الحذر الذي يقارب الخوف، لم يكن يوما حكرا على مجموعات دون غيرها، فغريزة التمسك بالنجاة قادرة على تعميمه، وإن  بدرجات متفاوتة التأثير، على الجميع ليترجم إلى خطوط حمراء و”تابوهات“ ورقابة ذاتية، تغذيها أخبار سجن هذا الشخص أو طرد ذاك من عمله أو الاعتداء على مجموعة محتجة أو إحالة شخص على مجلس التأديب وغيرها من مظاهر القمع والتنكيل والانتقام التي سادت البلاد خلال الفترة الأخيرة.

هذا الخوف من الكلام في السياسة أو من السلطة يدفع الإنسان إلى الابتعاد عن الاهتمام بالشأن العام والنقد وإبداء الرأي والمشاركة في الحياة العامة، كما يدفع عددا من المؤسسات الصحفية إلى تجنّب تناول مواضيع تزعج السلطة قبل التحول إلى أبواق تضليل ودعاية. فبعد أن عرفنا بعد 2011، ولسنوات غير بعيدة، حالة من الانفتاح وحديث الكل في السياسة والسلطة والإعلام في المقاهي والشوارع والاسواق والمساحات العامة، تغيّر المشهد إلى أن أقفر تقريبا بالكامل فالحديث في السياسة والسلطة قد يرسل صاحبه إلى السجن، سواء كان مواطنا عاديا أو صحافيا.

 الخوف والإحباط والتهرّب من الشأن العام

مثل عديد المقاهي والاستراحات في البلاد، هناك مقهى شهير في جبنيانة من ولاية صفاقس، يرتاده منذ تسعينيات القرن الماضي أفراد من النخبة المثقفة في الجهة، من بينهم معارضون للنظام ونقابيون وطلبة وتلاميذ ناشطون وحركيون، وقد مثّل هذا المقهى، على مدى عقود، فضاء للنقاش والخوض في الأحداث الوطنية وتبادل الأخبار ومناقشة الاختلافات السياسية والفكرية. لكن لوحظ في السنوات الاخيرة أن بريق المقهى بدأ يخفت، ولم يعد ذلك المكان الذي تُسمع فيه، كما في السابق، أحاديث السياسة والسلطة والدين والدولة، رغم أن روّاده لم يتغيّبوا عن المكان، ويبدو أن الاهتمامات أو الشغف هما اللذان خفتا. فهل يكون الخوف أحد الأسباب؟

غازي بن علية، 49 سنة، أحد روّاد هذا المقهى، كان في الماضي ناشطا طلابيا،  واليوم أستاذ تعليم أساسي ونقابي، لاحظ في حديثه مع نواة، أن هناك تغيّرا واضحا في أحاديث المقاهي، فقبل سنوات، كان النقاش في السياسة والشأن العام حاضرا بقوة، وكان المواطنون يتحدثون عن قرارات السلطة وأوضاع البلاد ويختلفون في آرائهم، لكن اليوم أصبح الحديث في هذه المواضيع أكثر حذرا، بل إن كثيرين يتجنبونها تماما. يضيف غازي أنه عندما تجلس مجموعة من الأشخاص إلى طاولة واحدة، يكون الحديث عاديا ومتنوعا، لكن ما إن يقترب النقاش من السياسة أو من أداء السلطة حتى يتغير الموضوع سريعا، البعض يكتفي بالاستماع، والبعض الآخر يفضل الصمت، وهناك من يقول صراحة: ”لا دخل لنا في السياسة، كل واحد يهتم بحياته“.

ويؤكد بن علية أن المسألة لا تتعلق، في رأيه، بفقدان المواطنين اهتمامهم بما يحدث في البلاد فحسب، وإنما بالخوف من عواقب التعبير عن الرأي. فقد أصبح المواطن يحسب كلماته ويفكر في من يسمعه ومن يمكن أن ينقل عنه كلامه، لذلك يختار الابتعاد عن النقاش السياسي والتركيز على مشاغله اليومية: العمل والأسعار والأسرة والصحة ومستقبل الأبناء، مشيرا إلى أن الإحباط وعدم الثقة في العملية السياسية برمتها، وفي السلطة والمعارضة على حد سواء، قد يكونان أيضا من أسباب تجنّب الناس الخوض في السياسة عموما.

يفيد تقرير للمنظمة الحقوقية ”تقاطع“، بعنوان ”تحت وطأة التهميش“، أن 285 حالة انتهاك شملت مختلف الحقوق وتوزعت على عدة أقاليم، خلال الفترة الممتدة من مارس 2025 إلى فيفري 2026، بما يؤكد أن الانتهاكات ليست أحداثا عرضية أو معزولة، بل تعكس ديناميكية متكررة تمتد عبر المجال الوطني، في مؤشر دال على اتساع نطاق التأثير، وتعدد الفئات الاجتماعية المعنية، وتعمق الأثر الحقوقي لهذه الممارسات. الانتهاكات تنوعت بين التضييق على حرية التعبير والنشاط الاحتجاجي، والإخلال بضمانات المحاكمة العادلة وغيرها من الحقوق المنتهكة وصولا إلى ضرب الحق في السكن والخدمات الأساسية، فضلا عن التدهور البيئي الذي يمس الحق في بيئة سليمة وصحة آمنة.

معطيات موثقة تكشف أن المواطن أصبح حريصا بحكم ما يتابعه يوميا من اخبار على ألّا يُسمع صوته في الفضاء العام، فحين تتحول المقاهي والأسواق والشارع والأماكن العامة من فضاءات للنقاش إلى فضاءات للصمت، فهذا يعني أن الخوف لم يعد مجرد شعور فردي، وإنما بدأ يؤثر في سلوك الناس وفي علاقتهم بالشأن العام.

المشكلة هنا ليست بالضرورة في غياب الاهتمام بالسياسة أو بالرأي، بل في الخوف من التعبير عنه، ويتسرب هذا الخوف إلى الحياة اليومية من خلال حذف المنشورات وتجنب التعليق أو مشاركة الأخبار التي تسببت في ملاحقة أشخاص أو منظمات مدنية بتعلات ادارية، ومع تكرار هذه السلوكيات، يتحول الخوف إلى رقابة ذاتية، فيبدأ المواطن بمراقبة كلماته وأفكاره واختيار الصمت قبل أن يُطلب منه ذلك.

وقد زاد هذا الشعور بالخوف جراء تفاقم الانتهاكات وتعميم القمع الذي طال مؤخرا من احتج على أوضاعه الحياتية كالحرمان من الماء والكهرباء أو من عبر في منصات التواصل وملاحقته عبر المرسوم 54، أو من احتج على الوعود والمماطلة في تطبيق القانون مثل ما حصل لأصحاب الشهادات في عديد الجهات أو حتى من طالب بعفوية وضع حد للتلوث أو من احتج على مقتل تلاميذ جراء التقصير كما حصل في المزونة وغيرها من أمثلة الظلم التي لم يسلم منها قطاع.

فادي فرايحي عضو منظمة تقاطع أكد لنواة أن الخوف الذي تسلل إلى المجتمع منذ صدور المرسوم عدد 54 جعل العديد من المواطنين والنشطاء يترددون في الحديث عن تعرضهم للمظالم والانتهاكات أو التصريح بما عاشوه، حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا الشأن العام أو بمسائل حياتية يومية، وأبرز أن  عدد حالات الانتهاك التي تمكنت ”تقاطع“ من رصدها وتوثيقها، منذ دخول المرسوم عدد 54 حيز النفاذ إلى اليوم، يتجاوز 70 حالة، مشيرا إلى أن الحالات التي تم توثيقها ونشرها هي فقط تلك التي حصلت فيها على موافقة أصحابها، في حين أن العدد الأكبر من الانتهاكات يظل خارج دائرة الرصد بسبب الخوف من التبعات، حيث أصبح الضحايا يخشون أن يؤدي الكشف عن قضاياهم إلى تعقيد أوضاعهم.

واعتبر الفرايحي أن وصول الخوف إلى حد امتناع المواطنين عن التعبير حتى عن مشاغل يومية، مثل تراكم النفايات في أحيائهم، يعكس عمق تأثير هذا المرسوم في الحياة العامة، مضيفا أن المرسوم عدد 54 لم يقتصر تأثيره على إسكات الأصوات أو الزج بأصحابها في السجن، بل ساهم أيضا في إعادة إنتاج مناخ الخوف والرقابة الذاتية، وإحياء مقولة ”اسكت، الحيطان عندها آذان، لا تحكي ولا تتكلم“، بما يذكر بممارسات ما قبل 2011.

كما تطرق فادي الفرايحي  إلى قضية المحامية والإعلامية سنية الدهماني التي شغلت الرأي العام، معتبرا أن طريقة إيقافها والانتهاكات التي تعرضت لها داخل السجن والأحكام السجنية الثقيلة الصادرة في حقها كان لها أثر واسع على التونسيين، وأن ما تعرضت له وجه رسالة ترهيب إلى كل من يفكر في التعبير عن رأيه حتى على منصات التواصل.

معطيات تفيد بلا مواربة أن السياسة في تونس تحولت من حق إلى مخاطرة، فلا يعود الصمت علامة للرضا بالضرورة، فهو أقرب إلى الخوف أو الإحباط أو فقدان الثقة في جدوى الكلام، والخطر الأكبر أن يمتد هذا الخوف من الأفراد إلى المجال العام، فيتراجع الحوار العقلاني وينتشر الهمس والشائعات ويعزف المواطنون، وخاصة الشباب، عن المشاركة، لتصبح السياسة شأنا مخيفا بدل أن تكون فضاء طبيعيا للنقاش والمساءلة.

11 ماي 2024 دار المحامي تونس – صدمة مراسلة قناة فرانس 24 ماريلين دوما بعد اقتحام عناصر بوليسية ملثمة لدار المحامي وإيقاف سنية الدهماني أثناء البث المباشر – صورة من نشرة افريقيا – فرانس 24

أفول الإنسان العمومي وتحولات الفضاء العام

قد لا يعكس الخوف من الخوض في السياسة والسلطة وحده مجمل التحولات التي يشهدها المجتمع التونسي، الذي أنهكته السنوات الأخيرة، خصوصا بفعل تعاقب السلطات والحكومات دون أن يلمس، في المقابل، تغييرات تذكر على مستوى ظروف معيشته أو الخدمات العمومية المتاحة، فضلا عن فقدان الثقة أصلا في الفاعل السياسي.

في هذا المستوى، لا ينكر الأستاذ محمد الجويلي، الباحث في علم الاجتماع، أن الخوف من السلطة قد يمثل سببا في اختيار المواطن الابتعاد عن شؤون بلده وعن قيم المواطنة، لكنه يعتبره سببا محدودا أمام ما يسمّى بـ”أفول الإنسان العمومي“، وهو مفهوم طرحه عالم الاجتماع الأمريكي ريتشارد سينيت سنة 1977، ويقوم هذا المفهوم على فكرة أساسية تكشف تحولات عميقة في المجتمعات، وهي تحولات نشهدها اليوم أيضا في تونس.

ويبرز الأستاذ محمد الجويلي، في حديثه مع نواة، ”إن أفول الإنسان العمومي يعني تراجع حضور الفرد في الفضاء العام وتقلص قدرته على أن يكون جزءا من مجال مشترك يتبادل فيه الناس الأفكار والمشاريع والتصورات، وبات الناس يتجهون بشكل متزايد نحو الفردانية، فلم يعد الفضاء العمومي مقنعا لهم بالقدر الذي كان عليه سابقا، ولم يعد فضاء يتصورون من خلاله مشاريعهم الجماعية أو يتبادلون فيه أفكارهم حول المستقبل“.

بدلا من ذلك، يضيف الأستاذ الجويلي، ”اتجهنا أكثر فأكثر نحو ما يمكن تسميته بـالخلاص الفردي، أي أن يصبح كل فرد منشغلا بإيجاد الحلول الخاصة والفردية لأزماته المختلفة، وهذا توجه نراه بوضوح في المجتمعات الرأسمالية والمجتمعات التي تتعزز فيها الفردانية، حيث يضيق الفضاء العام تدريجيا ويُعوض بالفضاءات الخاصة، وبمنظومات فردية للمعنى، من قبيل معنى الحياة ومعنى الوجود والأسئلة والإشكاليات الكبرى التي كانت تُطرح في السابق باعتبارها قضايا عامة“.

ويذهب الأستاذ الجويلي في تفسيره إلى أبعد من ذلك، مؤكدا أن ”المجتمع انتقل تدريجيا من منطق الخير العام الذي كانت الدولة ومؤسساتها مسؤولة عن تحقيقه، إلى منطق الخلاص الفردي القائم على المصلحة الفردية، وأصبح الفرد أكثر انشغالا بمشكلاته واحتياجاته الخاصة، وأقل انخراطا في قضايا الشأن العام، وتجلى ذلك بوضوح في الأزمات الجماعية، كأزمات الماء والكهرباء، حيث يغلب البحث عن حلول فردية على مساءلة الأسباب البنيوية وطرح قضايا الحوكمة والسياسات العامة“.

ويربط الجويلي هذا التحول بتراجع دور الدولة وتآكل أداء مؤسسات المرافق والخدمات الاجتماعية، مقابل تحولات اجتماعية عميقة لم تستوعبها المؤسسات القديمة، بما فيها الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وفضاءات الوساطة والتأطير.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في معنى الفضاء العام اليوم، وفي كيفية إعادة تركيبه واستعادة قدرته على إنتاج أسئلة جماعية وحلول مشتركة تتجاوز الفردانية.


السلطة لا تستثني أحدا في تجريم الرأي والتعبير، حوار مع فادي فرايحي
– 27 فيفري 2025 –

قدمت جمعيتا “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” و”المساءلة القانونية”، يوم 21 فيفري 2025، التقرير النصف السنوي (من جويلية إلى ديسمبر 2024) لـ”مرصد انتهاكات حرية الرأي والتعبير” المتعلق بانتهاكات حرية الرأي والتعبير في تونس. في هذا السياق التقت نواة الباحث القانوني فادي فرايحي، لتسليط الضوء على هذا التقرير ومخرجاته.


ملاحقات وحملات تشويه لإضعاف الدور الرقابي للصحافة؟

الخوف الذي غيّر بسرعة سلوكات المواطنين في علاقة بالخوض في الشأن السياسي والعام اجمالا، ينسحب بدرجة أوضح على قطاع الصحافة والاتصال. فالمعطيات المتاحة خلال سنة 2026 تكشف عن تعمق أزمة حرية الصحافة في تونس، في ظل تصاعد الملاحقات القضائية ضد الصحفيين، وصدور أحكام بالسجن، وتوظيف التشريعات الزجرية وخاصة المرسوم عدد 54 والفصل 86 من مجلة الاتصالات، بما يجعل حرية الصحافة في موت سريري غير معلن، لولا بعض مربعات الحرية التي تقاوم الانبطاح والرداءة رغم الهجمات المتواصلة التي تتعرض لها.

 يوم 4 سبتمبر 2026 تم ايقاف رئيس تحرير موقع الكتيبة محمد اليوسفي على خلفية تهم مفبركة تتعلق بالإثراء غير المشروع، بعد أن تم الحكم على الصحفي المعلّق هيثم المكي بسنة سجن نافذة، دفعته إلى مغادرة البلاد كما كان حال الصحفية خولة بوكريم في جوان 2026  المحكومة غيابيا ب 4 سنوات سجن على خلفية تدوينات ناقدة للسياسات العمومية، سبقهما الصحفي المخضرم زياد الهاني وقبله مراد الزغيدي وبرهان بسيس المسجونين منذ أكثر من سنتين.

النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين تشير الى تسجيل 14 ملاحقة قضائية ضد الصحفيين خلال الفترة التي يغطيها التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية، من 1 أفريل 2025 إلى 1 أفريل 2026، كما أوردت منظمة مراسلون بلا حدود أن 28 صحفيا تمت ملاحقتهم قضائيا بموجب المرسوم عدد 54، وفق معطيات منشورة في جانفي 2026.

وقائع وأرقام تفيد بأن التضييق على الإعلام وإضعاف دوره الرقابي، والحد من قدرة الصحفيين على كشف الفساد ومساءلة المسؤولين، يوجه رسالة ترهيب إلى شرائح مجتمعية واسعة ويدفعها أولا إلى التفكير في تجنب الدخول الى السجن وتجنب الاسناد العلني لقطاع تستهدفه السلطة، ما يجعل الصحافة التونسية تعيش واحدة من أحلك فتراتها، وهي فترة لم تشهد مثيلا لها في عهدي بورقيبة وبن علي، على المستويات القانونية والسياسية والمهنية وحتى الأخلاقية.

في ظل هذه المناخات تشير خولة شبح منسقة وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية بنقابة الصحافيين إلى أن  السياق يعزز المخاوف من توظيف المسار القضائي كأداة للضغط على الصحفيين، خاصة عندما تتعلق التتبعات بآراء ومواقف عبروا عنها في إطار ممارستهم حقهم في حرية التعبير أو اضطلاعهم بدورهم في النقاش العام.

وتبرز خطورة هذا المسار، تقول خولة شبح لنواة، في وجود 4 صحفيين يقبعون حاليا في السجن، يقضي أغلبهم عقوبات أو واجهوا أحكاما في قضايا ترتبط أساسا بآراء أو مواقف عبروا عنها، في حين طالتهم ملاحقات أخرى مرتبطة بملفات ذات طبيعة مالية قد تتقاطع، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع نشاطهم المهني، لافتة إلى أن هذا الواقع يطرح مخاوف جدية بشأن استخدام الملاحقات القضائية لإضعاف الدور الرقابي للصحافة، وخلق مناخ من عدم اليقين والخوف لدى الصحفيين والصحفيات، بما قد يدفعهم إلى إعادة تقييم مخاطر تناولهم لملفات ذات حساسية سياسية أو اجتماعية. كما أوضحت منسقة وحدة الرصد أن:

عديد القضايا سبقتها حملات تحريض ووصم قبل الملاحقات أو تزامنت معها، استهدفت صحفيين وصحفيات بسبب أدائهم لدورهم الرقابي والنقدي في معالجة قضايا تهم الرأي العام، من بينها أزمة المياه، والاحتجاجات الاجتماعية، والهجرة غير النظامية، وملفات العدالة، وهذا التداخل بين  خطابات التحريض والكراهية مع المسارات القضائية يشكل مصدرا إضافيا للخطر على السلامة المهنية والشخصية للصحفيين، خصوصا عندما يتحول النقد الموجه إلى المهنة إلى حملات منظمة للتشهير ونزع الشرعية عن العمل الصحفي.

من جهته يعتبر فطين حفصية، عضو المجلس الوطني للصحافة، أننا مهنيا أمام شبه تصحر للمعلومة، بعد الغلق الناعم لهيئة النفاذ إلى المعلومة وتجفيف كل منابع المعلومة الرسمية في مختلف مستوياتها، سواء كانت رئاسية أو حكومية أو إدارية، بمقتضى مناشير وما يعرف في البيروقراطية الإدارية التونسية بـ”التعليمات“ بعدم الإدلاء بالتصريحات الصحفية أو منح أذون التصوير أو تقديم التصريحات.

على المستوى التعديلي، يذكّر فطين حفصية بتجميد ”الهايكا“، التي كانت بمثابة حَكَم المشهد الإعلامي السمعي والبصري، فأصبحنا أمام فوضى مهنية وانحدار في المضامين وخطابات لا علاقة لها بضوابط المهنة أو أخلاقياتها، كما فُتح المجال لما يمكن وصفه باحتلال المهنة من قبل ما يعرف بالمعلّقين ومنتحلي الصفة الصحفية.

أما تنظيميا، فأكد حفصية أن المؤسسات الإعلامية تعاني من وضع اقتصادي صعب وهشاشة مالية، إلى جانب تداخل سوق الإشهار، ما يجعل السوق الإعلامية في تونس سوقا خائفة ومرتبكة.

كل ذلك سينتج آليا أساليب الرقابة الذاتية التي تنطلق من الصحافي، مرورا بصانع القرار التحريري وصولا إلى صاحب المؤسسة، إذا أخذنا مثال الإعلام الخاص، أو المسؤولين المعيّنين من قبل الحكومة، وتحديدا من قبل الرئاسة، إذا كنا نتحدث عن الإعلام الحكومي الرسمي.

11 سبتمبر 2026 نقابة الصحفيين – مؤتمر صحفي لنقابة الصحفيين بحضور فرق دفاع وعائلات الصحفيين المساجين – صور نواة – علاء العقربي

الرقابة الذاتية وسيطرة الخوف على البيئة الصحفية

في هذا المناخ غير الطبيعي وغير السوي الذي تعيشه تونس والمشهد الاعلامي، يكفي أن يرى الصحافي زميلا يخضع لتتبعات قضائية أو يتعرض للتشهير والتحريض وهتك عرضه وتشويه سمعته من طرف السلطة وأنصارها، حتى يبدأ في حساب كلفة ممارسة مهنته باحترافية، ومع تكرار هذه الحسابات، ينتقل الرقيب من خارج الصحافي إلى داخله.

وبالتالي، سنجد موضوعات تُؤجّل وتحقيقات لا تُنجز وأسئلة لا تُطرح، وملفات سياسية يجري تجنّبها باعتبارها حساسة أو مزعجة للسلطة، علاوة على ذلك، لا يتوقف الخوف عند الصحافي، بل يمكن أن يتحول إلى ثقافة داخل المؤسسة الإعلامية، حين تبدأ الإدارة وهيئة التحرير في تقدير مخاطر الموضوع قبل قيمته الصحفية، عندها تتراجع الصحافة عن مساءلة السلطة، ويخسر المجتمع حقه في المعرفة وفي الرقابة على الشأن العام.

يعتقد عضو مجلس الصحافة، أن أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة في أي مجتمع ليس الامتناع عن الكتابة أو تجنّب تداول المواضيع الحارقة والآنية فحسب، وإنما وصول الصحافي إلى مرحلة يمنع فيها نفسه من الكتابة، ويعتبر أن ذلك هو جوهر مشكلة الرقابة الذاتية في تونس اليوم، إضافة إلى موروثات مهنية بالية لها تقاليد راسخة في بعض غرف الأخبار وقاعات التحرير، لافتا إلى أن الخوف لا يحتاج دائما إلى قرار مكتوب أو تعليمات مباشرة، بل يكفي أن يصبح حاضرا في ذهن الصحافي حتى يكون برهانا على الخضوع الذاتي، قبل الخضوع الرسمي الذي يأتي من المكاتب المغلقة لكبار المسؤولين وأصحاب النفوذ والمال والجاه السياسي أو الاقتصادي. ويخلص حفصية قائلا:

نحن اليوم أمام نوعين من الرقابة: التقليدية المتعارف عليها، والذاتية التي تنبع من الإحساس بالخوف والتهديد، وفق ما سبق أن ذكرناه، فالرقيب لم يعد بالضرورة شخصا يجلس أمام الصحافي ويقول له: لا تكتب كذا واكتب كذا، بل الرقيب هنا يصبح فكرة، وهنا يكون للصحافي سلاحان للتصدي لكل هذه الخصائص الرقابية ومناخات الخوف: إما استخدام بند الضمير، برفض الأعمال التي يراها لا تتناسب وضوابط المهنة وأخلاقياتها، وتتعارض مع القيم المهنية ومع ما يؤمن به، وهذا سلاح لا يستبطنه جسم صحفي كبير، وإما الاحتماء بهيكل نقابي متآزر ومتضامن وبهيئات ضامنة لحرية الصحافة والتعبير، وهو أيضا شبه غير موجود الآن، في ظل محاصرة الإعلام رسميا لعدم وجود حزام شعبي لحمايته والدفاع عنه، بالنظر إلى السياق العام الحالي.

في موازاة ذلك، تضيف خولة شبح لنواة، أصبح الفضاء الرقمي أكثر خطورة، ولا سيما بالنسبة إلى الصحفيات، في ظل تصاعد حملات التحرش والتشهير والاستهداف الرقمي الرامية إلى إسكاتهن ودفعهن إلى الانسحاب من الفضاء العام، وكشفت أن  بعض هذه الحملات تعتمد  على الفبركة والتلاعب بالمحتوى، بما في ذلك توظيف تقنيات التزييف العميق وأدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتويات مضللة أو مسيئة، وهو ما يوسع نطاق التهديدات التي تواجهها الصحفيات ويجعل سلامتهن الرقمية جزءا لا يتجزأ من سلامتهن المهنية والشخصية.

 الصحافة بين مواجهة القمع ومشاكلها البنيوية؟

لا يتحمس الأستاذ محمد الجويلي كثيرا إلى اختزال أزمة الصحافة التونسية في القمع والتضييق فقط، متسائلا: هل كانت المضامين الصحفية في مستوى المعايير الدولية والعلمية في فترات الحرية السابقة؟ وهل تعاني الصحافة من مشكلات هيكلية أو بنيوية تجعلها غير قادرة على استيعاب مشاغل المواطن ومشاكله وهمومه اليومية؟

فالخوف يمكن أن يفسر جزءا من الظاهرة، ويمكن أن يؤدي إلى تقييد الصحافي وخفض سقف ما يجرؤ على تناوله، لكنه شدد على أنه لا ينبغي جعل الخوف التفسير الوحيد، فالصحافة، مثل الدولة والمجتمع المدني ومؤسسات المرافق العامة، جزء من هذه العملية، وهي أيضا متأثرة بالأزمة نفسها.

واشار الجويلي إلى أن هذا الخلل ليس أمرا خاصا بتونس وحدها، فنحن أمام ظاهرة عالمية، وإن بدرجات متفاوتة، لافتا إلى نوع من ”السيولة“ التي أصابت الأفكار الكبرى والأفكار القوية، وانعكست أيضا على الصحافة العالمية، يضاف إلى ذلك التداخل الكبير الذي حدث بين الصحافة والإعلام والتنشيط التلفزيوني والإذاعي ومختلف الأدوار الإعلامية، فأصبحت الحدود بين مكونات الصحافة والإعلام أقل وضوحا، فالفنان يمكن أن يصبح إعلاميا والإعلامي يمكن أن يقدم نفسه صحفيا والصحفي يمكن أن يمارس أدوارا  كانت في السابق موزعة بين اختصاصات مختلفة. هناك خلطة جديدة وإعادة توزيع للأدوار، أو ما يمكن تسميته بإعادة تشكيل للمشهد الإعلامي، وقد أدى هذا التحول إلى تراجع الصحافة القديمة، أي صحافة الرأي وصحافة المعنى والصحافة القادرة على صناعة الحدث، وهو نوع من الصحافة تلاشى أو تراجع بشكل كبير، وحلّت محله أشكال أخرى من العمل الاتصالي والإعلامي، وهذا يفسر أيضا لماذا لم تعد الصحف تمتلك القوة نفسها التي كانت تمتلكها في السابق لتوجيه الرأي العام، أو لماذا لم تعد كلمتها مسموعة بالدرجة نفسها.

في السابق، يقول محدثنا، عندما كانت صحيفة تنشر مقالا أو موقفا، كان الناس يتابعونه ويناقشونه وكان لصحفيين بأسمائهم ومواقفهم تأثير واضح في تشكيل الرأي العام، أما اليوم، فقد تغير الكثير في ظل تراجع الطلب على ما يمكن تسميته بالجدية المضمونية، فلم يعد هناك الطلب نفسه على الصحافة التي تحمل رأيا واضحا، أو تقدم تحليلا عميقا أو تطرح الأسئلة الكبرى.

ومن الضروري، في اعتقاد الأستاذ الجويلي، أن نكون واعين بهذه التحولات وأن نفهم لماذا حدثت وإلى أين يمكن أن تقودنا، وأن نعيد طرح سؤال الفضاء العام وإعادة تركيبه، فنحن لا نستطيع أن نفهم أزمته فقط من خلال الحديث عن التضييق أو الخوف، لأن الحريات قد تكون متاحة في لحظة ما، وقد يتسع هامشها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا نجحنا في بناء فضاء عام قوي وقادر على احتضان المجتمع وتحولاته، فالتحدي الحقيقي يتمثل في كيفية بناء فضاء عام جديد قادر على استيعاب التحولات الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للنقاش العمومي وإنتاج المعنى وإعادة وصل الفرد بالجماعة وبالشأن العام.

قد لا نجانب الواقع عندما نقر بأن العالم في تغير مستمر وأن طلب الجمهور في صحافة جادة عميقة تراجع مقابل تنامي الطلب على المضامين الخفيفة الترفيهية وحتى التافهة، فأفضل طريقة تحصّن الاستبداد من الوعي والغضب المجتمعي هي تعميم التفاهة وزرع الأحقاد والتباغض حتى تتحول العقلانية والافكار النقدية إلى مدعاة للسخرية لا مكان لها وسط الغوغاء التي يصنعها خطاب الكراهية والمؤامرات المتواصلة، فيصبح استهداف النشطاء يسيرا بعد اغتيالهم المعنوي عبر التحريض وهتك الأعراض وخاصة عبر توفير حصانة تمكن المحرضين من الإفلات الممنهج من العقاب وتربط الحظوة الاجتماعية التي مكّنتها منهم السلطة بالانصياع البافلوفي لكل ما يُؤمرون بفعله، وكان للصحفيين والأصوات العقلانية الجادة النصيب الأوفر من هذا الاستهداف.

وهنا لا يعود الخوف مجرد شعور عابر أو حالة نفسية فردية، بل يتحول إلى آلية تضبط السلوك العام والذهنية العامة  وتدفع المواطن والصحافي إلى مراقبة ذاته قبل أن يتدخل أي رقيب خارجي. فحين يبدأ الفرد في حذف ما كتب، والصحافي في استبعاد ما يريد التحقيق فيه، والمحرر في إعادة حساباته قبل نشر مادة صحفية، والمواطن في تجنّب الحديث عن السياسة خوفا من العواقب، تكون السلطة قد قطعت شوطا أبعد من مجرد فرض الصمت، لقد بدأت حقا تسكن داخلنا.