بفضل مسيرة مهنية طويلة بين مختلف درجات التقاضي، من المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف ثم محكمة التعقيب، راكمت ليلى جفال خبرة التعامل مع مختلف آليات العدالة وكواليس عمل المؤسسة القضائية، لدرجة اعتبارها اليوم رأس حربة نظام قيس سعيّد، حيث تتقاطع سياساتها وخطابها بشكل واضح مع توجهات الرئيس. تجلّى ذلك بوضوح خلال مناقشة ميزانية وزارة العدل ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026 خلال ردها على عدد من استفسارات النواب، بدءا من التطبيق التعسفي للمرسوم عدد 54، مرورًا بإضرابات الجوع الوحشية التي يخوضها عدد من المساجين، وصولا إلى الوضع الكارثي داخل السجون..، اتّخذت الوزيرة موقفا متصلّبا، متمسكة بقناعاتها دون أي استعداد للمراجعة. وقد ردّت على هذه التساؤلات بمزيج من التعالي والسخرية، ما أثار استياء واسعا، حتى داخل صفوف بعض مناصري النظام، الذين عبّروا عن دهشتهم وصدمتهم من النبرة المعتمدة.
المسألة الوحيدة التي أقرّتها الوزيرة، هي محدودية الإمكانيات المتاحة لوزارتها للقيام بإصلاحات هيكلية. فعمليّا، يُخصَّص أكثر من 80 في المئة من ميزانية وزارة العدل لخلاص الأجور. أما فيما عدا ذلك، فقد حرصت الوزيرة على رسم صورة وردية لوضع الوزارة والمرافق التي تشرف عليها، في الوقت الذي اهتزت فيه ثقة نسبة هامة من التونسيين في مرفق العدالة لتتالي وقائع المظالم الصارخة.
اكتظاظ سجني مبالغ فيه؟
تُقرّ الوزيرة بوجود إشكالية الاكتظاظ داخل السجون، لكنها تعتبر أن الانتقادات الموجّهة لسياساتها في هذا المجال ليست سوى مؤامرة. إذ تعلّق في هذا السياق قائلة: ”هناك حملات على فيسبوك حول الاكتظاظ السجني والإضرابات عن الطعام“، مضيفة أن قادة هذه الحملات، ”سواء كانوا داخل البلاد أو خارجها، يسعدهم تشويه صورة بلدهم“.
استنادا إلى العديد من الزيارات الميدانية إلى السجون التونسية، نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في ماي 2025 تقريرا شديد اللهجة حول أوضاع السجون في تونس خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025. وقد خلص التقرير إلى أن حالة أغلب السجون التونسية متدهورة بشكل كبير، إذ إن البنية التحتية المتهالكة وسوء الصيانة لا يستجيبان لا لمتطلبات السلامة ولا لمقتضيات الكرامة الإنسانية ولا للمعايير الدولية المعتمدة. ووفقا للرابطة، لا تتجاوز المساحة المُتاحة لكل سجين في 8 مؤسسات سجنية مترين مربعين، في حين توصي المعايير الدولية بتوفير حد أدنى قدره 4 أمتار مربعة لكل شخص. كما تُسجّل سجون مثل المرناقية وصفاقس ومنوبة نسب اكتظاظ تفوق 150 في المئة من طاقتها الاستيعابية، ما يجعل من شبه المستحيل إدارتها بطريقة لائقة وإنسانية وآمنة.
هذا الاكتظاظ لا يقتصر على كونه مسألة أرقام مجرّدة، بل ينعكس بشكل مباشر على أوضاع الموقوفين داخل السجون. فالاكتظاظ يجعل أي عملية تأهيل أو إعادة إدماج أمرا مستحيلا. فهو يغذّي مناخ العنف ويسرّع من وتيرة انتشار الأمراض.

هذا ويُضطرّ عدد كبير من السجناء إلى النوم على الأرض أو إلى تقاسم سرير واحد في ظروف مهينة، في ظل غياب الفصل بين المساجين حسب نوعية التهم او خطورتها. كما تعاني السجون من تدهور كبير على مستوى النظافة على غرار النقص في المواد الأساسية للتنظيف واكتظاظ دورات المياه، إضافة إلى نقص الرعاية الصحية وهو ما ينعكس مباشرة على الصحة الجسدية والنفسية للمساجين.
هذه الإخلالات الجسيمة بأبسط حقوق الإنسان، تتجاهلها الوزيرة ولا تأتي على ذكرها.
يوم غضب وإضراب عام للمحاماة التونسية بعد اقتحام دار المحامي في مناسبتين وإيقاف سنية الدهماني ومهدي زغروبة، تحرك نفذه المحامون ردا على الانتهاكات الأخيرة واقتحام دار المحامي. حدة التوتر بين السلطة والمحامين زادت بعد تأكيد هيئة المحامين تعرض المحامي مهدي زغروبة للتعذيب وسوء المعاملة، لترتفع شعارات ضد التعذيب والممارسات البوليسية التعسفية مطالبة بالحرية والحق في المحاكمة العادلة.
هل الإيقاف التحفظي شرّ لا بدّ منه؟
يؤدي اللجوء المفرط في اعتماد الإيقاف التحفظي إلى تفاقم الاكتظاظ السجني. ففي سنة 2022، كان أكثر من 55 بالمئة من السجناء رهن الإيقاف التحفظي دون صدور أحكام نهائية في حقهم. غير أن ”كل ذلك يتم وفق القانون“، حسب ليلى جفّال، التي تؤكد أن سياسة وزارتها تسعى إلى تحقيق توازن بين تطبيق القانون وضمان حرية الأفراد. وترى الوزيرة أن آجال الإيقاف التحفظي، التي يمكن تمديدها إلى أجل غير محدّد، تُعدّ معقولة وضرورية لاستكمال الأبحاث في القضايا التي لم يُبتّ فيها بعد.
تُعتبر هذه الآجال، وفق رأيها، ضرورية خاصة في القضايا الجنائية. غير أن المدافعين عن حقوق الإنسان يلاحظون أن هذه الآجال تصبح أقصر بكثير عندما يتعلق الأمر بتجريم مواطنين بتهمة هضم جانب موظف عمومي.
في تصريح لنواة، ندّد شادي الطريفي، عضو المكتب التنفيذي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بحالة التطبيع مع العقوبات السالبة للحرية التي يصدرها القضاة خلال الجلسات القضائية لهذه السنة.
يتجلّى هذا التطبيع كذلك من خلال عدم تفعيل العقوبات البديلة، رغم تنصيص التشريع التونسي عليها منذ سنة 1999 عبر العمل لفائدة المصلحة العامة والذي يمكن أن يعوّض عقوبة سالبة للحرية لا تتجاوز سنة واحدة. وقد كان من المفترض أن تُوسّع الإصلاحات المُعلنة لكل من المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية من دائرة هذه البدائل، مثل السوار الإلكتروني، المراقبة الإدارية والخطايا المالية، وهي إجراءات ملائمة للجنح التي لا تمسّ بالمصلحة العامة. فكل الأعمال المخالفة للقانون والجرائم ليست على نفس الدرجة من الخطورة، ما يقتضي مراجعة الجانب الزجري في المجلة الجزائية. غير أن هذه الإصلاحات ما تزال تراوح مكانها، كما أن خطاب جفّال أمام النواب لا يوحي بأي إرادة سياسية جدية للمضي في هذا الاتجاه. وحسب وزيرة العدل، ليس مطروحا تطبيق هذا النوع من العقوبات البديلة في بعض القضايا الجنائية، حرصا على حماية مصالح الشاكين والمجتمع.

غير أن هذه السياسة التي تُقدّم على أنها تُوازن بين تطبيق القانون وصون حرية الأفراد، أظهرت فشلها حين تعلّق الأمر بالقضايا السياسية وسجناء الرأي. فعلى سبيل المثال، ما الخطر الذي شكّلته سنية الدهماني أو رشاد طمبورة أو العديد غيرهما بسبب قضايا تتعلق بحرية الرأي والتعبير؟ وما الجدوى من إغراق السجون بمشتبه فيهم، في ظل الأوضاع الراهنة للمؤسسات السجنية؟ مع العلم أن التعويضات التي تمنحها الدولة للمساجين الذين تمت تبرئتهم بعد قضائهم عقوبات سجنية وحصلوا على أحكام بعدم سماع الدعوى، زهيدة ولا ترقى إلى حجم الأذى اللاحق بالمتضررين؟
هل محاكمات الرأي إشاعة؟
تتخذ وزيرة العدل موقفا حازما بشأن القضايا المرفوعة على معنى المرسوم عدد 54. إذ يجب الفصل حسب رأيها بين حرية التعبير والتشهير، مستشهدة بأمثلة عن تجّار تعرّضوا للتشهير ما ألحق ضررا كبيرا بسمعتهم التجارية. غير أن هذا المثال لا يعكس واقع مجمل الموقوفين أو المحكومين استنادا إلى المرسوم سالف الذكر. فخلال سنة 2024، أحصت جمعية ”تقاطع من أجل الحقوق والحريات“ 233 قضية تتعلق بانتهاك حرية التعبير وقد شملت شخصيات معروفة وأخرى لم تحظ قضاياها بتغطية إعلامية. هذا دون احتساب القضايا التي آثر أصحابها الصمت خوفا من الانتقام، كما جاء في تصريح مي العبيدي عن جمعية تقاطع، لنواة.
خلال سنة 2025، تواصلت موجة الانتهاكات لتطال قائمة المحاكمات على معنى المرسوم عدد 54 أو على قانون مكافحة الإرهاب فاعلين سياسيين وفنانين، إضافة إلى مواطنين عبّروا عن آرائهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وقد أحصت جمعية تقاطع نحو خمسة عشر حالة، تراوحت بين الملاحقات القضائية والرقابة والقيود الأمنية. وقد استهدفت هذه الانتهاكات فنانا كوميديا ومغنّين ورسّامين ومخرجين ومصوّرا فوتوغرافيا وكتّابا، بسبب ممارستهم لحقهم في حرية الإبداع والتعبير الفني والأدبي، لا سيما حين تتناول أعمالهم نقد الأداء السياسي للسلطة.
على الصعيد السياسي، تبرز قضية المعارض أحمد صواب بوصفها الأكثر رمزية، إذ أُوقف وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات نافذة على خلفية تنديده بما اعتبره ضغوطا سياسية مُورست على القاضي المكلّف بما يُعرف بقضية ”التآمر على أمن الدولة“.
الضغط على القضاة: مجرّد وهم؟
هاجمت ليلى جفّال بشدة من ينددون بوجود ضغوط سياسية أو بوليسية تُمارس على القضاة. إذ تعتبر أنّ مخاوف القضاة من انتقام السلطة منهم والتي عبّروا عنها في أكثر من مناسبة وخاصة فيما يعرف بقضية التآمر، ليست سوى نتاج خيال الخصوم السياسيين الساعين، على حد قولها، إلى تشويه صورة البلاد بادعاءات وصفتها بإنها ”صناعة شيطانية“.
لكن كيف لوزيرة العدل أن تجزم بهذه الثقة بأن تلك المخاوف لا أساس لها من الصحة وهي التي لم تحضر أيّ جلسة من تلك المحاكمات؟
لقد تجلّى التدخل السياسي بوضوح في الحركة القضائية ونُقَل القضاة التي لم تعد أداة لتنظيم سير المرفق القضائي، بل تحوّلت إلى وسيلة ضغط وتوجيه. إذ تُجرى هذه النُقَل في غياب معايير شفافة، وأحيانا بشكل تعسفي أو عقابي، بما يمسّ من الاستقرار المهني والأمن الوظيفي للقاضي، كما أكّد أحد القضاة مفضّلا عدم الكشف عن هويته عند حديثه لنواة.
هل يضمن المجلس الأعلى للقضاء استقلالية العدالة اليوم؟
”كان المجلس الأعلى للقضاء موجودا، ومع ذلك لم تكن العدالة موجودة حقا“، هكذا علّقت ليلى جفّال بسخرية أمام النواب. فهذا المجلس، الذي كان من المفترض أن يسهر على استقلال القضاء وحسن سيره، جرى تعليقه سنة 2022 بمقتضى أمر رئاسي، وعُوّض بمجلس مؤقت.
وفي السياق نفسه، أصدر رئيس الجمهورية المرسوم عدد 2022-11، الذي أرسى مجلسا أعلى جديدا للقضاء، يُعيَن جزء منه، ويمنحه صلاحيات التدخّل في تعيين القضاة، وتحديد مساراتهم المهنية وعزلهم. كما حظر هذا النص حق الإضراب أو ”كل عمل جماعي منظّم من شأنه تعطيل أو عرقلة السير العادي للمحاكم“، إلا أن هذا المؤقت يدوم حتى كتابة هذه الاسطر، ولا توحي تصريحات وزيرة العدل بأي إرادة سياسية حقيقية لسدّ هذا الفراغ. بل ترى جفّال أن تدخل الوزارة في المسارات المهنية للقضاة، من حيث التعيين والنقل، أمران ضروريان لضمان حسن سير العدالة على مستوى توفير الموارد البشرية.
في أكثر من مناسبة، أكدت الوزيرة أنها تتحرك وفقا لقانون سنة 1967 المتعلق بالتنظيم القضائي والمجلس الأعلى للقضاء والنظام الأساسي للقضاة. غير أن هذا القانون، الموروث عن عهد بورقيبة، يكرّس مركزية السلطة التنفيذية على القضاء. بل ويتعارض مع الفصل 112 من دستور 2022، الذي ينص على الاستقلال التام للسلطة القضائية وعلى مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل.
ومن خلال التمسك بهذا النص المتقادم، تُضفي الوزيرة شرعية على تدخّلات تنتهك المبادئ الدستورية الحديثة، وتكرّس وصاية السلطة التنفيذية على القضاة وتقوّض مبدأ الفصل بين السلطات. تدخلات خلّفت تداعيات خطيرة: قضاة غير مستقرّون مهنيّا، دوائر قضائية مضطربة، مسارات قضائية معطّلة وثقّة هشّة في المرفق القضائي بالنسبة للمتقاضين.

يحذّر القاضي محدّثنا من أن:
ما نشهده هو تفكيك لمبدأ الفصل بين السلطات، وانهيار الضمانات القانونية وتآكل خطير لثقة الرأي العام في القضاء. وستطال الانعكاسات مناخ الاستثمار، الذي يحتاج إلى قضاء مستقل ومستقر. كما ستؤثر في قدرة الدولة على مكافحة الفساد وضمان المساءلة. فقضاء مضطرب، خاضع لإدارة سياسية دون هيئة مستقلة، لن يكون قادرا على الاضطلاع بدوره كحام للقانون والحقوق.
إضرابات الجوع ”الوحشية“: كذبة أخرى؟
قلّلت وزيرة العدل من حجم إضرابات الجوع التي خاضها بعض السجناء، ومن بينهم شخصيات سياسية، مثل جوهر بن مبارك مؤخرا. وبلهجة حاولت أن تبدو ساخرة، تعاملت جفّال في الواقع باستخفاف مع معاناة السجناء الذين يلجؤون إلى هذه الإضرابات للمطالبة بالعدالة. وقد اضطر جوهر بن مبارك إلى تعليق إضرابه عن الطعام، الذي دام 33 يوما منذ مطلع ديسمبر، بعد أن نُقل إلى المستشفى 8 مرات بسبب التدهور الحاد في حالته الصحية. الوقائع ثابتة، لكن الوزيرة تفضّل، مرة أخرى، استحضار فرضيات المؤامرة.
استمرار انكار حالات الوفاة المسترابة
وثّق موقع نواة ةخلال الأشهر الأخيرة عديد الحالات لوفاة سجناء في ظروف مسترابة داخل السجون التونسية، مرفوقة بالصور وشهادات عائلات الضحايا.
من جهتها، تشير تقارير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب والمرصد التونسي لاستقلال القضاء، إلى تسجيل أكثر من 130 حالة وفاة بين سنتي 2018 و2023 داخل المؤسسات السجنية التونسية. من بين هذه الحالات، صُنّفت 16 وفاة، وقعت في ظروف غامضة، على أنها ”مسترابة“ دون أن تُستكمل التحقيقات بشأنها إلى حدود نهاية سنة 2023. وتتنوّع أسباب الوفيات بين التعذيب وسوء المعاملة ورفض توفير العلاج الطبي، وصولًا إلى الإهمال المتعمّد.
غير أن الوزيرة تؤكد أن ”لا شيء ممّا ذُكر صحيح“. وفي هذا السياق، أفادت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بأن وفودها مُنعت، في مناسبات عدّة مؤخرا، من زيارة سجون قفصة والمهدية وبلّي والناظور وبرج الرومي.
وقد نفت وزيرة العدل هذه الاتهامات، مندّدًة بما اعتبرته إخلالا من الرابطة ”بواجب الحياد والشفافية“، ومتهمة إيّاها بنشر معطيات مغلوطة حول بعض السجناء دون احترام الإجراءات المعمول بها. كما جدّدت التأكيد على التزام الوزارة بحقوق الإنسان وبمبدأ الشفافية داخل السجون.
هكذا يتواصل إنكار الواقع، في وقت تتراكم فيه الأدلة على الوضع الصعب للمنظومة السجنية وتفشي الانتهاكات.
نتيجة لتجنب وزراء سعيد الحضور في حوارات مباشرة مع الصحافة الجادة، مثّلت جلسات سماع الوزراء خلال نقاشات الميزانية فرصة للصحفيين ولعموم التونسيين لمشاهدة ردود الوزراء وكيفية تفاعلهم مع أسئلة كان بعضها دقيقا محرجا. وبقطع النظر عن فحوى هذه الإجابات بقي مشهد القهقهة الساخرة لوزيرة العدل، عند حديثها عن المضربين عن الطعام، راسخا في أذهان التونسيين مقدما لوحده إجابات شافية على أسئلة لم يتمكن الصحفيون من طرحها.








iThere are no comments
Add yours