كما كان منتظرا، جاءت ردود الرئيس قيس سعيد وهيئة انتخاباته في قطيعة مع واقع الإنتخابات الباهتة. فلا بديل عن التهديد والتخوين والتهرب من المسؤولية، رغم الإقرار الضمني بضعف الاقبال وهزالة النتائج.
كما كان منتظرا، جاءت ردود الرئيس قيس سعيد وهيئة انتخاباته في قطيعة مع واقع الإنتخابات الباهتة. فلا بديل عن التهديد والتخوين والتهرب من المسؤولية، رغم الإقرار الضمني بضعف الاقبال وهزالة النتائج.
أمام مصدح التلفزة الوطنية، ظهرت امرأة مسنّة على كرسيّ متحرّك جيء بها من دار المسنّين بقرمبالية، وهي تقول للصحفي الّذي كان يسألها عن مشاركتها في الاقتراع: “جابوني جيت معاهم”، في إشارة إلى أنّها لم تأت بمحض إرادتها وإنّما تمّ اصطحابها لتنتخب. هذا المقطع الّذي تمّ تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي والّذي لم يتجاوز الثلاثين ثانية أثار غضبًا واستياءً إزاء استغلال كبار السنّ وتوظيف الإدارة في العمليّة الانتخابيّة، وهو ما يكشف جملة من الخروقات التي شهدها الدّور الثاني من الانتخابات التشريعية ليوم 29 جانفي 2023.
هذه هي المرة الثانية التي أتخلف فيها عن متابعة الاستحقاقات الانتخابية العامة بتونس بعد ثورة 17 ديسمبر 2010/14 جانفي 2011 عن قرب ومن الميدان وعلى الأرض. في المرة الأولى حال بيني وبين استفتاء 25 جويلية على الدستور الجديد امتناع السفارة التونسية بالقاهرة عن الاستجابة لطلب تأشيرة دخول تقدمت به يوم 13 جوان 2022. وحتى اليوم لا رد على الطلب، وظلت الرسائل الإلكترونية التي كتبتها لسعادة السفير وجهود النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين لدى الجهات المختصة بتونس العاصمة لا تنفع ولا تشفع. ولا تفسير ولا أسباب لهذا الانتهاك للحق في التنقل ولعرقلة العمل الصحفي والوصول إلى المعلومات.
أغلقت مكاتب الاقتراع للانتخابات التشريعية أبوابها، في انتظار الدور الثاني، وباحت الصناديق بأسرارها. أسرار لم تكن في صالح قيس سعيد ومنظومة 25 جويلية خاصة مع نسبة المشاركة الهزيلة واستغلالها من طرف قوى المعارضة للمطالبة بالقطع مع “مسار التصحيح” وتنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها.
منذ تركيزها في نسختها القيسيّة الجديدة، شهدت هيئة الانتخابات تطوّرًا في عملها. تطوّر أخذ نسقًا تصاعديّا، بدءًا بتغيير تركيبتها بأمر رئاسيّ، مرورا بطرد الأصوات المزعجة داخلها والاستيلاء على صلاحيات هيئة الاتصال السمعي البصري، وصولا إلى تهديد المنتقدين لها وإهانة ما لا يقلّ عن 90% من التونسيين المقاطعين للانتخابات
في إجابة عن سؤال طرحته صحفيّة خلال الندوة التي عقدتها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات يوم 17 ديسمبر الجاري للإعلان عن نسب المشاركة في التصويت، قال رئيس الهيئة فاروق بو عسكر إنّ ضعف نسبة المشاركة، التي لم تتجاوز 8,8%، يعود إلى تغيّر نظام الاقتراع وغياب المال السياسي في الحملة الانتخابية. فهل صحيح أنّ الانتخابات التشريعيّة لم تشهد محاولات لشراء أصوات الناخبين؟
بعد قبول المحكمة الإدارية بصفاقس، يوم 10 نوفمبر 2022، طعن أحد المترشحين للانتخابات التشريعية شكلا ومضمونا، احتدم الجدل حول مآل العملية الانتخابية وشرعية نتائجها.
الإعلان عن النتائج الأولية للاستفتاء، على أهميّته، لم يكن الحدث الأبرز خلال الأيام الفارطة. فنسب المشاركة والمقاطعة والعزوف كانت مُتوقَّعة إلى حدّ ما. ولكنّ الارتباك الّذي بدت عليه هيئة الانتخابات في كيفيّة تسيير أعمالها والّذي تُوّج بالخطأ الّذي سجّلته في نتائج الاستفتاء حسب المراكز الفرعية للاقتراع، كان لافتًا للأنظار.
نشرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يوم 26 جويلية ليلا على صفحتها الرّسمية على فايسبوك النتائج الأولية للاستفتاء على مشروع دستور قيس سعيّد مُفصّلة حسب كلّ دائرة انتخابية. ولكنّها ألغت هذا المنشور نظرا “لتسرّب أخطاء إليه “. فما هي هذه الأخطاء ومن يتحمّل مسؤولية ارتكابها؟
نشرت صفحة رئاسة الجمهورية يوم 25 جويلية، في فترة الصمت الانتخابي، مقطع فيديو مدّته 16 دقيقة ألقى خلالها قيس سعيّد كلمة أشاد فيها بمزايا مشروع دستوره الجديد. كما بثّت القناتان الوطنيتان العموميّتان الأولى والثانية في ربط موحّد حوارًا لرئيس الجمهورية من مركز الاقتراع المدرسة الابتدائية النصر 1 “تطرّق فيه للخيارات الواردة بمشروع الدستور”، وهو ما يُعدّ دعايةَ ممنوعة بمقتضى القانون الانتخابي، يُعاقَب مرتكبها بخطية مالية تتراوح من 3 آلاف إلى 20 ألف دينار.
مع اقتراب موعد استفتاء 25جويلية، تُطرح تساؤلات حول الإمكانيّات المادّية للهيئة لتنظيم هذا الموعد الانتخابي، وحول كيفيّة تأمين السّير العادي للانتخابات بحضور مختلف الفاعلين المدنيّين والملاحظين والإعلاميّين، خاصّة في هذا الظّرف الاستثنائي الّذي أحكم فيه الرئيس قبضته على مختلف السّلط والهياكل.
اقترحت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مشروع رزنامة تتعلق بالمواعيد المرتبطة باستفتاء 25 جويلية الذي لا يفصلنا عنه سوى شهران، في حين لم تُعلن رئاسة الجمهورية إلى حدّ الآن عن اللجنة المكلفة بصياغة المقترحات التي سيُستفتى فيها الشعب، ولم يُصدر الرئيس الأمر القاضي بدعوة الناخبين للمشاركة في الاستفتاء رغم اقتراب نهاية الآجال المنصوص عليها بالقانون الانتخابي. كما أننا لا نعلم على ماذا سيتم الاستفتاء: على دستور جديد للبلاد أو ما سُمي بالجمهورية الجديدة أم على تعديلات دستورية محددة؟
لا شك أن تقرير محكمة المحاسبات عمل شجاع في ظل الضغوطات والابتزاز الذي يتعرض له القضاء وضعف أداء الهيئة العليا للانتخابات في الكشف عن الجرائم الانتخابية، إلا أن ذلك لا يعفي هذا أو ذلك من المضي قدما في إجراءات التتبع ومعاقبة المخالفين في إطار دولة القانون كجزء لا يتجزأ من الانتقال الديمقراطي في تونس .النيابات العمومية للقضاء العدلي والمالي والدوائر القضائية لمحكمة المحاسبات لم تتحرك لحد الآن لمعاقبة أو تجريم مرتكبي هذه الجرائم مثلما حصل في الانتخابات البلدية، مما يطرح تساؤلات عدّة عن سبب تعطل الإجراءات القضائية ضد هؤلاء المخالفين، وعلى من له مصلحة في ذلك.
عرفت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أزمات داخليّة طفت على السطح وأصبحت محلّ سجالات إعلامية وتتبعات قضائيّة، وذلك منذ استقالة شفيق صرصار في ماي 2017 وإقالة محمد التليلي المنصري في 2018 إلى حدّ إعلان نبيل بفون الرئيس الحالي للهيئة عن إمكانية إعفاء عضوين من المجلس. صراعات داخليّة واتهامات بالفساد والتدخّل الأجنبي والتشكيك في نزاهة الانتخابات وارتهان الهيئة للمحاصصات السياسية في انتخاب أعضائها وغيرها من المشاكل قد تنسف الهيئة الدستورية الوحيدة وتضرب المؤسسات الديمقراطية في العمق.
لم نفلح إلى اليوم في الإطلاع على ما يقترحه الفنانون المغيّبون عن عدسة الكاميرا، فالكاميرا التي تحمل جينات ديمقراطية هي كائن بليد في أوطاننا المتخلفة، كائن متملّق ووصولي. وبذلك انبرى هؤلاء الفنانون إلى اتخاذ مسالك أخرى خارج الأفق الاستعراضي للشاشة التي لا تسعى سوى إلى إعدام ثورية الرغبة. ولأن هذه الاقتراحات الجدّية سواء كانت رسما، موسيقى أو مسرحا تضيع في غفلة منا، فإنّنا لسنا مؤهلين بعد لاقتناص هذا الراهن، بل نحن مرتهنون وإلى حقب آتية.
انشغل الرأي العام التونسي بين 2 و9 أوت الجاري بمتابعة أخبار تقديم الترشحات للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها التي ستتم في تونس يوم 15 سبتمبر القادم. انشغال لم يكن ليأخذ حجمه الحالي لو لم ترتكب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أخطاء اتصالية كانت قد بادرت بها منذ نشر الصور الأولى لمقدّمي ملفات ترشحاتهم، موحية لوسائل الإعلام بإتباعها والبحث عن الإثارة عبر نقل تصريحات وصور من شأنها أن تمس من حظوة الانتخابات لدى الجمهور الانتخابي.
بموازاة الزخم السياسيّ المقترن بتواصل النقاشات حول اتفاق قرطاج وأزمة حكومة الشاهد مع الاتحاد العام التونسيّ للشغل ونقابة التعليم الثانوي، تعيش البلاد على وقع التحضير للانتخابات البلديّة في 06 ماي 2018. هذا المسار الطويل لم يأبى إلاّ أن ينتهي بمناخ مشحون بين عدد من الأحزاب ووسائل الإعلام من جهة والهيئة العليا المستقلّة للانتخابات من جهة أخرى. توتّر بلغ أشدّه مع انطلاق الحملات الانتخابيّة منذ 14 أفريل الجاري بعد إلغاء الهيئة لعدد من البيانات الانتخابيّة لترّد عليها بعض الأحزاب باتّهامها بالانحياز.
من مكتبه بالهيئة الفرعية للانتخابات بسيدي بوزيد، شارك محمد التليلي المنصري في المسار الانتخابي الانتقالي منذ مواعيده الأولى. عضو الهيئة الفرعية للانتخابات خلال الإستحقاقين الانتخابيين المتتالين بين 2011 و2014، تدرّج لاحقا في الهيكل الانتخابي ليُصبح عضوا بالهيئة العليا المستقلّة للانتخابات منذ 10 فيفري 2017 قبل أن ينتخب رئيسا لها في 14 نوفمبر 2017. محمد التليلي المنصري الذي وَفَدَ على مجلس الهيئة إثر عمليّة تجديد ثلث أعضائها ستوكل له مهمّة البتّ في قرار تجديد ثلثها مرّة أخرى. هذه المهمّة ستكون اختبارا تتوضّح على إثره مواقف رئيس الهيئة الجديد.