كانت التّدابير الاستثنائيّة الّتي اتّخذها الرئيس قيس سعيّد في 25 جويلية الماضي الحدث الأبرز لسنة 2021. ولكنّ السنة تميّزت منذ حلولها بتأجّج الحراك الاحتجاجي الّذي جوبه بالعنف البوليسي، تزامناً مع تدهور الوضع الاقتصادي وتفاقم الأزمة البرلمانيّة، بالإضافة إلى تفشّي وباء كوفيد-19 وفشل الحكومة في توفير اللّقاح، ممّا جعل إجراءات 25 جويلية والتّأويل الموسّع للفصل 80 من الدّستور تبدو فرصة لتجاوز الأزمات المتراكمة. ولكنّ مسار سعيّد اتّجه نحو الانفراد بالسّلطة، منتقلاً بتونس من ديمقراطية فاسدة إلى سلطوية متدثرة بعباءة الشعبوية.

 

موجة احتجاجات شعبيّة

 

شهد شهْرا جانفي وفيفري 2021 احتجاجات شعبيّة موسّعة شملت عديد الأحياء، خاضتها فئات عمريّة متنوّعة، خاصّة الجيل الّذي لم يواكب بالضرورة أحداث الثورة.



علاوة على تناول هذه الأحداث بالنقل والشرح والتحليل، قامت نواة بتغطية أهم التحركات الاحتجاجية بالصوت والصورة.



وكانت هذه الاحتجاجات مسبوقة بتحرّكات جهويّة وقطاعيّة شملت عديد المناطق، مثل سليانة والقصرين وقفصة والمهديّة.





كما تقاطعت الحركات الاحتجاجية في جملة من النقاط أهمها إدانة القمع البوليسي ورفض الحل الأمني في مجابهة المطالب المتعلقة بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد. ومن ميزات موجة احتجاجات الثلاثي الأول من 2021، اندماج عدد كبير من جماهير كرة القدم في دينامية النضال الإجتماعي.


بالإضافة للريبورتاجات والمقالات التأليفية والفيديوهات، واكبت نواة الحراك الاحتجاجي مرتكزة كعادتها على صحافة القرب في تعاطيها مع الأحداث، وعلى الصحافة التفسيرية لتعميم الفائدة والتواصل مع شرائح عمرية واجتماعية مختلفة.


 

قمع حكومة المشيشي

 

جوبهت التحرّكات الاحتجاجيّة بالعنف البوليسي من خلال الإيقافات العشوائيّة الّتي شملت القُصّر، والمداهمات الليليّة وتفتيش هواتف المحتجّين وحجزها، وحالات تعذيب في مراكز الإيقاف أدّت إلى وفاة الشابّ عبد السلام زيّان، وفقدان الشّاب أحمد قم لخصيته، وغيرها من التجاوزات.




تميزت هذه الموجة القمعية بمشاركة فاعلين لا ينشطون بالضرورة في إطار المؤسسة الأمنية. وبالتالي، لم تستأثر الدولة ممثّلة في أجهزتها الكلاسيكيّة بممارسة العنف على المحتجين، وإنّما توسّعت لتشمل ميليشيا الأحزاب.



وقد خصصت نواة شريطاً وثائقياً قصيراً يرصد ما حصل من تجاوزات في هذه الفترة. إذ تجوب الكاميرا المدن التونسية حيث التقى الفريق الصحفي ضحايا هذه الانتهاكات وذويهم. كما حاورت مجموعةً من الفاعلين الرئيسيين.

ولم يتراجع العنف البوليسي بتراجع المد الاحتجاجي إثر الموجة القمعية، وإنما تواصل طيلة فترة حكومة هشام المشيشي.




 

الأزمة السياسية والبرلمانية

 

انعكست الأزمة السياسيّة على أداء البرلمان الّذي أصبح ساحة لتبادل الشّتائم والعنف اللّفظي والمادّي، مع عجز رئاسة المجلس عن تسيير الجلسات بشكل ناجع، في ظلّ الاستعراض الّذي تقوم به عبير موسي رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحرّ وأعضاء كتلة ائتلاف الكرامة، ممّا جعل الأداء التشريعي للبرلمان هزيلا وضعيفا. كما كان مكتب مجلس نوّاب الشعب الّذي يترأّسه راشد الغنوشي محلّ تشكيك عديد الأطراف السياسيّة، من حيث تسيير اجتماعاته وضبط الأولويات التشريعيّة وروزنامة العمل النيابي.



وقد تجاوزت الأزمة البرلمان، لتتحول من باردو إلى القصبة وقرطاج.




يعتبر عدم تمكن المنظومة الحاكمة من إرساء المحكمة الدستورية من أهم تبعات الفوضى البرلمانية وأبرز عنوان لفشلها.


 

أزمة القضاء

 

لم تسلم السّلطة القضائيّة من تصفية الحسابات وتسجيل المواقف، خاصّة مع تبادل التّهم بين رئيس محكمة التعقيب السابق الطّيب راشد ووكيل الجمهورية السابق بشير العكرمي بالإثراء غير المشروع وبالتستّر على الإرهاب. وضعيّة غير مسبوقة شهدها القضاء ومؤسّساته الّتي يُنتظَر أن تحسم الخلافات، لا أن تكون سببًا في حصولها.




 

وضع اقتصادي في تدهور مستمر

 

ويعود السّبب الرئيسي للاحتجاجات وما تبعه من قمع وإيقافات عشوائيّة إلى الوضع الاقتصادي المتردّي، الّذي بدأ منذ المصادقة على قانون المالية 2021، أو لعلّه إشكال قديم متجدّد، تفاقم مع نوايا مراجعة منظومة دعم الموادّ الأساسية والمحروقات، والزيادات القطاعية والآليّة في بعض الموادّ.





كما تفاقمت الأزمة الاقتصادية شهراً بعد شهرٍ طيلة السنة. وضع مالي ساهمت الحالة الوبائية في تأزمه، كما تجاهلته التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد.


 

أزمة كوفيد-19 : الموجة الأخطر على الإطلاق

 

كلّ هذه الفوضى البرلمانيّة والسياسيّة ترافقت مع احتداد الأزمة الوبائيّة الّتي كشفت اهتراء البنية التحتيّة الصحيّة، خاصّة مع وصول السلالة الهنديّة “دلتا” والارتفاع الحادّ في نسب الإصابات والوفيات.





في الأثناء، لم تبذل الحكومة جهدا كبيرا في الحصول على التلاقيح، بل واجهت الأزمة بمقاربة أمنيّة من خلال فرض حظر التجوّل والحجر الصحّي، وهي إجراءات سياسيّة لحصر دائرة الاحتجاجات الشعبية.


سياق راجت فيه الكثير من الإشاعات على مواقع التواصل الإجتماعي وفي وسائل الإعلام. مما استوجب التتثبت والتحري.



 

25 جويلية : المنعرج 80

 

كلّ هذه العوامل مجتمعة كانت كافية لتصاعد الغضب الشّعبي، حيث خرج مواطنون في جهات مختلفة يوم 25 جويلية 2021 وقام عدد منهم بحرق مقرّات حركة النّهضة، تعبيرا منهم على رفضهم لمنظومة الحكم السائدة منذ عشر سنوات. بعد ذلك اجتمع قيس سعيّد بقيادات من الجيش وأعلن اتّخاذه تدابير استثنائيّة، في تأويل موسّع للفصل 80 من الدستور، قام بمقتضاها بتجميد نشاطات البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي.


منذ تجميد نشاطات البرلمان، بدأت التساؤلات تُطرح بخصوص مصير المؤسسة التشريعية، خاصّة مع بداية تشخيص أبرز عللها، بدءا بالقانون الانتخابي، وصولا إلى أداء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ودورها في تطبيق القانون إزاء القائمات المخالفة للقانون، مرورا بالقائمات المترشّحة وشبهات الفساد الّتي تطالها، خاصّة مع صدور تقرير محكمة المحاسبات وحديثها عن القائمات المتمتّعة بالتمويل الأجنبي، وهي قائمات حركة النهضة وقلب تونس وعيش تونسي، والمترشّح للرئاسيات نبيل القروي.





كما تطرقنا لدور المؤسسة العسكرية في التغيير السياسي الذي تم فرضه.


 

المسار السياسي بعد 25 جويلية

 

بعد شهرَين ونصف من اتّخاذ التدابير الاستثنائيّة، عيّن قيس سعيّد نجلاء بودن رئيسةً للحكومة، وبدأ تصوّره لنظام الحكم يتّضح شيئا فشيئا، خاصّة مع تواتر انتقاداته للمؤسّسات والهيئات، مستندا في ذلك على مقولة “الشعب يريد” الّتي يريد من خلالها اختزال المطالب واحتكار تمثيلها.







 

نحو الانفراد بالسلطة وانتهاك الحقوق والحريات

 

مع تمكّن قيس سعيّد من مفاصل الدّولة، أصبحت الحريّات العامّة مُهدَّدة في ظلّ إحالة المدنيّين أمام المحاكم العسكريّة واتّخاذ التدابير التي يفرضها الأمر المتعلّق بحالة الطّوارئ الذي يعود إلى سنة 1978، وتواتر التهجّم على الخصوم السياسيّين ونعتهم بالشياطين وإدانة كلّ من يخالف مسار 25 جويلية.