BCE juin 2016

 

مساء يوم الخميس، 02 جوان الجاري، أطلّ رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي على شاشة القناة الوطنية ليتحدّث طيلة ساعة عن مبادرة رئاسيّة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تشمل جميع أطياف المشهد السياسي والمنظّمات النقابية، لتُغمس ايدي الجميع في العجين حسب تعبيره. هذه المبادرة الجديدة التي فاجأت حتى رئيس الحكومة ذاته، عكست وعي الرئيس بانسداد أفق الحكومة الحالية وتقلّص هامش المناورة لديها مع تواتر التحركات الاحتجاجية ضدّها خصوصا في ملفات التشغيل والتنمية إضافة إلى حالة النفور وتصاعد الخلافات التي تسود بين بعض وزرائها والاتحاد العام التونسي للشغل.

طوال هذا الحوار الذي تمحور في أغلبه بين تفسير أوجه التقصير وأسباب الفشل وجدوى “الوحدة الوطنية”، لم يخفي رئيس الجمهورية رغبته في “تعميم الفشل”، وجرّ الجميع لتحمّل المسؤوليّة، خصوصا وأن الخيارات الاقتصادية الحالية ونتائجها الملموسة تنذر بعاصفة أخرى ومواجهات قادمة، ربمّا لن يقوى الائتلاف الحاكم على مواجهتها منفردا، ليبحث عن مخرج، “يُفرّقُ الدمّ بين القبائل” ويشتّت المسؤوليّات.

المسار الديمقراطي المنقوص: خطأهم لا خطأنا

البداية كانت بتوصيف المسار الديمقراطيّ. رئيس الجمهورية الذّي أقرّ ضمنيا بفشل حكومته والحكومات السابقة في تحقيق أي تقدّم على مستوى الملفات الاقتصادية والاجتماعيّة، اعتبر أن المكسب الأبرز بعد سنة 2011، كان مناخ الحريّة والديمقراطيّة التي تخطو بتعثّر وبطء. أما عن عوامل النقص في هذا المسار الديمقراطيّ، فلا تعود بحسب رأي الرئيس إلى تبنّي جلّ الحكومات العقيدة الأمنية ذاتها في التعامل مع التحركات الاحتجاجيّة، أو تأخّر الجهود في محاربة الفساد أو هيمنة رؤوس الأموال وأصحاب المصالح السياسية والاقتصادية على الساحة الإعلامية والتعاطي السطحي مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. بل ارتأى السيد الباجي قائد السبسي إلى ثلاث أسباب رئيسيّة أدّت إلى تباطؤ نسق المسار الديمقراطيّ.

أوّلّ العوامل، تكمن في التعاطي الرخو للدولة مع المخالفين للقوانين وعدم تطبيق القانون بصرامة. ليس على مستوى محاسبة الفاسدين أو المتهرّبين من الضرائب، أو ملفّ رجال الأعمال أو الصفقات المشبوهة في القطاع العام والخاصّ وملفات الطاقة ورخص الاستغلال والتنقيب عن الثروات الطبيعيّة، بل على مستوى الحزم في التعاطي مع المعتصمين في الحوض المنجمي، والمحتجّين في قرقنة. إذ حمّل هؤلاء مسؤولية تعطيل الإنتاج والإضرار بالموازنات العموميّة. إذن، فدولة القانون وهيبة مؤسّساتها تكمن في الصرامة مع رافعي المطالب الاجتماعيّة والاقتصاديّة، لا في محاسبة المتسبّبين في حرمان هؤلاء من حقوقهم.

العامل الثاني يعود إلى التعاطي الإعلامي مع المشهد السياسي والاقتصاديّ. فالطفرة التي شهدتها الساحة الاعلاميّة، محمودة بحسب ما جاء في حوار الرئيس، لكن هذا “الإعلام” بالغ في تقديم صورة سوداويّة عن الواقع، ربّما شذّت عمّا تعوّد عليه المسؤولون في البلاد من أقلام تعكس ما يرغب الحاكم في رؤيته وسماعه. رئيس الجمهورية الذّي شدّد على انتمائه لمحيطه واطلاعه على صغائر الأمور قبل كبائرها، آخذ وسائل الإعلام على الصورة السلبية التي تعكسها عن الوضع العام في البلاد، واعتبرها أحد أسباب تباطؤ المسار الديمقراطي.

أخيرا، نالت المعارضة التي لم يسمّها الرئيس طيلة الحوار، نصيبها من المسؤوليّة. فالدعوة للخروج إلى الشارع والتجييش ضد الحكومة، أساليب لا تساهم في تدعيم المسار الديمقراطي بحسب وجهة نظر الباجي قائد السبسي. بل الأجدر ربّما الاكتفاء بالنقد والتسليم لمنطق الاستقواء بالأغلبية البرلمانية للائتلاف الحاكم والانتظار حتّى تتحوّل المبادرات ومشاريع القوانين أمرا واقعا في سبيل تكريس الديمقراطيّة الوليدة.

الفشل الاقتصادي: الحراك الاجتماعيّ يتحمّل المسؤوليّة

مردود متوسّط، هكذا قيّم رئيس الجمهورية أداء الحكومة الحاليّة برئاسة الحبيب الصيد. لكن تقييمه كان مرفقا بجملة من المعطيات التي أدّت إلى تواضع مردود الفريق الحكومي. إذ ان الفشل في إيجاد حلول حقيقيّة وجذرية لمعضلة البطالة، والتنمية الجهوية، وتراجع الاستثمار واستشراء الفساد وتدهور الخدمات الأساسيّة يعود لعدم قدرة هذه الحكومة المضي قدما في تطبيق القانون بصرامة ضد التحركات الاحتجاجية التي أسهمت في التقليص من الموارد المالية للدولة ودفعتها للجوء إلى هيئات النقد الدولية للاقتراض. الرئيس أشار مباشرة في تحميل المسؤوليات إلى تعطيل انتاج الفسفاط، والاحتجاجات الأخيرة في جزيرة قرقنة ضدّ شركة بتروفاك. سيل من المقارنات بين مبيعات الفسفاط والمحروقات سنة 2010 واليوم، وربط بين خيار التداين وتراجع موارد الدولة من هذه القطاعات. لكن ما تجاهله الرئيس هو السبب وراء هذه التحرّكات الاحتجاجيّة. فلم يشر إلى واقع تلك الجهات التي تحملت الضيم والاقصاء الاقتصادي طيلة عقود رغم ثرواتها الطبيعية الهائلة، وأسقط من حساباته سياسة التسويف والوعود الزائفة والتعامل الأمني العنيف مع مطالب المحتجّين، ولم يأخذ في حسبانه موقف الطرف الآخر واقتراحاته للخروج من الأزمة. فقط اكتفى رئيس الجمهورية بموقع واحد لتبرير فشل الحكومة على المستوى الاقتصادي وتعامى عن عشرات المقترحات والدراسات التي قدّمت رؤية أكثر قربا من واقع تلك الجهات وأكثر عمقا في تحليلها لفشل الخيارات الاقتصادية الحالية.

من هذا التموقع، يمكن تفسير موقف رئيس الجمهورية من الجبهة الشعبية التي هاجمها ضمنيا في أكثر من خطاب سابق، وتجنّب نطق اسمها طيلة ساعة كاملة في الحوار الأخير. وهو ربّما ما دفعه لحسم موقفه واستثناء الجبهة من مبادرة حكومة الوحدة الوطنية، تجنّبا “لاحراجها” ويقينا منه حسب رأيه لرفضها لأي حلول “توافقيّة”. موقف آخر يعكس إصرار الرئيس على استثناء طيف من المعارضة لا يتماشى مع اختياراته السياسية والاقتصاديّة التي جمعته مع “خصوم” آخرين.

حكومة الوحدة الوطنية: منظّمة الأعراف ومنظّمة الشغيلة في مرجل واحد!

بصريح العبارة، حسم السبسي في أهم شريكين في حكومة الوحدة الوطنية المقترحة. حيث اعتبر أنّ هذه المبادرة لن تنجح إلا بانضمام كلّ من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة والاتحاد العام التونسي للشغل للحكومة القادمة. طرح ربّما يتغافل عن تاريخ العلاقة بين المنظّمتين خلال السنوات الخمس المنصرمة. فعدى مرحلة “التوافق المرّ” التي جمعت كلا الطرفين على طاولة واحدة إبان الحوار الوطني للضغط على حكومة عليّ العريّض وإجبارها على التنازل عن الحكم. ولكن الموقف السياسيّ الموحّد للاتحاد العام التونسي للشغل ومنظّمة الأعراف أدّى في نهاية المطاف إلى تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة بداية سنة 2014 برئاسة مهدي جمعة الذّي فرضته منظّمة الأعراف في الدقائق الأخيرة.

“توافق” سرعان ما بدأ بالتصدّع بعد حسم المسألة السياسيّة وبدأ البتّ في الملّف الاقتصاديّ. حيث بان جليّا حجم التناقضات الكبرى بين المنظّمتين في التعاطي مع ملفّات حسّاسة على غرار الإصلاح الجبائي وسياسة الترفيع في الأسعار بالإضافة إلى طبيعة الحلول المطروحة والتي اعتبرها الاتحاد ترقيعيّة لا غير. لتدفن “الهدنة” مع انتهاء الفترة الانتقالية وبدأ المفاوضات الاجتماعيّة في القطاعين العام والخاص. ورغم الانفراج النسبي في هذه الملفات مع توقيع اتفاقيات الترفيع في الأجور في كلا القطاعين، إلاّ أن العديد من القضايا ما تزال عالقة بين المنظّمتين والتي قد تتحوّل قريبا إلى ساحات مواجهة أخرى، خصوصا مع المواقف الأخيرة للاتحاد العام التونسي للشغل خلال موجة الاحتجاجات في شهر جانفي الفارط أو في جزيرة قرقنة إضافة إلى المواجهة مع كل من وزيري التعليم والصحة في الحكومة الحاليّة.

يحاول الرئيس من خلال مبادرة الوحدة الوطنيّة الجمع بين منظّمة الشغيلة ومنظّمة الأعراف في مرجل واحد، قصد توريط الطرف الأكثر إزعاجا في الحكم وإلزامه على غرار تجربة الحوار الوطني بموقف أكثر ليونة، إلا أنّ الرئيس وحده ربّما يملك إجابة لتفسير كيفية القفز على التناقض الجذري بين رؤى قطبي المشهد الاقتصاديّ.

خيارات تُناقش ولا تتغيّر

“حكومة الوحدة الوطنية ستناقش الخيارات التي مضت فيها سابقتها، وتواصل فيها”. هكذا سيكون دور حكومة الوحدة الوطنية القادمة، التي ستعوّض حكومة فشلت بإقرار من رئيس الجمهوريّة. بهذه العبارة سطّر الباجي قائد السبسي المربّع الذّي سيتحرّك فيه الفريق الحكومي القادم.

فشل الحكومة الحالية في الخروج من الأزمة الاقتصاديّة الخانقة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من خمس سنوات، والتي تزداد ارتداداتها الاجتماعية عنفا وقسوة، لم يدفع رئيس الجمهورية وطاقمه إلى التفكير في نجاعة الخيارات الاقتصادية التي تتبناها الدولة حتى قبل 14 جانفي 2011. فاتساع دائرة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى، وتواصل تضخّم الأسعار وأعداد المعطّلين وتردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الجهات الداخلية وأحزمة الفقر في المدن الكبرى، لا يعود بالأساس لفشل اسم او حزب أو فريق حكومي بعينه بقدر ما هو نتيجة حتمية لخيارات اقتصادية حتّمت توزيع البؤس وعمّقت الفوارق الطبقيّة والجهويّة.

وإن كانت تلك الخيارات القائمة على المضي قدما في إقالة الدولة من دورها الاقتصادي والاجتماعي، والتفريط تباعا في القطاع الحكومي ومهادنة الفساد والمراهنة على القروض ستظلّ دون تعديل، فإن حكومة الوحدة الوطنية القادمة لن تكون إلا أداة لتشريك الجميع في الفشل.