونسية يتعارض مع الطرح المحوري للكتاب، الذي يعزو الإخفاق إلى عوامل بنيوية داخلية متعلقة بعطوبة المجتمع وانهيار نواظمه. كما يتبيّن تعارض آخر بين المقاربة الديكولونيالية التأصيلية المُعبَّر عنها في الصفحة 475 بقوله: ”الحداثة ينبغي أن تكون ذاتية، جوفية، منبثقة من الواقع المجتمعي، في نطاق اجتماعيته السياسية. فهي لا يمكن أن تتأسس إلا على المقومات الثقافية والحضارية الخاصة بالمجتمع….“. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقاربة تنطوي على تقارب لافت مع التصوّر الإسلاموي للحداثة، وبين إحالته في موضع آخر (ص. 598) إلى ”حداثة غربية“ لم يستبطنها المجتمع التونسي، معتبرًا ذلك سببًا في الإخفاق. على صعيد آخر، يبدو من القسم الرابع للفصل الثاني أن صراع الطبقات والمصالح يحتلّ مرتبة العامل الحاسم، في حين يتضمّن مطلع الفصل الثالث (ص. 209-210) القول بأن الانفجار الاجتماعي أو الثورة قد ”نبّهه (المجتمع) أولًا إلى أن المعركة منذ زمن بعيد هي معركة من أجل الحرية والحرية هي أبرز عناوين الحداثة“، وهو ما يُزحزح ثقل التفسير من الصراع الطبقي نحو قيمة الحرية بوصفها مُحرّكًا أساسيًا. وثمة حالات مماثلة يمكن رصدها إن صحّ الفهم، من بينها: ذمّ الأيديولوجيا ولا سيما اليسارية في الوقت الذي يوظّفها الكتاب أداةً تحليلية لفهم طبيعة المجتمع؛ والحديث في موضع عن تشكّل وطني في العصر الحديث ونفيه في موضع آخر بالقول إن البلاد ظلّت تابعة للأتراك حتى دخول الاستعمار، إضافة إلى الدفاع عن النخب والصفوة في مواجهة الجماهير بالخاتمة، في حين يُفرد الكاتب هذه الفئات بنعوت ازدرائية في ثنايا الكتاب. وتطرح هذه التناقضات مجتمعةً تساؤلات جوهرية حول مدى تماسك الكتاب واتّساقه، ولا سيما على الصعيد النظري والمنهجي.
من حيث الشكل
– على صعيد اللغة والأسلوب، قد يجد القارئ صعوبةً في تتبع خيط الكتاب الجامع، وذلك لا بسبب التناقضات المشار إليها آنفًا وحسب، بل أيضًا بسبب الإطالة المفرطة التي تعتري مقاطع واسعة من النص. ولعلّ أبرز مظاهر ذلك ما يلاحظه القارئ في القسم الأول وفي الفصل الرابع المخصص للعلاقة بين الدنيوي والمقدس، الذي يغلب عليه البعد النظري الفلسفي الاستطرادي على حساب البعد السوسيولوجي، مع ضعف الصلة بالموضوع المركزي للكتاب، وامتداد ذلك على نحو مئة صفحة تقريبًا. ومن مصادر الإطالة أيضًا التوقف عند مسلّمات ذات طابع بديهي في الحقل الأكاديمي، كتساؤل الكتاب عن مسوّغ استعمال لفظ ”مجتمع“ عوضًا عن ”الشعب“، في حين أن المسألة محسومة في علم الاجتماع منذ أمد بعيد (ص. 69). كذلك يلجأ الكتاب أحيانًا إلى افتعال إشكاليات مثيرة للجدل دون سند تجريبي كافٍ، كالادّعاء بشيوع استعمال مصطلح ”المجتمع الأهلي“ بديلًا عن ”المجتمع المدني“ لدى ”الجماعة الأكاديمية“، وهو ادّعاء لا يبدو مدعومًا بما يكفي من الشواهد. ومن مظاهر الإطالة كذلك تكرار فقرات بأكملها، إذ أُعيد نقل الفقرة الأخيرة من الصفحة 205 حرفيًا في الصفحتين 208 و209 مع تغيير لفظي طفيف وحذف الإحالة المرجعية الأصلية. فضلًا عن ذلك، تتسم جملة من الجمل بالطول المفرط والتركيب الملتوي حدّ الغموض، بما يجعل القارئ يفقد الخيط الأصلي للفكرة ويجد نفسه أمام محتوى مغاير (ص. 12). وقد بلغ اهتمام الكتاب باللغة حدًّا يكاد يتحوّل معه الأسلوب إلى غاية قائمة بذاتها لا إلى وسيلة لتبليغ الفكرة، وهو ما يتجلّى في مقطع كقوله في الصفحة 568: ”لقد استخلص هذا اليسار كل مراحل العمر السياسي في فترة وجيزة عرف فيها مرحلة النخوة والانتشار، ثم الهزيمة والانحدار، ليمر إلى مرحلة الصراع الداخلي والانهيار، وانتهت فصائله إلى التفكك والاندثار…“. فاللغة في مثل هذه المواضع لم تعد أداةً لخدمة الفكرة، بل غدت غايةً مستقلة قائمة بذاتها.
– تم في بعض الأحيان تقديم أفكار في شكل بديهيات دون تفسير والحال أنها تطرح إشكالا مثل ”معلوم أن العلاقة بين النخب والجماهير هي علاقة تقاطعية، تنافرية، قائمة على الرفاض المتبادل“ (407). وجب إثبات ذلك بشكل علمي وحتى لو اقتصرنا على المستوى الانطباعي أو العياني فلا نرى أثرا لهذه العلاقة الصدامية، لأن المجتمع عموما ينظر إلى النخب نظرة اعتبار واقتداء. وفي مستوى آخر، يعيد هذا القول إنتاج نفس المنطق الشعبوي الذي ينقده الكتاب من خلال الإقرار بالعلاقة العدائية بين النخب والجماهير وهي في لب تعريف الشعبوية. في نفس إطار هذه المسلمات غير المسنودة علميا ندرج الحديث عن غياب طبقة وسطى في المجتمعات الرأسمالية وكذلك تونسة الاستعمار كما تمت الإشارة في السابق.
– يتجلى في الكتاب ميلٌ واضح إلى استحداث المفاهيم واشتقاقها في ما يشبه المراوغة الألسنية، ومن أبرز شواهد ذلك مفهوم ”البوليتيكاريا“ الذي يصف به المؤلف فئةً من السياسيين أعادوا تموضعهم في سياق تفكك الطبقة السياسية (ص. 515). غير أن التأصيل الاشتقاقي للمصطلح يبدو غير دقيق، إذ يزعم الكاتب أنه مركّب من الكلمة الفرنسية ”بوليتيكار“ ومصطلح Précariat، في حين أن هذا الأخير ليس وحدةً مستقلة في الفرنسية، بل هو بدوره مصطلح مُركَّب من ”بروليتاريا“ و”بريكار“ (précaire)، ابتكره عالم الاقتصاد Guy Standing للدلالة على الأصناف الهشة الجديدة في اقتصاد العمل الرقمي. ويبدو أن المنطق الضمني الحاكم لهذا التوليد المفاهيمي ينطلق من مسلّمة أن تسمية الظاهرة تعني امتلاكها والهيمنة عليها، فيغدو الاشتقاق اللغوي ضربًا من التموضع الرمزي على حساب ما وصفه بالطبقة السياسية الخالية. يُضاف إلى ما سبق أن اللغة تنزع في مواضع كثيرة من الكتاب نحو الطابع الانطباعي على حساب البرهاني، ويتجلى ذلك في عبارات من قبيل ”مرحلة تاريخية أرقى“ و”غير مؤهل للثورة“ و”للشعب ما أراد“، التي تُرسَّل بوصفها حقائق دون أن تُسند إلى معايير قابلة للاختبار. بل إن هذه الانطباعية تمتد لتطبع الهيكلة العامة للكتاب، إذ يبدو أن الأطروحة الكامنة تقول إن ما جرى في تونس لم يرقَ إلى مستوى الثورة لأن المجتمع غير مؤهل لها، وأن اختيار قيس سعيد رئيسًا دليلٌ على هذا الإخفاق البنيوي. وفي السياق ذاته، يندرج ما يمكن وصفه بمنطق النفي المطلق غير المنسَّب، إذ يخلص الكتاب إلى انعدام المثقفين في تونس منذ الطاهر الحداد، وانعدام الأكاديميين، وانعدام الجامعة، وانعدام الحداثة، وانعدام الطبقة السياسية، وانعدام الاستقلال الحقيقي، وذلك دون تقييد أو تنسيب يُخفف من إطلاقية هذه الأحكام.
– عجّ الكتاب بمفردات فيها الكثير من التهجم وحتى التحقير والازدراء بعيدا عن الضوابط المعرفية. وقد خُصّ المجتمع والجماهير والعامة بالنصيب الأوفر من اللفاظ الحادة: ”الحالة العاهية“، ”الرعاع“، ”الحالة الرعاعية“، ”الدهماء“، ”القاع“ (مقابل الصفوة)، وهي مفردات بعيدة كل البعد عن صرامة المعرفة علم الاجتماعية والفكر بما تحيل عليه من علاقة ذاتية صدامية مع موضوع البحث بعيدا عن كل حيادية. هنا يتحول الموضوع إلى خصم. إن مثل هذا التعامل اللفظي الانطباعي الحاد يسترجع ربما، دون قصد، نفس المنطق الشعبوي عن طريق شعبوية مضادة تقزم الشعب (العامة) بدل تعظيمه كما تفعل الشعبوية. كما نالت النخب الجامعية نصيبها من اللغة الخشنة في عديد المواضع وخاصة في القسم الأول من الفصل السادس باستعمال مفردات من صنف: ”الجماعة الأكاديمية“، ”الأداء المشيخي“ للحديث عن الدروس في الجامعة، ”النخبة العرفانية“، ”أفندية الجامعة“، ”كلاب حراسة“، ”سيستام التفاهة بالمنظومة الجامعية“، ”الحوزات العلمية“ (في كتاب الجمهورية الجديدة). مثل هذا التهجم يثير تساؤلات عدة حول أسبابه وخلفياته خاصة في الكتب الأخيرة بعد 2020.
– تطرح المراجع الموظَّفة في الكتاب بدورها جملةً من التساؤلات الجديرة بالتأمل. فعلى الرغم من أن موضوع الثورة يحتل حضورًا محوريًا في المتن، ولو من وراء حجاب مفهوم ”الانتقال المجتمعي“، فإن الأعمال التي تناولته مباشرةً تكاد تكون غائبة عن قائمة المصادر. والحال أن مؤلفات عديدة صدرت حول الثورة التونسية لباحثين تونسيين وأجانب، كان استحضارها ومناقشتها كفيلًا بتعميق الفهم النقدي لأطروحة نفي الثورة التي يبني عليها الكتاب جزءًا كبيرًا من رؤيته. فضلًا عن ذلك، يُقدم الكاتب في مواضع عدة على نفي وجود دراسات في حقول بعينها دون أن يتسنى له، على ما يبدو، الاطلاع الكافي على ما هو متاح. ففي الصفحة 161 يُصرّح بانعدام الدراسات المتعلقة بطبيعة المجتمع التونسي باستثناء ما أنجزه التيمومي حول المجتمع المخماسي، متجاهلًا أعمالًا راسخة كأعمال عبد الحميد هنية حول منطقة الجريد، وأعمال لوسيت فالنسي حول الفلاحين التونسيين، وهي أعمال كانت ستُتيح أيضًا استثمار النظرية الانقسامية استثمارًا منهجيًا، لا سيما أن المؤلف أبدى في كتابه السابق إعجابًا بالغًا بابن خلدون وأكد على ضرورة تحيين مقارباته لفهم المجتمعات العربية. ويتكرر الأمر ذاته في الصفحة 572، حيث يُنفى وجود دراسات تناولت صعود قيس سعيد، في حين أن ثمة منشورات تطرقت لهذه المسألة، من بينها كتاب حاتم النفطي ”صديقنا قيس سعيد“ وكتاب ”وين ماشين؟ رؤية لمستقبل تونس“. أما على صعيد التوثيق، فقد اقتصر الكتاب في دراسة طبيعة المجتمع التونسي وقسط وافر من تاريخه الوسيط والحديث والمعاصر على كتابات الهادي التيمومي شبه حصريًا، فجاء المحتوى متأثرًا بالرؤية التاريخية لهذا الباحث ذات المنحى الإيديولوجي الماركسي الكلاسيكي، في حين أن مراجع بديلة أو مكمّلة حول الموضوع ذاته متوفرة ويمكن الاستئناس بها لإضفاء قدر أكبر من التنسيب والتعدد المنهجي. كما أن بعض المصادر الموظَّفة تفتقر إلى الراهنية، ومن أبرز ذلك الاستناد إلى كتاب بنديكت أندرسون (L’imaginaire national, 1983) لتعريف الأمة (ص. 73)، مما أفضى إلى تعريف ذي طابع عام، خاصةً أن أندرسون نفسه يُقرّ في مقدمة الطبعة الفرنسية سنة 1996 بأن مراجعات أرنست جلنر وإيريك هوبسباوم (Nation et nationalisme) قد تجاوزت كتابه ودفعت بالنقاش إلى آفاق أرحب – ويمكن إضافة أعمال شارلز تيلي حول تاريخ الدولة الأوروبية الحديثة في هذا السياق. وكان الاستئناس بهذه الأعمال كفيلًا بتنسيب قراءة التيمومي وإغناء الإطار التحليلي للكتاب. وختامًا، تستدعي بعض الهوامش مراجعةً دقيقة، إذ تبدو في غير موضع بعيدة الصلة بمتن النص. وقد سبق الإشارة إلى مثال حسن حنفي، ويُضاف إليه ما ورد في الصفحة 487 من حديث عن قوى إدارية رافضة للأحزاب في تونس ما بعد الثورة، وهو ادّعاء يستوجب هو الآخر إثباتًا وتوثيقًا، مستندًا إلى كتاب أسامة الغزالي حرب الذي يتناول ظاهرة الأحزاب في العالم الثالث على نطاق عام، وهو مرجع يعود إلى عام 1987 مما يُضعف راهنيته في هذا السياق.
خلاصة الكتاب
يغلب على الكتاب، في مجمله، طابعٌ انطباعي ولغةٌ إطلاقية تفتقر إلى التنسيب، إذ يُقدَّم كل شيء على أنه متلف ومعطوب: الدولة والنخب والأحزاب والحداثة والسياسيون والأكاديميون، فضلًا عن انعدام المثقفين منذ الطاهر الحداد. ويستحضر هذا المنطق الإطلاقي في الأذهان صدى تلك القولة الشعبوية الشهيرة ”فليرحلوا كلهم سلطة ومعارضة“. ويتبيّن في هذا السياق ميلٌ لافت نحو بناء الذات العارفة على حساب الموضوع المدروس، سواء أكان ذلك المجتمع، أم النخب، أم السياسيين والأحزاب، ولا سيما ذات التوجه اليساري. ويصح التساؤل من منظور نقدي عمّا إذا كانت بعض محتويات الكتاب، من حيث حدّة اللغة وسلبية التقييم، تنطوي على أبعاد تتجاوز الحياد العلمي المطلوب، خاصةً أن الكاتب كان ذاته جزءًا من الفضاءات التي يستهدفها بالنقد، كالجامعة والأحزاب واليسار. ويبدو أن ثمة ميلًا نحو ما يمكن تسميته بـ”البناء الذاتي بالنفي“، أي تكريس حضور الذات العارفة عبر نفي الآخرين، إما بإنكار وجودهم كليًا أو بإخراجهم من دائرة الاختصاص بذريعة عدم الأهلية. ولهذه الأسباب مجتمعةً، يطرح الكتاب تساؤلات جدية حول مدى تماسكه المنهجي وانسجامه النظري. ويبدو أنه وليد سياقين متشابكين: سياق الذاتية العارفة بكل مخزونها الانطباعي والعاطفي، وسياق موضوعي عام يتسم بهيمنة الإحباط والتعميم والتبسيط، وهو السياق ذاته الذي أنتج الشعبوية السياسية ومضاداتها. وخلاصة القول، يندرج كتاب ”الانتقال المجتمعي“ في إطار الكتابة الجدالية (rhétorique) أكثر مما يندرج في إطار الكتابة المعرفية البرهانية. ولعل ذلك يعكس تحولًا واعيًا في خيارات الكاتب، إذ يُشير هو نفسه إلى انتقاله من ”الكتابة الأكاديمية التقنية“ نحو الكتابة الفكرية التي يرى فيها قدرًا أكبر من الحيوية (ص. 466).
منطق الجدال على حساب البرهان
يقوم المنطق الجدالي، في جوهره، على الإقناع عبر التأثير لا عبر البرهنة وفق معايير استدلالية صارمة، وهو ما يفسّر المسحة الانطباعية والميل إلى التعميم اللذين يطبعان عديد مواضع هذا الكتاب. فبدلا من اليقين القطعي، يُفضّل هذا المنطق الرجحان والاحتمال، إذ تُطرح قضاياه عادة في صورة مسائل قابلة للجدل تمسّ السياسة والأخلاق والقيم، كالقول بغياب الحداثة أو بانعطاب المجتمع أو بانعدام الطبقة السياسية أو بعدم الأهلية بالثورة، وهي مواقف تتماهى مع الانطباع العام وما يبدو معقولا أو راجحا في أذهان الجمهور. وهذا الجمهور حاضر بقوة في الكتاب بوصفه متلقيا نهائيا، ولو بصورة غير مباشرة عبر أصداء الكتاب في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. ويُضاف إلى ذلك أن الإقناع الجدالي كثيراً ما يستند إلى صورة المخاطِب ذاته، من حيث خبرته واطلاعه (الإكثار من الاستشهاد بالكتب النظرية وبالأسماء الكبرى المؤسسة) واتزانه وقربه من الجمهور، فتبنى القناعة على الوثوق بالكاتب لا على براهين حاسمة، مما يفسّر تعدد المسلّمات في الكتاب دون تأسيس نقدي واضح. وفي هذا السياق، تؤدي اللغة دوراً خفياً، إذ تغدو أداةً لبناء أنا المتكلم وتعزيز حضوره على حساب الموضوع. ويستثمر المنطق الجدالي كذلك الطاقة العاطفية في تحريك الانفعال، خوفاً أو غضباً أو تعاطفاً، ويتجلى ذلك في الكتاب من خلال نفي الثورة باعتماد مآل الخيبة، والصدْم بمنطق النفي المتكرر (نفي النخبة، نفي التحديث)، وتوظيف الوصم الاجتماعي (رعاع، قاع، رثاثة). فضلاً عن ذلك، يلجأ الخطاب الجدالي إلى حجج معقولة الظاهر لكنها غير برهانية في جوهرها، كالتعميمات الشاملة (كل الجامعيين، كل السياسيين، المجتمع بأسره) والقياس التمثيلي (الاستناد إلى الحالة الفرنسية أو الإنجليزية)، والإقرارات المقبولة اجتماعياً، كوصف المجتمع بالعطب لأنه انتخب قيس سعيد. ويزداد هذا الأثر بتوظيف الزخرفة البلاغية من تكرار ومقابلة واستعارة وانتقاء للألفاظ، فضلاً عن الاستناد إلى المقبوليات المشتركة (doxa) والبداهات الجماعية، كخيبة الأمل من الثورة، أو ثنائيات من قبيل البرجوازية والبروليتاريا، والنخبة والقاع. وخلاصة القول إن مثل هذه الكتابة وتردداتها الاعلامية، تذهب باتجاه الإجماع لا باتجاه الاجتماع، فتُنتج العالِمَ بالإجماع وتقتل عالِمَ الاجتماع.




iThere are no comments
Add yours