cpr-tunisie-marzouki-crise

بقلم محمد سميح الباجي عكّاز،

أسابيع قليلة تفصل تونس عن الإستحقاق الإنتخابيّ الرئاسي الذّي يشغل الرأي العام بمختلف أطيافه والذّي شهد الإعداد له العديد من الحوادث بدأ بطرائف المرشّحين وانتهاء بفضيحة التزكيات المزوّرة.
ورغم الصلاحيات المحدودة للرئيس القادم وفقا للدستور الجديد، إلاّ أنّ رمزيّة هذا المنصب واختزاله لمختلف السلطات في البلاد منذ 6 عقود هو ما خلق هذا الإهتمام الشعبيّ و الإعلامي الكبير بهويّة الساكن الجديد لقرطاج.

لقد استطاع حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة الذّي كان له المرتبة الثانية من حيث الكتلة التمثيليّة في المجلس الوطني التأسيسي أن يدخل قصر قرطاج عبر أحد مؤسّسيه وأمينه العام محمد منصف المرزوقي، الذّي تولّى منذ ذلك التاريخ منصب رئيس الجمهوريّة المؤقتّة في مرحلة هي الأصعب في تاريخ تونس المعاصر. ورغم الهزّات السياسيّة والأمنيّة الكبرى التي عرفتها البلاد طيلة 3 سنوات من تنصيب المرزوقي رئيسا، وعلى الرغم من سقوط حكومتين في عهده وتفكّك الائتلاف الحاكم، إلاّ أنّ هذا الأخير كان وفيّا لمقولته الشهيرة: “لن أستقيل.. لن أستقيل.. لن أسقيل”.

واليوم يستعدّ الرئيس المؤقّت لمغادرة المنصب الذّي أثار الكثير من الجدل طوال ثلاث سنوات، وقد أحدث فيه بلا ريب تغييرات كبرى انعكست على الصورة النمطية لمنصب رئيس الجمهوريّة وفتّتت إلى الأبد صنم الرئيس المُهاب في أذهان التونسيّين.

وهنا وجب التساؤل، ما كان ثمن بقاء المرزوقي رئيسا للجمهوريّة ؟ وكيف كانت مواقفه، ومن وراءه حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، من المحطّات السياسيّة الكبرى التي عرفتها البلاد طيلة مكوثه في القصر ؟ وهل كان حزب المؤتمر ورئيسه الحقوقيّ أوفياء للشعارات والمبادئ التي تأسّس عليها حزبهم؟

البداية القويّة

بعد انتخابات المجلس الوطني التاسيسيّ في 23 أكتوبر 2011، استطاع حزب المؤتمر أن يحوز على المرتبة الثانية بعد حركة النهضة ب29 مقعدا ليكون القوّة السياسيّة الثانية بمنطق التحاصص النيابيّ. هذه النتائج المبهرة التي حقّقها الحزب في تلك الفترة جعلته في قلب المفاوضات السياسيّة الرامية لتشكيل ائتلاف حكومي يقود البلاد خلال الفترة الإنتقالية اللازمة لاعداد دستور جديد للبلاد. وقد تمّ التوافق حينها على أن تؤول رئاسة الدولة إلى رئيس الحزب آنذاك الذي حاز على مقعد نيابيّ عن دائرة نابل 2. ليبلغ طموح المرزوقي أقصاه بدخول قصر قرطاج كأوّل رئيس للجمهوريّة بعد الثورة من خارج الطبقة السياسية الدستوريّة الي احتكرت المشهد السياسي منذ الإستقلال.

حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة الذي رفع شعار القطع التام مع الماضي السياسيّ للبلاد ومعاداة الدستوريّين وسليليهم من التجمعيّين، سرعان ما ترجم موقفه الراديكالي هذا عبر رفض محمد منصف المرزوقي الترحّم على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة خلال آداء القسم الدستوريّ، لتبدأ أولى الإنتقادات لساكن قرطاج الجديد من الكثيرين، سواء من أولئك الذين اتخذوا من بورقيبة عباءة للعودة للحياة السياسيّة أو من بعض الأطياف السياسيّة أو الشعبيّة التي تعتبر الرئيس الراحل رمزا لا تجوز إهانته وإن كان له من الأخطاء والزلاّت الكثير.

البداية القويّة لحزب المؤتمر في السلطة لم تتوقّف عند هذا الحدّ، بل تجلّت أكثر في خطاب الرئيس الجديد المؤقّت أمام جمع من رجال الأعمال بحضور رئيسة الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة التي وجّه خلالها رسائل قويّة لهؤلاء عبر حديثه عن المستكرشين وهضم حقوق الموظّفين وتحمّل رجال الأعمال لقسط من المسئوليّة عن البطالة وتهميش الشباب والمناطق الداخليّة، وهو ما أثار امتعاض العديد من الحاضرين الذّين لم يتوقّعوا مثل هذا الموقف من الرئيس الجديد.

لتليها فيما بعد العديد من المواقف الرمزيّة التي حاول من خلالها المرزوقي تثبيت صورته كحقوقيّ ومن وراءه صورة حزبه، كاستقباله الشابّة خولة الرشيدي التي تصدّت لأحد السلفيّين في كليّة منّوبة عندما نزع الراية الوطنيّة من أعلى مبنى الجامعة أو استقبال عوائل الشهداء والتمسّك إلى حين بوضع صورة الشهيد أحمد الورغي على سترته أينما حلّ في إشارة لوفاءه والتزامه بردّ الإعتبار لشهداء الثورة.

هذه الانطلاقة “الحيويّة” للرئيس الجديد والمواقف الراديكاليّة لحزبه ما فتئت تخبو شيئا فشيئا وسط تتالي الإستقالات والإنشقاقات داخل الحزب وخصوصا من نواته الصلبة و أعضاءه المؤسّسين.

التحالفات الجديدة تضرب الحزب في مقتل

يعتبر حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة واحدا من أكثر الاحزاب الراديكاليّة في موقفها من النظام السابق، وهو ما ترجمه قول رئيسه ذات يوم أن “بن علي لا يصلح ولا يُصلح”. وقد التزم هذا الأخير بموقفه حتّى الايّام الأخيرة للنظام السابق ووجّه خلال أوائل شهر جانفي دعوات للعصيان المدني وتكثيف الإحتجاجات حتّى اسقاط النظام وعدم الوقوع في فخّ وعود الإصلاح والمراجعة.

هذا الحزب الذّي تأسّس في جويليّة سنة 2001، على يدّ ثلّة من المناضلين الذّين جمعهم العمل الحقوقيّ ورفض الإنتهاكات الأمنية ضدّ المجتمع المدنيّ والفساد الذّي نخر الإدارة والإقتصاد المحليّ، تمسّك بشعاراته ومبادئه حتّى الثالث والعشرين من أكتوبر 2011.
ولكن وإثر انتخابات المجلس الوطني التاسيسيّ الذي كان له فيه النصيب الثاني من حيث التمثيل، بدأ التصدّع يضرب الحزب وخصوصا نواته التأسيسيّة بعد جولات المفاوضات التي صعدت بالمرزوقي رئيسا للبلاد وتشكّل الصورة النهائيّة لتحالفات المرحلة الجديدة.

أولى المستقيلين من “النواة الصلبة” كانت السيّدة نزيهة رجيبة “أم زياد” التي أعلنت خروجها عن الحزب في أوائل سنة 2012 إحتجاجا على ما أسمته الإنتهازيّة السياسيّة للقيادات وخضوعها لاملاءات حركة النهضة التي سعت حسب تعبيرها إلى ابتلاع الحزب وتكييف مواقفه وفق رؤاها. وقد كان هجوم أم زياد محدّدا ضدّ عماد الدايمي، الأمين العام المساعد آنذاك الذي اعتبرته هذه الأخيرة ذراع حركة النهضة في الحزب وآداتها “لأسلمته” وسلب إرادته المستقلّة لصالح الحزب الحاكم.

لم يطل الأمر بالحزب المنتشي بالنصر الإنتخابيّ، حتّى جاءت إقالة الأمين العام للحزب، الأستاذ عبد الرؤوف العيّادي أواخر شهر افريل من نفس السنة، عقب اتهامه بخرق الخطّ السياسي للحزب والمشادة بالكتائب اللبنانية وسمير جعجع في رسالة مكتوبة.

هذا القرار الذي اتخذه المكتب السياسي واجه استهجانا من عديد المنخرطين الذين تعاقبت استقالاتهم احتجاجا على ما اعتبروه انقلابا على الشرعية ومؤامرة لضرب القيادات النزيهة للحزب خدمة لحليفه الأقوى حركة النهضة. في ما اعتبر الأمين العام المُقال أنّ ما حدث مجرّد تعلّة لتصفية الحسابات وتكريس لسيطرة أطرافا معيّنة على الحزب في إشارة واضحة مرّة أخرى لعماد الدايمي المتهّم بقربه من حركة النهضة. وقد قرّر العيّادي إثر هذا الإجراء تاسيس حزب جديد تحت اسم “حزب الوفاء” ليكون انطلاقة جديدة لمسيرته السياسيّة.

محمد عبّو بدوره لم يتأخّر عن ركب المستقيلين، إذ أعلن في فيفري 2013 عن استقالته من منصبه الوزاري وصفته الحزبيّة بعد خلافات حادّة مع زملاءه من وزراء المؤتمر الذّين حمّلهم مسئوليّة تردّي الآداء الحكوميّ، وما اعتبره كما جاء في نصّ رسالة الإستقالة انحرافا للحزب عن مبادئه وشعاراته. وقد اختار بدوره أن يواصل حياته السياسيّة بتأسيس حزب “التيّار الديمقراطي”.

وأخيرا مثّلت استقالة عزيز كريشان من منصبه كمستشار للرئيس ومن الحزب، و من قبله إستقالة المستشار الأول لرئيس الجمهورية التونسية المكلّف بالإعلام، أيوب المسعودي، حلقات أخرى تنضاف لسلسة الإستقالات التي طالت الشخصيات الكبرى في حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة الذي دفع باهظا ثمن السنوات الثلاث من الفترة الإنتقاليّة بأن خسر نصف نوّابه البالغ عددهم 29 نائبا قبيل الإنتخابات التشريعيّة المقبلة. ليخرج الحزب أضعف ممّا كان عليه سنة 2011 نتيجة الخلافات الداخليّة و”زلاّت” المرزوقي وورطة الحكم.

ثمن البقاء

رغم الهزّات السياسيّة والأمنية التي عصفت بالبلاد طيلة ثلاث سنوات وأدّت إلى سقوط حكومتين وتغييب العديد من الوجوه السياسيّة إمّا بالقتل أو بالإقالة أو الفشل واضمحلال عشرات الأحزاب التي دخلت السباق الانتخابيّ سنة 2011، إلاّ أنّ حزب المؤتمر استطاع أن يصمد وأن يبقى في المشهد السياسيّ كتنظيم حزبيّ ومشارك في السلطة عبر أحد مؤسّسيه محمد منصف المرزوقي، الذي لم تنجح الإضطرابات والتحالفات والتغييرات الكبرى في المشهد السياسيّ أن تخرجه من قصر قرطاج.

هذا الصمود والقدرة على البقاء كان لا بد لها من ثمن باهظ دفعه الحزب ورئيسه عبر مواقف وسياسات تضاربت الآراء والمواقف بشأنها، ولكنّها اجتمعت على التناقض بين الموقف المعلن قبل 23 أكتوبر 2011 والممارسة الفعليّة بعد دخول المجلس التأسيسيّ ووضع اليد على كرسيّ الرئاسة.

خلال الحقبة التي قضّاها رئيس الجمهوريّة المؤقّت في منصب الرئاسة، استنزف الحزب رصيده من المصداقيّة والوفاء لوعوده وشعاراته عبر العديد من المواقف التي تتمحور اساسا في:

الموقف من روابط حماية الثورة: هذه الجماعات التي حاولت أن تلعب دورا خلال مرحلة حكم الغنّوشي والباجي قايد السبسي دون أن يكون لها لون سياسي واضح، كشفت عن توّجهاتها العقائديّة ولونها السياسيّ بوضوح بعد 23 أكتوبر 2011، لتتحوّل إلى ميليشيا حزبيّة تمارس العنف الماديّ والمعنويّ ضدّ منتقدي حكومة الترويكا وحركة النهضة بالخصوص. وبعد أن كان العنف حكرا على الجهاز الأمني، أصبح لتلك الميليشيات دور في التنكيل بالمعارضين والمبدعين كما حدث مع الفنّانين في نزل أفريكا والاعتداء على النوري بوزيد ويوسف الصدّيق والهجمات المتتالية على مقرّات الأحزاب والناشطين السياسيّين والذي انتهى بمقتل لطفي نقض في تطاوين على خلفية انتماءه لحزب نداء تونس والإعتداء على اجتماع الجبهة الشعبيّة في باجة أيّاما قبل اغتيال شكري بلعيد، بالإضافة على حادثة الإعتداء الشهيرة على مقرّ الإتحاد العام التونسي للشغل في ساحة محمد عليّ في ديسمبر 2012 عقب توتّر العلاقة مع حركة النهضة واتهامها للنقابة بالتحريض على الإحتجاجات والإضرابات لضرب الحكومة.
كما كشفت الأبحاث الأمنية انتماء بعض عناصر الجماعات الارهابيّة لهذه الرابطات ككمال القضقاضي.

ورغم حالة التنديد الواسعة من مكوّنات المجتمع المدني ضدّ هذه الميليشيات التي كانت تهدّد حالة السلم الاجتماعيّ، إلاّ أنّ حزب المؤتمر كان من أبرز المدافعين عنها، بل ووصل الأمر إلى حدّ استقبال الرئيس المؤقت محمد منصف المرزوقي لوفد منهم في 13 جانفي 2013 معتبرا إيّاهم ضمير الثورة وروحها!

هذا الموقف سرعان ما تغيّر بعد تتالي العمليات الارهابيّة ضدّ قوات الأمن والجيش، وقرار حكومة مهدي جمعة بحلّ هذا النوع من الجمعيّات، ليعلن الرئيس المرزوقي تبرأه منها وإدانته لممارساتها.

العلاقة مع سوريا ومصر: مع اندلاع الثورة السوريّة في مارس 2011، وقبل أن تتداخل المصالح وتبدأ لعبة النفوذ، سارع الرئيس محمد منصف المرزوقي بالتوافق مع حركة النهضة إلى معاداة النظام السوريّ عبر طرد السفير السوري في تونس في فيفري 2012 واستدعاء السفير التونسي في دمشق في خطوة اعتبرتها جميع الأطراف المحليّة والدول الاقليميّة خطوة متسرّعة من الحكومة التونسيّة.
هذا وقد أقدم الرئيس المؤقّت في اليوم التالي إلى سحب الإعتراف بشرعيّة نظام الأسد، واحتضان مؤتمر أصدقاء سوريا في الرابع والعشرين من نفس الشهر، والذي تصدّره الرئيس التركيّ والأمير القطريّ والرئيس التونسيّ حينها.
هذه الخطوة التي اعتبرها الكثيرون ارتجاليّة، نظرا للمصير المجهول الذّي خلّفه هذا القرار بالنسبة لمصير ما يزيد عن 4500 تونسي مقيم بسوريا،، عادت لتطفو على سطح الأحداث مرّة أخرى بعد قدوم حكومة التوافق برئاسة مهدي جمعة التي أعلنت على لسان وزير الخارجيّة التفكير في إعادة العلاقات الإداريّة مع النظام السوريّ، بل وساهمت في تضييق الخناق على الديبلوماسيّة التونسيّة بعد ما اثارته من استهجان من الجزائر حليفة الأسد، خصوصا مع انقلاب الموازين في أرض الشّام وخيار الحلّ الدبلوماسيّ الذي يبدو أنّه صار الخيار الممكن الوحيد.

أمّا مصر، وبعد أن كانت العلاقات وطيدة مع حكم الإخوان المسلمين في مصر، فقد غيّر انقلاب الجيش المصري على الرئيس السابق محمد مرسي وتولّي المشير عبد الفتاح السيسي الحكم طبيعة العلاقة مع تونس. إذ أثار موقف الرئيس محمد منصف المرزوقي ومن وراءه حزب المؤتمر حفيظة الحاكم الجديد في مصر، وهو ما تعمّق اكثر بتغيّب الرئيس التونسيّ عن حفل تنصيب السيسي، وردّ الآخر بالمثل عبر التغيّب عن حفل اختتام كتابة الدستور التونسيّ، ممّا جعل العلاقات المصريّة التونسيّة في حالة من الفتور لم تعرفها إلاّ في ما ندر من تاريخها المعاصر.

الموقف من التحرّكات الاحتجاجيّة: حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة الذي دعا ذات يوم إلى العصيان المدنيّ والتحرّك الاحتجاجيّ السلمي في مواجهة النظام ،أضاع بوصلته خلال السنوات الثلاث الماضية إزاء التحرّكات الإحتجاجيّة التي شهدتها البلاد ضدّ حكم الترويكا وحتّى حكومة مهدي جمعة.

فقد التزم الحزب ورئيسه الصمت تجاه القمع الذي جوبهت بها الإحتجاجات الشعبيّة التي شهدتها البلاد في أكثر من جهة سواء في تحرّك العاطلين عن العمل في 07 أفريل 2012، أو في الصخيرة، أو في الكاف. بل وكان موقف المرزوقي هزيلا ومثيرا للسخرية إزاء القمع الوحشيّ الذي تعرّض له أهالي سليانة سنة 2012، ومجابهة مطالبهم بخراطيش “الرشّ” التي أدّت إلى فقدان الكثيرين لبصرهم.

إذ انحصر موقفه في الأسف والألم تجاه ما حلّ بأهالي مدينة سليانة، وابتدع في حينها نظريّة “الكلاسط والصبّاط” محاولا تبرير عجز الحكومة عن تلبية مطالب المحتجّين في مشهد حزين يعكس رياء ولا مبالاة رئيس كان شعاره الأكبر في مسيرته النضالية مسألة حقوق الإنسان ومحاربة القمع البوليسيّ.

موقف المؤتمر من الإغتيالات والفشل الحكوميّ: رغم الهزّات السياسيّة الكبرى التي تبعت اغتيال كلّ من الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي والتي تمثّلت في اسقاط حكومة حمّادي الجبالي و علي العريض ومن ثمّ اسقاط حكومة الترويكا وانهاء الائتلاف الحاكم، إلاّ أنّ حزب المؤتمر كان بعيدا عن تحمّل مسئوليته السياسيّة والأخلاقيّة من حالة الإحتقان والعنف التي استشرت في البلاد، رافضا مبدأ الاستقالة في كلتا الحالتين وهو ما عبّر عنه صراحة محمد عبّو الذي استاء من لا مبالاة وزراء المؤتمر بتردّي الآداء الحكوميّ وعدم اعترافهم بضرورة التقييم والمحاسبة والإقرار بالفشل خلال سنتين من تواجدهم في السلطة.

وقد سعى رئيس الدولة المؤقّت إلى الانحاء أمام عاصفة الغضب الشعبيّ حينها عبر إلقاء المسؤوليّة على أعتاق حليفه الأكبر حركة النهضة ومحاولة التنصّل أو التعامي عن المطالبة بإسقاطه هو نفسه من الحكم.

بل وذهب المرزوقي أبعد من ذلك عبر الحديث عن محاولات انقلابيّة تستهدف الحكومة والرئاسة في سعي واضح لامتصاص الغضب الشعبيّ وتحويل الأنظار عن الأزمة الرئيسيّة، دون أن يكشف حتّى هذه اللحظة عن الأسماء والجهات التي حاولت الإنقلاب عليه.

المؤتمر والإرهاب: لقد بدأت مؤشّرات تنامي خطر الإرهاب منذ وقت مبكّر في تونس، عند أوّل مواجهة في بئر علي بن خليفة. وتتالت بعدها التقارير والأخبار عن معسكرات التدريب وخطوط تهريب السلاح تحت أنظار حركة النهضة وتجاهلها لنموّ الجماعات الارهابيّة وازدياد قوّتها، بل وذهبت إلى حدّ الدفاع عن مشروعها.
هذه الممارسات من قبل حليف المؤتمر لم تجابه هي الأخرى سوى بالسلبية والصمت والتعامي عن الواجب السياسي والأخلاقي تجاه البلاد باعتباره شريكا في الحكم، سواء في الحكومة الائتلافيّة، أو عبر شغل منصب الرئاسة.

وقد انحصر موقف المؤتمر في بعض التصريحات الباهتة، أو مشاركة الرئيس في جنازات العسكريّين والأمنيّين وإعلان الحداد إثر كلّ عمليّة عسكريّة. بل ووصل الأمر بالرئيس إلى الإستهانة بالخطر الإرهابيّ عبر الدعوة إلى تحويل جبل الشعانبي إلى متنزه حكومي، لتأتيه الإجابة سريعا بعمليّة كانت الأكبر من نوعها من حيث الخسائر البشريّة في شهر جويليّة الفارط والتي سقط على إثرها 15 عسكريا وجُرح أكثر من عشرين منهم.

الموقف من الحوار الوطني وحكومة مهدي جمعة: بعد إغتيال الشهيد البراهمي وانطلاق اعتصام الرحيل في ساحة باردو، وسط توافق شبه كليّ بين أحزاب المعارضة على ضرورة اسقاط حكومة الترويكا، رضخت حركة النهضة في النهاية وأعربت عن استعدادها للحوار والبحث عن بديل لحكومة عليّ العريّض لينطلق على إثرها الحوار الوطني الذّي جاء بمهدي جمعة على راس حكومة جديدة عُرفت “بحكومة التوافق”.

موقف حزب المؤتمر لم يشذّ عن مواقفه السابقة في استماتة واضحة على الحكم برفض هذا الحوار واعتباره انقلابا ناعما على الشرعيّة الإنتخابيّة، بل وقاطعه رغم مشاركة رئيسه في فعاليات الإفتتاح. هذه المشاركة لم تعكس موقف المرزوقي الممتعض من اسقاط الائتلاف الحاكم وهو ما ترجمه استمرار مقاطعة حزبه للجلسات ورفضه القاطع للإقترحات والإسماء المطروحة. بل واتهّم العديد من المشاركين في الحوار الوطنيّ الرئيس المؤقّت بالسعي لإفشال الحوار وتعميق الأزمة السياسيّة كما جاء على لسان الطيّب البكّوش عن حزب النداء الذّي أعلن أنّ الرئيس المؤقّت يماطل ويناور ويسعى لإحراج الأطراف المشاركة عبر التصريحات الفرديّة والإدلاء بمواعيد لإعلان تشكيلة الحكومة الجديدة دون الرجوع للفاعلين في الحوار الوطنيّ.

هذا الموقف المحترز، وإن استمرّ من قبل الحزب رغم استقالة أعضاءه من وزاراتهم عقب الإتفاق على الحكومة الجديدة، إلا انّ رئيس الدولة أعلن عند تنصيب مهدي جمعة عن دعمه المطلق له واستعداده لتقديم العون لإنجاح عمل فريقه الحكوميّ في تناقض غريب مع موقفه الأوليّ.

ماذا بقي لحزب المؤتمر في الإستحقاق الانتخابيّ القادم؟

خلال الحملة الانتخابيّة السابقة، ركّز حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة على ثلاثة محاور اساسيّة مثّلت تلخيصا لبرنامجه الإنتخابيّ. وقد تمحورت أساسا حول القضاء على كلّ اشكال التعذيب وامتهان كرامة المواطن على يد الجهاز الأمنيّ، السعي لبناء اقتصاد وطني يشجّع على المبادرة الفرديّة ويخلق التوازن الجهوي المطلوب ويحفظ دور الدولة في الدورة الإقتصاديّة، وأخيرا ردّ الإعتبار للشهداء وللجرحى ومحاسبة المذنبين في حقّ الوطن وقتلة المحتجّين ورموز الفساد في النظام السابق.

هذه الشعارات الكبرى التي رفعها الحزب منذ ثلاث سنوات، تعرّضت لاختبار صعب أظهر إفلاس الحزب وتضحيته بمبادئه في مقابل الحفاظ على السلطة والتشبّث بمقاليد الحكم وإن بالمشاركة.

فعلى مستوى الشعار الأوّل الخاصّ بالتعذيب و التعامل الأمنيّ مع المواطنين، فقد بيّنت الأحداث أنّ الحقوقيّين الذّين كانوا ضحايا الإستبداد والتعذيب منذ سنوات خلت، تعاموا عن عودة الممارسات الأمنيّة الوحشيّة مع المواطنين في الشارع أو اثناء الإعتقال. ففي الفترة التي قضّاها المرزوقي في قصر قرطاج، التي تعاقبت خلالها ثلاث حكومات، شهدت البلاد أمثلة عديدة من انتهاكات حقوق الانسان سواء في أفريل سنة 2012، خلال مظاهرة العاطلين عن العمل أو عيد الشهداء، بالإضافة إلى احداث “الرشّ” في سليانة والصخيرة والكاف وتتطاوين، أو خلال التعامل الأمني مع اعتصام الرحيل الذي جرح خلاله 65 متظاهرا من بينهم 3 نوّاب من المجلس الوطني التأسيسي ومقتل محمد المفتي في قفصة. أمّا خلال الإيقاف أو الإعتقال، فلم تتوقّف ممارسة التعذيب أو القتل البطيء كما حصل مع بشير القلّي ومحمد البختي الذين توفيّا إثر اضراب جوع وحشيّ خلال اعتقالهما بتهمة المشاركة في الهجوم على السفارة الأمريكيّة، أو حادثة وفاة محمد دنقيز الذي ادّعى الأمن محاولته الفرار أثناء إيقافه لتبيّن صور الجثمان في ما بعد آثارا لعمليّة تعذيب وحشيّ، أو كما حصل مؤخّرا مع وفاة محمد علي اللواتي في ظروف مسترابة بسجن برج العامري ومحمد علي السويسي الذي توفيّ بعد تعرّضه للضرب الشديد أثناء إيقافه في منطقة الأمن في السيجومي يوم 03 أكتوبر 2014.

على صعيد الملفّ الإقتصاديّ، بدا حزب المؤتمر، ورئيس الجمهوريّة المؤقّت محمد منصف المرزوقي مغيّبين تماما، بالرغم من الجدل الكبير الذّي اثارته العديد من الملفّات الإقتصاديّة كالتصريحات الخاصّة بوضعيّة المؤسّسات العموميّة أو تجديد اتفاقيات استغلال الثروات الطبيعيّة وملفّ غاز الشيست، ومسألة الديون، وطبيعة وخارطة الإستثمارات، بالإضافة إلى التدهور المتواصل للاقتصاد المحليّ والذي ترجمته مؤشّرات التضخّم وسعر الصرف وعجز الميزان التجاريّ وعجز الموازنة العموميّة.

إلاّ أنّ حزب المؤتمر لم يبدي خلال أيّ مناسبة موقفا جديّا وصارما تجاه كيفيّة معالجة الأزمة الإقتصاديّة. بل وفي خضّم التراجع الإقتصاديّ، اثارت ميزانيّة الرئاسة التي تجاوزت 70 مليون دينارا الكثير من نقاط الإستفهام حول مدى ادراك الرئيس لحجم الأزمة وتبعات هذه الزيادة على المستوى السياسيّ على الأقلّ. في ما ظلّ ملفّ التنمية الجهويّة ومعاناة سكّان المناطق الداخليّة منسيا بعد أن كان أحد العناوين الكبرى التي ساهمت في دخول الحزب إلى المجلس الوطني التاسيسي.

أخيرا، وبعد أن سقطت صورة الشهيد أحمد الورغي عن سترة رئيس الجمهوريّة، يبدو أنّ قضيّة الشهداء بأسرها قد غابت عن اجندة حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة.
فبعد الإهانات والتنكيل التي تعرّض لها الجرحى أمام وزارة حقوق الانسان في عهد سمير ديلو، والتي لم تجابه سوى بالصمت المطبق أو التصريحات الباهتة، بدأ ملفّ الجرحى وشهداء الثورة يغدو مصدر إزعاج لهذا الحزب الذي تاجر بتضحياتهم ورسم صورته “الراديكاليّة” بدمائهم.

فتتالت بعدها الفضائح بإطلاق رموز الفساد في عهد النظام السابق ليعودوا من جديد إلى معترك الحياة السياسيّة وينافسوا المرزوقي عن طيب خاطر في الإستحقاق الانتخابيّ القادم. أما شباب الثورة الذّين فتحوا سماء تونس لعودة “مناضلي” المؤتمر فيتم اصطيادهم الواحد تلو الآخر ومحاكمتهم بتهم التخريب والحرق والفوضى، دون أن نسى ما حلّ بعائلات الشهداء الذّين غُيّبوا وتجاهلت الحكومة اعتصامهم عقب الأحكام التي برّأت قتلتهم، تحت أنظار قيادات الحزب وعلى رأسهم محمد منصف المرزوقي الذّي تعهّد ذات يوم بأن لا يهدأ له بال حتّى يعيد إليهم الإعتبار ويسترّد لهم حقوقهم.

فهل ستصلح بعد الآن دماء الشهداء للمضاربة السياسيّة من جديد؟ و بماذا سيعد من تشبّث بالسلطة لمدّة ثلاث سنوات وضحّى في سبيلها بما ناضل من أجله ثلاثين سنة ؟