انقاذ المنظمة وإزاحة شبح تهديد وجودها في أسرع وقت وإخراجها من دائرة الأزمة، هو عنوان ما تواجهه القيادة الجديدة للاتحاد في ظل أزمة مالية خانقة، بعد إيقاف العمل بالاقتطاع الآلي من أجور المنخرطين المنتمين للوظيفة العمومية والقطاع العام، بالإضافة إلى رأب التصدع الداخلي عبر طرح القيادة الجديدة ما أسمته ”المصالحة النقابية الشاملة“.

وبطبيعة الحال، يمثّل عدم تفاعل السلطة مع مؤتمر المنظمة ونتائجه بصفة رسمية، عبر تهنئة القيادة الجديدة، مؤشرا على تواصل انقطاع العلاقة وسعي سعيّد تحييد الاتحاد عن كل الملفات التي كان طرفا رئيسيا فيها، حتى تلك التي تهم العمال، بإعلان الرئيس مؤخرا أن الكشف عن قيمة الزيادة في الأجور وتفعيلها لن يتأخر كثيرا وسيكون على الأرجح يوم 1 ماي بالتزامن مع اليوم العالمي للعمال، في ضرب كلّي للتقليد المعمول به في تونس منذ عشرات السنين، والمعروف بالسياسة التعاقدية بين أطراف الإنتاج الثلاثة، ليحتكره اليوم سعيّد ويلغي دور المنظمة في العملية، في رسالة مفادها أن الزيادة منّة من الرئيس وحده ستحدد وستصرف دون الحاجة للاتحاد.

ورغم ذلك التوجّه الواضح من السلطة، فقد كان البيان الصادر عن الهيئة الإدارية الوطنية الأولى المُنعقدة بعد المؤتمر العام، خافت اللهجة ومنقوصا مما اعتادته بيانات الإتحاد الصادرة عن الهيئة الإدارية أو غيرها من مؤسسات المنظمة، في مثل هذه الظروف من تلويح بالتصعيد وتنفيذ تحركات احتجاجية تبلغ حدّ الإضراب العام، مُقابل لائحة المطالب الواردة صلبها، في وقت لا يخفى على أي كان ذهاب السلطة في مواصلة محاصرة المنظمة، بعد أن نجحت في إحداث أزمة مالية خانقة وخرم الموازنات المالية للاتحاد ومداخيله بعد تعليق الاقتطاع الآلي الذي حرم ميزانية الإتحاد من حوالي 1.3 مليون دينار شهريّا.

25 مارس 2026 المنستير – صورة للجلسة الافتتاحية للمؤتمر ”العادي“ للاتحاد العام التونسي للشغل – FB UGTT

فتح الباب أمام السلطة وتنازلات متوقّعة

نبرة بيان أولى الهيئات الادارية بعد المؤتمر والتصريحات الباهتة للأمين العام الجديد صلاح الدين السالمي لم تكن مُفاجئة في تقدير عدد هام من المتابعين للشأن النقابي المعقد. في هذا الاتجاه يعتبر الباحث في علم الاجتماع السياسي المولدي القسومي، أن بداية تغيير طريقة التعاطي مع السلطة والخطاب الموجّه لها، ظهر قبل فترة قصيرة من المؤتمر العام المنعقد نهاية شهر مارس 2026، حيث عاد القسومي إلى الإضراب العام الذي أقرت الهيئة الإدارية تنفيذه في 21 جانفي الماضي واستقالة الأمين العام المتخلي نور الدين الطبوبي بعد يومين من تاريخ إقراره قبل أن يتراجع عن تلك الاستقالة المفاجئة في 14 جانفي 2026، عقب مُناشدته من نحو 46 عضوا في الهيئة الإدارية الوطنية، على رأسهم الأمين العام الحالي صلاح الدين السالمي، لكن بعد انقضاء آجال اصدرا برقيات التنبيه بالإضراب العام.

وأشار القسومي، خلال حديثه مع نواة، إلى أن عودة الطبوبي عن استقالته بعد تجاوز آجال الإمضاء على برقية التنبيه بالإضراب وإلغائه، تزامنت مع تغيير موقعه من شقّ الـ10 إلى الاصطفاف مع شقّ الـ5، ما يعني تبنيه لطرح عقد المؤتمر العام قبل موعده بعد أن كان من أشدّ المعارضين لتقديم الموعد، معتبرا ما بدر عن الطبوبي وطريقة التخلي عن تنفيذ الإضراب العام بـ ”صكّ اعتذار“ أو ”رسالة مصالحة“ مُوجّهة للسلطة طلبا للخروج الآمن مقابل فتح الباب لها للاطلاع وإبداء رأيها في الأزمة الداخلية عبر مقرّبين منها سواء بعلم رأس السلطة أو دون علمه.

منذ تلك الفترة التي سبقت عقد المؤتمر العام دخلت السلطة، عبر مقربين منها، على خط الأحداث داخل اتحاد الشغل وأزمته لتصبح أحد الفاعلين فيها، من خلال اتصالات المقربين منها عبر وسطاء كانوا في الغالب نقابيين قدامى، مع بعض النقابيين الداعمين لطرح تقديم المؤتمر. ويلاحظ القسومي أن الإضراب العام لم يحظ خلال مؤتمر المنستير بالاهتمام الذي يجعل منه وسيلة لمواجهة رفض السلطة الحوار مثلا، حيث كان هامشيّا، يندرج ضمن سياسة تنازلات ستتوالى بعد انطلاقها منذ تهميش تنفيذ الإضراب بطريقة لم تعهدها المنظمة على مرّ تاريخها.

يضيف القسومي: ”صلاح الدين السالمي الذي عُرف خلال الأزمة داخل الإتحاد بقوله فـ”لنرحل جميعا“، أصبح اليوم أمينا عاما للمنظمة وتغيّرت المواقع والمواقف بعد فوز تشكيلة جديدة بفارق كبير عن منافسيها الذين أُلبسوا عباءة مواصلة الصراع مع السلطة في مقابل قائمة صلاح الدين السالمي التي اعتمدت إعادة الاقتطاع الآلي ككلمة مفتاح خلال انتخابات المكتب التنفيذي، في إحالة على وجود تطمينات من مقربين من السلطة، وأشار إلى تضمن الكلمة الأولى للسالمي كأمين عام قوله ”الاقتطاع الآلي حقّ مُكتسب“، وتأكيده لبقية أعضاء المكتب التنفيذي الجدد أن هناك مفاوضات في الكواليس لإعادة العمل بالاقتطاع الآلي من أجور الوظيفة العمومية والقطاع العام.

إحدى المعلقات التي اعتمدها الاتحاد للتحفيز على الانخراط المباشر في محاولة لتجاوز ضربة ايقاف العمل بالاقتطاع المباشر – FB UGTT

رسائل للسلطة والتدجين هو الهدف

بعد أن تباهت قيادته لسنوات بكون الاتحاد خيمة جامعة للتونسيين والتونسيات من عمال ومنظمات وتيارات سياسية، تبدو الخيمة اليوم مقفرة جراء تصحّر المشهد السياسي وفتح السجون في وجه المعارضين والنشطاء الحقوقيين، فالاتحاد يحيى بحيوية مكونات المشهد السياسي النقابي الجمعياتي، وتتعقد مهامه في ظل الاستبداد وضرب التعددية واقفار الساحة السياسية والنقابية أو تجنبها خوفا من سجون السلطة ورئيسها. يقول المولدي القسومي في هذا السياق: ”لا حل أمام القيادة الجديدة سوى الانحناء أمام العاصفة خاصة في ظل تصحّر الحياة السياسية وغياب أي حراك أو زخم يقوّي موقف الإتحاد“، معتبرا أن النظام أو السلطة لا تسعى لتصفية اتحاد الشغل، بل تسعى لتدجينه وإدخاله بيت الطاعة وجعله ديكورا في المشهد العام كما حال منظمة الأعراف التي تعيش حالة جمود وشرعية قيادة مشكوك فيها واتحاد الفلاحين الذي شهد انقلابا على القيادة القديمة لصالح قيادة موالية للرئيس.

كما يُمكن أن يمثّل احياء اليوم العالمي للعمال غرة ماي، مقياسا لموقف رأس السلطة من القيادة الجديدة للاتحاد سواء استقبل سعيّد قيادات المنظمة بهذه المناسبة أو تجاهلهم، لتكون بذلك كل المناورات وتغيير المواقع والمواقف دون جدوى، حتى تلك المُتعلّقة بتوجيه القيادة الجديدة قبل فوزها في انتخابات المؤتمر العام، إشارات واضحة بالاستعداد لتقديم تنازلات، كإقصاء التيارات السياسية والإيديولوجية والجهات المعروفة بمعارضتها للرئيس من تشكيلة القائمة التي فازت بكل مقاعد المكتب التنفيذي، وطريقة التعاطي مع ملفّ الإضراب العام خلال المؤتمر.

وقدّر الباحث في علم الاجتماع السياسي، في سياق حديثه مع نواة، أن عدم توجيه تهنئة رسمية للمكتب التنفيذي الجديد والأمين العام من طرف رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة أو أي جهة رسمية هي محاولة لمزيد الضغط أكثر على المنظمة لدفعها نحو الاستعداد لتقديم تنازلات أكبر فور فتح مفاوضات حتى ولو بشكل غير رسمي، كما أشار القسومي أن غياب تهنئة القيادة الجديدة على رمزيّتها وأهميتها في فهم طبيعة العلاقة المستقبلية من جهة السلطة، فإنها تبقى في جانب كبير منها رهن مزاج رأس السلطة المُتقلّب كما هو معلوم للجميع.

التفويت حلّ إلى حين..

خلافا لما يوحي به البيان الصادر عن الهيئة الإدارية نهاية الأسبوع الماضي، من أن مؤسسة القرار الثالثة تناولت في اجتماعها، انغلاق قنوات الحوار وملفات الزيادة في الأجور وتطبيق الاتفاقيات الممضاة، كشفت مصادر نقابية من داخل الهيئة الإدارية لـنواة أن الاجتماع خُصّص بدرجة شبه حصريّة للأزمة المالية، بداية من الوضع المالي وتوازنات الإتحاد مرورا بحملة الانخراطات وصولا إلى الملفّ الأعقد، وهو التفويت فيما يُمكن ويُقبل التفويت فيه من ممتلكات الإتحاد لسدّ الاحتياجات والالتزامات المالية القارة، وعلى رأسها أجور موظفي وعملة المنظمة التي اقتصر صرفها بالنسبة لشهر أفريل على الأجر دون المنح. معطيات جعلت الهيئة الإدارية الأولى بعد المؤتمر العام تؤجّل، بعد ان كان موعدها في البداية يوم 9 أفريل، لمزيد تحضير عرض الوضعية المالية والحلول الممكنة، رغم تفادي التطرّق للملفّ في بيانها المنشور للعموم، وتُناقش التفويت فيما يُمكن التفويت فيه من ممتلكات المنظمة وإقرار جملة من الإجراءات التقشّفية مثل التخلي عن المنح المخصصة للقيادات المركزية والكتاب العامين للجهات والقطاعات، وهي تتراوح بين 400 و150 دينارا، والتخلي عن السيارات قدر الإمكان والضغط على فواتير التنقل والصيانة والمستودعات ونقل مقرات بعض الجامعات القطاعية إلى المقرّ المركزي ببطحاء محمد علي لتوفير مصاريف التسويغ…، وغيرها من مقترحات الإجراءات التقشفية لمواجهة الازمة الماليّة الخانقة.

لكن هذه الخطوات، والتي تصدرها اعلاميا تخلي الأمين العام الجديد صلاح الدين السالمي عن سيارة الأمانة العامة ومنحتها، وهي 400د تقريبا، لا تتجاوز في غالبها حدود الرمزية، ولا يُمكن لها بأي حال من الأحوال تغيير الوضع المالي، ليبقى الحلّ في التفويت لتغطية الالتزامات المالية على المدى القصير مثل كتلة أجور تبلغ مليون دينار شهريّا وسداد أقساط القروض ودفع مساهمات المنظمة في الصناديق الاجتماعية، حيث تمّ طرح مُقترح جديد بالتفويت في بناية المنظمة بنهج الجزيرة بعد ظهور إشكال في التفويت في بناية حي الخضراء، وهي أن الأرض التي شُيّد فوقها المقرّ هبة من الدولة، فيما يتمثل إشكال التفويت في أسهم الإتحاد بإحدى شركات التأمين بأن العائدات المالية تدخل حسابات الإتحاد في سنة 2028، ما يجعل التفويت في بناية باب الجزيرة الحلّ الأقرب حتى الساعة.

البحث عن حل لارتدادات الازمة المالية جعل المنظمة تنطلق أياما بعد المؤتمر العام في عقد سلسلة من الاجتماعات لهياكلها ومؤسساتها، من ندوات إطارات جهوية ومجامع القطاع العام والوظيفة العمومية، لمزيد الحشد ودفع النقابيين لبذل مجهود أكبر في التواصل المباشر مع العمال في محاولة رفع نسق الانخراط المباشر التي راهن عليها الإتحاد قبيل المؤتمر العام، بعد الغاء السلطة للاقتطاع الآلي.

الحملة التي أطلقها الاتحاد للتحفيز على الإنخراطات السنوية، البالغ قيمتها 36 دينارا، للمنتمين للوظيفة العمومية والقطاع العام كانت نتائجها ضعيفة مُخيّبة للآمال، إلى درجة فرض المنظمة على نواب المؤتمر الانتخابي العام، البالغ عددهم حوالي 610 نائبا، اقتناء انخراطاتهم خلال أشغاله، ملفّ يبقى على رأس أولويات القيادة الجديدة، والذي يُمكن أن يدفع الفشل في إدارته إلى تقوية موقف السلطة ودفع القيادة النقابية الجديدة إلى تقديم تنازلات مؤلمة للمحافظة على وجود المنظمة.

هذا وقد أكدت مصادر من الهيئة الإدارية لنواة، أنه تقرّر تكليف مكتب دراسات للتدقيق في الوضعية المالية للمنظمة بالتوازي مع ما تضمّنه التقرير المالي من عجز يبلغ 39 مليون دينارٍ، وديونٍ بحوالي 60 مليون دينارٍ، منها 50 مليون دينارٍ للبنوك والصناديق الاجتماعية والباقي لاتصالات تونس وبعض مُسدي خدمات آخرين، بالإضافة إلى دراسة نجاعة الحلول المقترحة لتجاوز الازمة المالية التي تُهدد جدّيا وجود اتحاد الشغل، بشكله الحالي على الأقلّ.

المصالحة الدّاخلية أولوية، ولكن…

بالتوازي مع العمل على تخفيف حدة الأزمة المالية، يرفع المكتب التنفيذي الجديد والأمين العام صلاح الدين السالمي شعار المصالحة النقابية الشاملة، حيث يسعى الإتحاد إلى ترتيب بيته ووضع حدّ للخلافات الداخلية. من ذلك ما صرح به الأمين العام الجديد خلال أشغال الهيئة الإدارية الوطنية الأولى بعد المؤتمر: ”صفحة المؤتمر تم طيّها بما سبقها من خلافات وتنافس…الإتحاد بحاجة لكل أبناءه وفتح صفحة جديدة مبنية على الوحدة والشفافية والثقة“، ولا يبدو أن الرجل قد جانب الصواب، فالمنظمة أمام تهديد وجودي لا يحتمل أي صراعات داخليّة. لكن العارفين بنواميس بطحاء محمد علي المعقدة يدركون جيّدا أن الخلافات داخل المنظمة أكبر من عقد مؤتمر وانتخاب قيادة جديدة.

في هذا السياق يفيد القسومي أن الازمة الداخلية ستتعمّق أكثر خلال الفترة المقبلة، خلافا لما يُروّج له بأن المؤتمر أنهى التصدع، حيث ذهب إلى أن الخاسرين في انتخابات المكتب التنفيذي من جهات وقطاعات وتيارات إيديولوجية إضافة إلى المعارضة النقابية لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام توجهات القيادة الجديدة ونية تقديم تنازلات لا يعرف أي كان مداها ”البنية التنظيمية لاتحاد الشغل هي نفس الشكل البنيوي للنقابات العمالية فور ظهورها عقب الثورة الصناعية في فرنسا وبريطانيا…واليوم لم تعد تتماشى على كل المستويات ولم تعد قادرة على تأدية دورها“.

هذا وقد انعقد المؤتمر العام وسط انقسامات داخل هياكل الإتحاد، بين شقّ مؤيّد لعقده وشقّ يطعن في قانونيّة عقده قبل موعده بحوالي 11 شهرا دون اعتباره استثنائيا، وهو ما تم حلّه خلال انطلاق أشغال المؤتمر بعرض المسألة على تصويت النوّاب، الذي حسم الخلاف لصالح قانونيّة عقد المؤتمر لكنه لم يبدد التهديدات والمخاوف من الطعن في قانونية المؤتمر لدى القضاء، ووضع المنظمة تحت رحمة مزاج السلطة.

ويستحضر المتخوّفون من إعلان مفاجئ عن قبول القضاء لطعن في قانونية المؤتمر لم يُكشف عن تقديمه سابقا، ما حصل للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان خلال عهد الاستبداد الماضي، حيث دفعت السلطة رابطيين موالين لها لرفع قضية بالمنظمة ما تسبب في شللها ومحاصرة البوليس لمقراتها حتى سقوط الاستبداد في جانفي 2011.

27 مارس 2026 المنستير – صلاح الدين السالمي الأمين العام الجديد للمنظمة أثناء مشاركته في العملية الانتخابية – FB UGTT

اعتراف واعتذار ومحاسبة

بطبيعة الحال، تشمل المصالحة النقابية الشاملة كلّ من تم تسليط عقوبات عليهم، من تجميد وطرد وتجريد من الصفة النقابية وحرمان من الانخراط..، خاصة النقابيين الذين تعرّضوا لعقوبات بسبب موقفهم الرافض لتنقيح الفصل 20 بعد التراجع عن ذلك التنقيح المثير للجدل خلال مؤتمر المنستير، والعودة إلى ما ينصّ عليه الفصل 20 من تحديد دورتين كحدّ أقصى لعضوية المكتب التنفيذي والأمانة العامة، وهو ما يجعل من إلغاء العقوبات المسلطة على رافضيه طبيعيا ونتيجة للعودة للفصل الأصلي، ومدخلا لمصالحة نقابية شاملة على حدّ توصيف صلاح الدين السالمي.

ومن بين النقابيين الذين سُلّطت عليهم عقوبات على خلفية مواقفهم من المركزية النقابية وممارساتها التي يعتبرونها ”إقصائية وغير ديمقراطية“، العضو السابق بالجامعة العامة للبريد الحبيب التليلي برفض تمكينه من الوثائق لمواصلة انخراطه بالمنظمة ومُتابعة نشاطه النقابي بعد إحالته على التقاعد الذي تزامن تقريبا مع تنقيح الفصل 20 سنة 2021.

ووفق ما أفاد به التليلي في حديث مع نواة، فإن ما تعرض له ينسحب على عشرات النقابيين، وأغلبهم حاليا في المعارضة النقابية بمختلف تفرّعاتها، معتبرا أن المصالحة النقابية التي يطرحها المكتب التنفيذي لا تستقيم دون مرورها بعدد من المراحل، حيث يرى انه يُمكن تشبيهها بالعدالة الانتقالية التي تشمل 3 مراحل أساسية، بداية من الاعتراف ثم المحاسبة واخيرا المصالحة، وعليه يجب على القيادة النقابية الاعتراف بالأخطاء والممارسات التي بلغت باتحاد الشغل إلى ما بلغه من أزمة مركّبة وتصحّر الهياكل القطاعية والجهوية.

ويضيف النقابي المنتمي للمعارضة النقابية الديمقراطية، أن تجريد النقابيين والعقوبات المسلطة عليهم، سواء في علاقة بموقفهم من تغيير الفصل 20 أو غيره، ساهم فيه بشكل كبير أغلبية أعضاء المكتب التنفيذي الجديد سواء من كان يشغل عضوية المركزية النقابية أو من كانوا في الهيئة الإدارية الوطنية بصفتهم كتابا عامين في الاتحادات الجهوية أو الجامعات القطاعية عبر رفعهم تقارير للجنة النظام الداخلي أدت إلى تجميد نقابيين وسحب انخراطاتهم.

ووفق التليلي، فالمُحاسبة لا غنى عنها لبلوغ مصالحة نقابية حقيقية، وهو ما يستوجب على المكتب التنفيذي أخذه بعين الاعتبار خاصة أن العقوبات المسلطة على عديد النقابيين الناشطين أدت إلى تجميدهم وتجريدهم من صفتهم النقابية وحرمانهم من حقهم في الانخراط والترشّح للمسؤوليات النقابية لسنوات، متسائلا عن طريقة تدارك الضرر الناتج عن تلك الممارسات التي أدت إلى تصحير الإتحاد.

وخلص القيادي السابق في قطاع البريد، الى أن المصالحة لا يُمكن أن تكون عبر عفو عن النقابيين المشمولين بالتجميد والحرمان من الانخراط، وهو موقف يتقاطع فيه التليلي مع عديد النقابيين المعنيين، وفق تأكيده لنواة.

من جهتها أكدت منية بالنصر، النقابية الناشطة كذلك صلب المعارضة النقابية، أنه تم تجميدها وتجريدها من صفتها النقابية وسحب انخراطها، بعد معارضتها لتنقيح الفصل 20 من القانون الأساسي، واعتبرت أنه يجب على المكتب التنفيذي الجديد الاعتراف بما قالت عنه ”الجرم الذي ارتكبه في حق المنظمة، وأن يقرّ بأن المعارضة التي تم التنكيل بها كانت على صواب، وأن يُقدّم اعتذاره من مكوّناتها ومن الحركة النقابية برمتها ومن ثم يمكنه طرح المصالحة“، لتستدرك بالتأكيد على أن المكتب التنفيذي الجديد غير شرعي ولا يملك مشروعا إصلاحيا يمكن اعتماده في هذا الظرف الدقيق، وفق قولها.

رهانات غاية في التعقيد والدقة تواجه المستقبل القريب للاتحاد العام التونسي للشغل، فلا انجاز المؤتمر ولا انتخاب قيادة جديدة طردا شبح الازمة المخيمة على الخيمة الجامعة. واقع قد يدفع الاتحاد إلى العودة إلى ما كان عليه زمن استبداد بن علي وتغليب الحفاظ على ”الشقف“ حتى تغير موازين القوى، خيار يرى الكثير من النقابيين عدم جدواه لسببين، الأول أن الشعبوية يرعبها وجود حياة سياسية ونقابية ولن ترضى بغير تصحيرها بالكامل، والثاني أن المهادنة زمن غلاء الاسعار وانهيار المقدرة الشرائية وفتح السجون في وجه الكلمة الحرة سيزيد من ضرب ما بقي من صورة اعتبارية لمنظمة حشاد وهي على مشارف مفترق طرق جديد.